سياسة

بالنسبة لمايك بنس، دعم الاحتلال الإسرائيلي مسألة مقدسة

بقلم: زاها حسان

يتوق مايك بنس ليكون مُخلّص الإنجيليين، لذا يتمسك بدعم الاحتلال والرغبة في تقويض خيار حل الدولتين وإهانة للفلسطينيين، فكل ذلك بالنسبة له يأتي في إطار أمر إلهي.

 

تمثل “أهلا وسهلا” التحية التي يستقبل بها الفلسطينيون ضيوفهم، ولكن هذه الكلمات الترحيبية لن تُذكر أمام نائب الرئيس الأمريكي، مايك بنس، في جولته للمواقع المقدسة في القدس الشرقية المحتلة الأسبوع المقبل، لأنه وبكل بساطة غير مرحب به.  ولا تزال صورته، وهو يقف بإعجاب إلى جانب الرئيس، دونالد ترامب، أثناء إعلانه قراره المتهور بأن القدس عاصمة لإسرائيل، حية في العقل الفلسطيني.

 

ووفقا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي في الفترة الممتدة بين 6 كانون الأول/ ديسمبر، أي تاريخ الإعلان عن القدس عاصمة لإسرائيل، و31 كانون الأول/ديسمبر 2017، 14 فلسطينيا وأصابت أكثر من 3600 شخصا وقعوا ضحايا استنشاق الغاز السام أو نتيجة الرصاص المطاطي أو الحي. وفي الأثناء، لا توحي هذه الاحتجاجات والمظاهرات بأي نية في التراجع أو التهدئة من الجانب الفلسطيني.

 

من جانب آخر، لم يكن موقف مايك بنس مُستغربا، فقد قدم نفسه خلال الحملة الانتخابية كبطل مدافع عن حقوق المسيحيين في الشرق الأوسط في وجه “الطرف العنيف”. في الوقت ذاته، ظهر في بعض الدعايات التي تستهدف المواطنين الأمريكيين الذين يعيشون في إسرائيل ومستوطناتها غير الشرعية، وهو يعدهم قائلا: “معركة إسرائيل هي معركتنا، والقضية الإسرائيلية هي قضيتنا”.

 

ولكن، أين سيتموقع المسلمون والمسيحيون الفلسطينيون الذين هُجّروا بشكل منهجي من ديارهم وممتلكاتهم منذ سنة 1948؟ هل تعتبر المعركة الإسرائيلية التي يُمارس فيها التطهير العرقي للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، معركة ترامب وبنس أيضا؟ وهل القضية الإسرائيلية التي تتمحور حول مصادرة أراضي الفلسطينيين هي قضية بنس وترامب؟

 

في هذا الصدد، يبدو أن الممارسات المتكررة للتطرف الإسرائيلي العنيف لا تمثل أي مشكلة بالنسبة لمايك بنس، بل تندرج في إطار أمر إلهي مقدس. ولن يكون من العدل أن يُنسب هذا التحول الزلزالي للسياسة الخارجية الأميركية، إثر قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، لنائب الرئيس. بيد أن بنس، مثل أي نائب رئيس جيد يرغب يوما ما في أن يصبح رئيسا، سيحاول التقرب قدر المستطاع من أنصار ترامب المؤمنين بعودة المسيح، ليرونه كأنموذج حقيقي للمسيح المصغر بالنسبة لهم.

 

في الواقع، كانت تلك الصورة الاستعراضية التي أُعدّت بعناية احتفالا بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والتي يظهر فيها مايك بنس محاطا بأشجار عيد الميلاد في الوقت الذي تُنزع فيه المدينة المقدسة من طاولة المفاوضات، تهدف بالأساس لإبلاغ هذه الرسالة. علاوة على ذلك، لم يكن توقيت الاعتراف بالقدس من عمل بنس وفهمه المشوه للإنجيل، بل كان عملا دنيويا بحتا وفقا للطراز القديم، الذي يفي بالغرض ووفق سياسة “دهس الفلسطينيين تحت عجلات الحافلات” المُزدانة برموز دينية وإشارات إنجيلية تاريخية يجعلها تتماشى بسلاسة مع الموقف.

 

كما يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الجدول الزمني للتطورات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية قُبيل هذا الإعلان. ففي الأول من كانون الأول/ ديسمبر، حصل روبرت مولر، المحقق الخاص في تحقيقات التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، على إقرار بالذنب من قبل مايكل فلين، مستشار الأمن القومي لدى ترامب سابقا. وذكر فلين في ذلك الإقرار أن الابن الأكبر لدونالد ترامب وجاريد كوشنر قد تورطا بشكل مباشر في جهود السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

 

ومع تنامي التهم الموجهة للرئيس ودائرته المضيقة، كما وصفها بالتفصيل مايكل وولف في كتابه الفضائحي “النار والغضب”، أصبح دعمهم للجناح الإعلامي اليميني ودعم المتبرعين الإنجيليين المساندين بشدة لإسرائيل، على غرار شيلدون أديلسون، ذو أهمية حاسمة.

 

وفي حال كان الرئيس الأمريكي يقع فعلا تحت ضغط كبير من أجل تنفيذ وعده الانتخابي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فقد أُجبر على تأجيل هذه الخطوة بهدف إعادة إحياء محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ولكن مع صدور إقرار فلين، لم يعد بمقدوره الانتظار أكثر من ذلك. ومن أفضل من نائبه مايك بنس، الذي أعد العدة حينها للسفر إلى إسرائيل ليلقي خطابا أمام الكنيست في كانون الأول/ديسمبر 2017، ليشاطره الرأي ويسانده في هذه الخطوة؟ خاصة وأنه يُعد حامل لواء الإنجيليين.

 

في المقابل، لم يكن شطب القدس من طاولة المحادثات وإنهاء حل الدولتين كافيا لإشباع شجع أنصار ترامب وبنس وإرضاء المانحين. حيث أصبح الهدف الآن يتمثل في تدمير الفلسطينيين كمجموعة قومية وتدمير تاريخهم ومطالبهم وحقوقهم. ولتنفيذ هذا الهدف، تعتزم الإدارة الأمريكية خفض مبلغ كبير من المساهمة السنوية التي توفرها للأونروا، وهي الوكالة التابعة للأمم المتحدة المهتمة بتوفير الغذاء وتعليم الأطفال والعناية الصحية لخمسة مليون لاجئ فلسطيني مسجل لديها.

 

وتقدر قيمة المساهمة الأمريكية لهذه الوكالة بمبلغ 300 مليون دولار. تجدر الإشارة إلى أن وكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين قد تأسست قبل قرابة سبعة عقود ردا على رفض إسرائيل السماح للاجئين بممارسة حقهم في العودة إلى ديارهم أو تمكينهم من ممتلكاتهم. وبالتالي، يبدو أن الرئيس ترامب لا يدرك أن اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم المشروعة لا يمكن أن تختفي بمجرد منع التمويل عن الوكالة أو تدمير الأونروا.

 

لكن، كل ما يمكن تحقيقه جراء هذه الخطوة هو حصد مئات الآلاف من العائلات الفقيرة الجائعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة والأردن ولبنان وسوريا، بالإضافة إلى مغادرة نصف مليون طفل لمقاعدهم الدراسية، الذين سيصبحون عرضة للأمراض، التي لا يمكن الوقاية منها أو معالجتها بسبب نقص الرعاية الصحية. كما لن تقتصر التداعيات السيئة لهذا القرار الاعتباطي على الدول التي تستضيف اللاجئين الفلسطينيين فحسب، بل سيكون لها صدى واسع في جميع أنحاء المنطقة.

 

من هذا المنطلق، نحن ندعو السيد مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي، أن يعفو عن الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين لعدم الترحاب به بحرارة في منازلهم وكنائسهم ومساجدهم، على غير ما عُرفوا به من كرم الضيافة. ويعود ذلك إلى أنهم مشغولون هذه الأيام بصراع البقاء على قيد الحياة أثناء مقاومتهم للاحتلال العسكري الذي اعتبره بنس مسألة عقدية، وأيده من أعماق قلبه واعتبره قضيته ومعركته.

 مترجم من الإنجليزية لصحيفة ميم من هاآرتس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد