مدونات

اليونسكو تتخلص أخيرا من إسرائيل والولايات المتحدة

بقلم: جيرمي سولت

اتفقت الولايات المتحدة وإسرائيل على الانسحاب من اليونسكو، حيث لا يمكن أن نتوقع غير هذا التصرف من دولتين مارقتين يديرهما اثنان من أخطر الحمقى في العالم. في حقيقة الأمر، تسببت هاتان الدولتان في خلق موجة من العنف الهائل في الشرق الأوسط، وذلك منذ أقدمت إسرائيل على فرض وجودها على الأراضي الفلسطينية. من جانبها، ومنذ من سنة 1990، شنت الولايات المتحدة حروب إبادة جماعية ضد ثلاثة بلدان أخرى ألا وهي العراق، في مناسبتين، وليبيا وسوريا، في ظل تواصل دعمها للسعودية في خضم حرب الإبادة الجماعية التي تقودها في اليمن.

 

أما بالنسبة لإسرائيل، يعد وجودها بشكل دائم خارج نطاق القانون الدولي شرطا ضروريا لوجودها. في الواقع، كان ينبغي أن

الكاتب جيرمي سولت

يتم طردها من الأمم المتحدة منذ فترة طويلة، أو على الأقل تعليق عضويتها إلى أن تبادر بالعمل على تغيير ممارساتها الشنيعة. لماذا قد يسمح هذا التجمع الدولي بعد كل ما حدث باستمرار عضوية دولة لا تطبق القواعد؟ لقد تم تحذير إسرائيل في العديد من المناسبات، ولكنها ترفض الانصياع إلى القانون. في الواقع، ليس هناك من دافع حتى تحاول إسرائيل تغيير أساليبها والحفاظ على مقعد لها ضمن “المجتمع الدولي”، حيث توجد دولة أخرى مثل الولايات المتحدة، التي لا تمتثل بدورها للقواعد والتي تأبى إظهار أي احترام للقانون الدولي، تعمل على حمايتها على جميع المستويات وبشتى الطرق، وهو ما من شأنه أن يؤجج العنف في المنطقة.

 

عموما، بذلت اليونسكو قصارى جهدها لحماية التراث الثقافي لفلسطين. وفي حين أن الصهاينة لا يكترثون لشيء غير يهودي، إلا أنهم عمدوا إلى تدمير الممتلكات التابعة للمسلمين والمسيحين، وذلك ليس في مناسبة واحدة بتاريخ 1948 أو في سنة 1967، ولكن عمليات التخريب مستمرة إلى الآن. من جانبه، يعتقد بنيامين نتانياهو أن تدمير فلسطين شرط ضروري لإنشاء “دولة يهودية”، انطلاقا من مبدأ السيطرة على “كل شيء أو لا شيء”. وبالتالي، لا يمكن أن يكون هناك حل وسط، حيث طرح الفلسطينيون العديد من الخيارات على غرار دولة علمانية واحدة أو دولتان تعيشان جنبا إلى جنب، ولكن الخيار الوحيد الذي قد تقبله إسرائيل يتمثل في استحواذها على كامل فلسطين.

 

في ظل المحاولات الإسرائيلية للقضاء على الفلسطينيين وابادتهم في سنة 1948، وقع تدمير ما يقرب عن 500 قرية فلسطينية، دون الأخذ بعين الاعتبار القيمة التاريخية والثقافية التي تتسم بها. وإبان  سنة 1967 تواصلت عمليات التخريب والتدمير، حيث وقع هدم حي المغاربة في تلك السنة لإفساح المجال لإقامة “ساحة عمومية” حول الحرم الشريف، في حين استمرت على امتداد السنوات التي أعقبت ذلك. في الأثناء، أتاحت الحرب الفرصة للإسرائيليين حتى يعمدوا إلى طرد المزيد من الفلسطينيين من أراضيهم، وهذه المرة من الضفة الغربية، حيث لجأ الكثيرون خلال العدوان الصهيوني في سنة 1948.

 

كانت الحرب بمثابة فرصة أخرى حتى يقع طمس كل معالم فلسطين ونفي وجودها التاريخي، لدرجة تدمير جميع الأدلة المادية التي تحيل إلى وجودها حتى يتسنى للصهاينة انكار حقيقة أن فلسطين قد كانت موجودة في يوم من الأيام. في الواقع، ما فتئ  الإسرائيليون يكررون هذه المزاعم، إلا أنهم لم ينجحوا في اقناع أي شخص خارج دائرتهم بذلك، نظرا لأن الفلسطينيين لم يختفوا البتة، بل إن أعدادهم في تزايد (قد يكون عدد الفلسطينيين المنتشرين بين البحر المتوسط ​​ونهر الأردن أكثر بكثير من سكان المستوطنات الإسرائيلية)، فضلا عن أن الكثير من تاريخهم لا يزال بارزا من خلال المشهد العام للبلاد. من هذا المنطلق، يعد الخطر المحدق بالأقصى الذي يشع على كل أرجاء القدس كبيرا للغاية، حيث يعد هذا المعلم رمزا حيا يفند الأكاذيب التي يتداولها الصهاينة.

 

في حقيقة الأمر، أثار هذا الأمر فضول وإحباط الصهاينة، مما دفعهم، على امتداد نصف قرن، للحفر تحت الحرم الشريف وحوله. ولكنهم لم يجدوا دليلا واحدا يثبت أن هيكل سليمان كان هناك. عموما، توجد العديد من الهياكل التي تعود إلى قرون خلت ويمكن رؤية أنقاضها اليوم. ويتجلى ذلك من خلال المعالم الموجودة في تركيا على غرار المعبد الذي تم اكتشافه في كوبيكلي تبه جنوب شرق تركيا، والذي يعود تاريخه إلى 12.000 سنة. ولسائل أن يسأل: كيف يمكن أن لا يقع اكتشاف أي من بقايا الهيكل العظيم الذي يقال أنه وقع بناؤه من قبل سليمان حيث يوجد الأقصى الآن؟

في هذا الصدد، يتحدث الكتاب المقدس عن مبنى يفوق ارتفاعه 60 مترا أنشئ من الخشب (أشجار الأرز اللبناني) وكتل ضخمة من الحجر. ويُقال إن مواد مماثلة تم استخدامها في بناء الهيكل الثاني، الذي أُنجز سنة 515 قبل الميلاد ودمره الرومان في سنة 70 ميلادي، علما وأنه يزعم أنه كان يتمتع بذات الأبعاد الهائلة. ولكن لم يُعثر على أي أثر لذلك، أي لا وجود لبقايا الركائز التي سقطت، أو الأوعية المُستخدمة للنذور، لا شيء على الإطلاق. ويشير ذلك إلى أنه في حال أُقيم هيكل على هذا الموقع فقد كان ما يصفه الكتاب مبالغ فيه بشكل خيالي (وهو ما لا يعد مفاجأة في كتاب مليء بالمبالغات الخيالية).

 

علاوة على ذلك، لا يربط بين صهاينة العصر الحديث وإسرائيل القديمة سوى دينهم، حيث لا يملك المستوطنون الأوائل أي صلة حية بالأرض ولا علاقة عرقية لهم بمن عاشوا عليها. في الأثناء، يستمر الصهاينة في توظيف ورقة العلاقة اليهودية الحية في فلسطين على مر القرون. في المقابل، يتناسى اليهود الحديث عن حقيقة أن اليهود الذين كانوا هناك حين وصل أسلافهم كانوا ينظرون للصهيونية على أنها ضرب من الهرطقة.

 

لا يمكن أن يقنع ادعاء نتانياهو، الذي يفيد بأن القدس كانت عاصمة إسرائيل لمدة 3000 سنة، سوى الأغبياء، بالنظر إلى أن عمر إسرائيل لا يتجاوز سبعة عقود، في حين أن آخر دولة يهودية في فلسطين انهارت خلال القرن السادس قبل الميلاد. بصرف النظر عن هذه الجوانب، لا يمكن تقبل ذريعة الوجود اليهودي القديم في فلسطين على اعتبارها مبررا لتدمير ما كان هناك حتى وصول المستعمرين الصهاينة أواخر القرن 19.

 

ويتشارك الصهاينة مع الصليبيين في صفة التمييز البغيض الذي تسبب في أكبر دمار لفلسطين في تاريخها الحديث. وبعد غزو فلسطين في أواخر القرن 11، قتل الصليبيون وأخرجوا كافة المسلمين واليهود من القدس. وقد أعقبت استعادة الحكم الإسلامي للبلاد، انطلاقا من مطلع القرن 16 أربعة قرون من السلام العثماني طويل الأمد إلى غاية الاستيلاء البريطاني على القدس في كانون الأول/ديسمبر سنة 1917.

 

منذ ذلك الوقت وإلى غاية الآن، لم تعش فلسطين يوما واحدا من السلام، حيث تلت موجات العنف والقمع الذي مارسه المحتلون البريطانيون، أعمال عنف مكثفة وقمع ونهب من قبل الصهاينة، التي استمرت حتى يومنا هذا. في الحقيقة، لطالما مثلت القدس هدفا رئيسيا بالنسبة للإسرائيليين، حيث تكررت المذابح وعمليات الاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية خلال سنة 1948 بعد افتكاك النصف الشرقي للمدينة خلال سنة 1967، متبوعا بحرب ديمغرافية عنصرية تم إطلاقها، وذلك في خرق تام للقانون الدولي وقوانين أي بلد يدّعي التحضر.

 

يؤكد ما ذُكر آنفا على أن إسرائيل ليست دولة حديثة بل هي مجتمع قبلي ورجعي يعيش وفقا لمعاييره الوحشية، في إنكار مقيت لوضع الفلسطينيين، في حين أنه غير مبال، إذا لم نقل إنه يحتقر، ما يفكر به بقية العالم. ويعتبر الاعتقاد التام من قبل الصهاينة بأن بإمكانهم الإفلات من العقاب على خلفية ما يقومون به إلى ما لا نهاية، دليلا واضحا على مدى الجنون والأوهام التي تملأ عقولهم.

 

مؤخرا، وصل الأمر بالولايات المتحدة إلى “الاعتراف” بالقدس عاصمة لإسرائيل، في حين يشير إليها القانون الدولي على أنها مدينة محتلة بأكملها وليس النصف الشرقي فحسب، حيث وقع الاستيلاء عليها بقوة السلاح وتم الاستقرار فيها في انتهاك مباشر للقوانين. وفي تعليقها على تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على رفض إعلان ترامب، هدّدت سفيرة الولايات المتحدة، نيكي هالي، الدول التي صوتت لصالح الرفض، مؤكدة على أنه وقع تدوين أسماء هذه الدول وستصدر جملة من العقوبات في حقها في الوقت المناسب.

 

من خلال التصويت على القرار، أظهر أعضاء الأمم المتحدة قلة احترام للولايات المتحدة، وفقا لما أفادت به هالي، وهو ما يدفع إلى طرح سؤال جوهري: هل تحترم الولايات المتحدة القوانين الدولية وحق أعضاء الأمم المتحدة لاتخاذ قرارات مستقلة على أساس ذلك القانون؟

 

في السياق ذاته، كان لإعلان ترامب المتعلق بالقدس تأثير تحريضي في الشرق الأوسط وفي أوساط المسلمين في كل مكان. في الوقت ذاته، ينبغي الاحتفاء بهذا القرار الذي يمزق الستار الأخير الذي تختفي وراءه الخدعة المعروفة بعملية السلام. وفي حين تذوق محمود عباس مرارة الفشل الذريع الذي مني به، كان على الحكومتين السعودية والقطرية، اللتان تتعاملان مع الصهاينة في سرية مفضوحة، أن تتحدا فيما يتعلق بمسألة القدس. وبالتالي، تسبب إعلان ترامب في توحيد المسلمين على الرغم من جميع الانقسامات.

 

في المقابل، لن يتمكن الفلسطينيون أبدا من هزيمة أعدائهم بمفردهم، وذلك بالاعتماد على أنفسهم وتسلحهم بكل الشجاعة التي يتمتعون بها، والقدر من الثبات والصمود الذي أظهروه دائما، وعلى الرغم من أنهم كانوا دائما أشداء للغاية. فقد كان الطريق إلى فلسطين يمر دائما من خلال العالم العربي، مثلما تطرق لذلك جورج حبش في الخمسينات. ومن المتوقع أن يمتد هذا الطريق أكثر على ضوء الصعود الإيراني في قلب العالم الإسلامي.

 

والجدير بالذكر أن جمال عبد الناصر قد أثار حماسة العرب خلال الخمسينات، في حين شكل حزب الله وإيران أبرز مثال على إمكانية تحدي الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل ناجح، وهو ما دفع إسرائيل الآن للاستعداد لخوض حرب للقضاء عليهما نهائيا. وستكون هذه الحرب وجودية من أجل البقاء. وفي الغالب ستكون حربا عنيفة للغاية، حيث كانت إسرائيل تتجهز لها بشكل مكثف. وفي الوقت الذي تحذر فيه إسرائيل من مغبة إحداثها لدمار شامل، شدد حسن نصر الله على أن حزب الله على أهبة الاستعداد بفضل امتلاكه لصواريخ يمكنها أن تصل إلى أي جزء من فلسطين المحتلة.

 

في الحقيقة، لم يكن الرهان على حروب الشرق الأوسط يوما أعلى من الآن، كما أن العواقب المحتملة لم تكن أبدا أكثر خطورة بل ربما تكون كارثية. أما بالنسبة لإعلان ترامب فقد كانت مخلفاته معروفة جيدا بشكل مسبق، لدرجة أنه يمكن اعتباره إعلانا غبيا على أقل تقدير. وربما كان الغرض من هذا القرار يتمثل في إشعال فتيل الحرب، التي رغبت في خوضها إسرائيل والولايات المتحدة مع إيران لفترة طويلة.

 

مقال نشر في ذا بالستاين كرونيكل، مترجم لمجلة ميم من الإنجليزية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.