مجتمعالرئيسي

وداد بوشماوي: المرأة التي تحدّت ذكورية رجال الأعمال في تونس

تونس- إيمان الحامدي- مجلة ميم

 

طوت منظمة رجال الأعمال مساء الأربعاء 17 جانفي/ كانون الثاني 2018، صفحة “نسوية”، ليسترجع الرجال قيادة أكبر هيكل أعمال في البلاد، وذلك بانتخاب سمير ماجول رئيسا جديدا لاتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، بعد أن ترأسته وداد بوشماوي لأكثر من 6 سنوات.

ومثّل مؤتمر اتحاد الصناعة والتجارة حدثا اقتصاديا وسياسيا مهما في البلاد، نظرا لثقل هذه المنظمة ودورها في رسم الخيارات الاقتصادية، فضلا عن الدور السياسي الذي قامت به على امتداد السنوات السبعة التي تلت ثورة جانفي/ كانون الثاني2011.

وأعلنت الرئيسة المتخلية لدى افتتاحها أشغال المؤتمر السادس عشر لكبرى منظمات الأعمال في تونس، عدم ترشحها لولاية جديدة مؤكدة أنّ قرارها شخصي، وأنها لم تتأثر بأي ضغوطات، فاسحة المجال أمام 101 مترشح للتنافس على خلافتها في هذا المنصب.

وكانت وداد بوشماوي أول امرأة عربية ترأس غرفة أصحاب الأعمال، حيث تمكنت بوشماوي من توظيف الخبرة التي اكتسبتها في إدارة مؤسسات عائلتها التي تنشط منذ عشرات السنين في قطاع النفط والنسيج، في تسيير منظمة الأعمال التي تعكس الثقل الاقتصادي للبلاد.

السيدة بوشماوي أو الرئيسة، كما يسميها أبناء منظمتها، خريجة كلية التسويق والتجارة الدولية، والتحقت بعد تخرجها من الجامعة بمؤسسات عائلتها، لتساهم مع أشقائها في إدارة مجموعة الشركات الناشطة في قطاعي النسيج والبترول.

ولأن وداد أصلية الجنوب التونسي (محافظة قابس جنوب شرقي العاصمة)، يغلب عليها الطابع المحافظ الهادئ الذي يحبذه الرجال في المرأة التونسية، فساعدتها هذه المميزات بالإضافة إلى خبرتها الطويلة في إدارة مؤسسات عائلتها الشهيرة في عالم المال والأعمال بتونس، لوصول سدة الحكم في منظمة رجال الأعمال، رغم صعوبة الظرف الذي تولت فيه هذه المسؤولية.

ففي مايو/ أيار 2011، تقدمت السيدة بوشماوي لمنافسة عدد من أرباب الأعمال من أجل قيادة المنظمة. وحظيت بالإجماع رغم صعوبة السباق الذي فرضه منافسوها من الرجال، للحصول على هذا المنصب.

وفي سنة 2013، اختيرت وداد بوشماوي أفضل سيدة أعمال في الوطن العربي. كما كللت مسيرتها سنة 2014 بالحصول على جائزة مؤسسة الأعمال التجارية للسلام.

وأشرفت باسم منظمة الأعمال، إلى جانب ثلاث منظمات وطنية، نهاية سنة 2013، على الحوار الوطني، الذي أنهى التجاذبات السياسية في تونس وتوّج بتشكيل هيئة الانتخابات والتوقيع على الدستور واختيار حكومة تكنوقراط مهمّتها تسيير مرحلة ما قبل الانتخابات العامة لأكتوبر/ تشرين الأول 2014. وهي العملية التي استحقت بها المنظمات الراعية للحوار جائزة نوبل للسلام.

جائزة نوبل للسلام ديسمبر 2015

وبالرغم من التتويجات التي حصدتها وداد، ذات السبعة وأربعين عاما، فإنّ طريقها لم يكن سهلا، فاتحاد الصناعة والتجارة ليس منظمة مدنية فقط، فهو سلطة المال ومركز القرار الاقتصادي وحتى السياسي في بعض الأحيان، وهو ما يجعل رئيسها كمن يسير على البيض، لأنّه مطالب بتوفير المناخ الاستثماري الملائم والامتيازات الاقتصادية والدفاع عن مصالح منظوريهم وحثهم في الآن ذاته على القيام بدورهم الوطني في دفع الاقتصاد التونسي، في هذا الظرف الصعب.

لم يكن من السهل أن يتقبل رجال الأعمال التونسيين أن تترأسهم امرأة .فمنظمتهم (اتحاد الصناعة والتجارة الصناعات التقليدية) التي تأسست سنة 1947 ظلت منذ ذلك التاريخ إلى  غاية سنة2011 ، محكومة بالعقلية الذكورية إلى أن أتت الرئيسة الحالية وداد بوشماوي لتقلب المعادلة.

ورغم أن المهتمين بالشأن الاقتصادي وصفوا وداد بوشماوي بالمرأة المحظوظة لأنها سجلت اسمها في التاريخ، أول امرأة ترأس منظمة الأعمال، ولأن المنظمة حصدت في عهدها جائزة نوبل للسلام سنة 2015، بوصفها طرفا في الرباعي الراعي للحوار، إلاّ أن العارفين بكواليس المنظمة يدركون جيدا أنها في موقع لا تحسد عليه.

لقد ترأست وداد بوشماوي المنظمة بعد الثورة، وواجهت العديد من المصاعب والمشاكل والانتقادات، بسبب تدهور الوضع الأمني وصعوبات المناخ الاستثماري عموما، وهو ما جعل المتربصين بها يحصون لها الزلات، خاصة إذا تعلق الأمر بتقديم تنازلات في المفاوضات حول الزيادة في أجور العمال فتكتفي بالردّ: “إنها معركة مناصب وهناك من استكثر عليّ المنصب”.

وتجيد رئيسة منظمة الأعمال، ذات القسمات الهادئة والطلّة الكلاسيكية، لعبة شد الحبل مع كل الأطراف المحيطة بها، مستعملة سياسة العصا والجزرة، فهي تسعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب لرجال الأعمال وترك بصماتها في المنظمة، دون أن تدخل في صدام مباشر مع منظمة العمّال “الاتحاد العام التونسي للشغل”، معتبرة أن سلامة المؤسسة لا يمكن أن تتحقق، دون سلم اجتماعية.

ولإثبات حسن نية منظمتها، أمضت وداد بوشماوي مع الأمين العام لاتحاد الشغل حسين العباسي سنة 2012 اتفاق شراكة وصف بالتاريخي، من أجل السلم الاجتماعية وتحسين ظروف العمال، وهو ما أسس لمرحلة تشاركية توطدت برعاية المنظمتين للحوار الوطني الذي قاد تونس للحصول على جائزة نوبل للسلام في أوسلو.

ومنذ توليها رئاسة اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، لم تتورط وداد بوشماوي في تصريحات مستفزة لأي طرف من شركائها، من النقابيين أو سلطة القرار أو الأحزاب، حيث حافظت على مسافة بين مختلف هذه الأطراف مكتفية بإطلالات إعلامية مدروسة وتصريحات يغلب عليها الطابع الدبلوماسي، تسعى من خلالها تلميع صورة رجل الأعمال واعلاء دوره في دفع الاقتصاد والمساعدة على إيجاد حلول لوضع البلاد الصعب.

دفعت وداد بوشماوي نحو سلم اجتماعية (في الصورة بوشماوي وأمين عام اتحاد الشغل السابق حسين العباسي)

وخلال مدة ولايتها، زارت وداد بوشماوي الكثير من البلدان، داعية رجال الأعمال والعرب منهم خاصة، للاستثمار في تونس، وتبشرهم بقانون استثماري جديد يعتمد الشفافية والبعد عن البيروقراطية.

ويقول المراقبون للشأن العام إن ترؤس سيّدة لمجلس الأعمال، ساعد تونس كثيرا في الظروف الصعبة على تسويق صورتها، بلدا حداثيا يجسد فعلا مبدأ التناصف الذي ورد في الدستور الجديد، خاصة وأن المرأة أكثر قدرة على تقديم صورة مشرقة عن بلدها، مهما كانت قتامة الوضع.

وقالت رئيسة منظمة الأعراف في كلمتها خلال تسلم جائزة نوبل للسلام إن التجربة التونسية ستكون قدوة للشعوب التي تمر اليوم بمسارات انتقالية عسيرة لتستأنس بها لتدبر أمورها وفق ذات المنهج، على حد تعبيرها.

وتعتبر رئيسة منظمة الأعراف السابقة توفير مقومات الكرامة وأسباب العيش الكريم لكل التونسيين مسؤولية رجال الأعمال، وذلك للقضاء على الفقر والتفاوت بين المحافظات، لافتة إلى أن طريقا طويلة تنتظر التونسيين لإحداث نقلة نوعية في مكافحة الإرهاب وأن تونس تعوّل على كفاءاتها وقدراتها الذاتية لتحقيق النمو الاقتصادي، رغم تطلعها إلى دعم ومساندة أصدقائها من كافة أنحاء العالم.

الوسوم

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.