ثقافة

الثورة التونسية تحرر الكتّاب الشباب

ثقافة

 

أيّها الشباب اكتبوا ما يحلوا لكم

 بالأسلوب الذي يبدو لكم أفضل

 هكذا أوصى الكاتب التشيلي نيكانور سيجوندو يارّا، معشر الشباب ليكتبوا ويخرجوا من سيطرة العجائز الأدبية والأنماط الكلاسيكية، وهو الذي جرب سابقا الخروج من جلباب بابلو نيرودا وبابلو دي روكا  أشهر شعراء الشيلي لينحت شخصيته المستقلة بعيدا عن المحاكاة وتقليد غيره من الكتاب.

ربّما لن تجد نصيحة ” نيكانور يارّا ” نجاحا كبيرا في المجتمعات المغلقة التي يسودها الاستبداد، فالحديث عن الخروج عن الأسلوب وكتابة ما يحس به الفرد بكلّ صراحة ووضوح هو بمثابة التمرّد على الدولة وتهديد الحاكم العربي لا سيّما في العالم العربي الذي شهد سجن عديد الكتاب بتهم عديدة وصلت إلى الاتهام بالردّة لعل أشهرهم المدون السعودي رائف بدوي والذي ما يزال قابعا بالسجون السجون السعودية إلى اليوم.

بعد الثورة التونسية، شهدنا ولادة عشرات الكتّاب الشباب الذين خرجوا إلى النور بعد الإطاحة برأس النظام، كتّاب شباب لهم إصدرات معروضة بجانب كتب أشهر الكتاب التونسيين والعرب، نضال السعيدي، أحمد النظيف، هادي يحمد، سفيان رجب، أمل خليف، حاتم التليلي ومها الجويني وآخرون، هم كتاب تونسيون خلقوا لأنفسهم حيّزا  لترويج أفكارهم وإنتاجاتهم في مشهد جديد لم سبق أن عاشوه قبل الثورة.

هل كانت الثورة التونسية فرصة للخروج عن المشهد الثقافي القديم والذي ظل محتكرا لسنوات طويلة من طرف بعض

مها الجويني

المثقفين على حساب الآخرين؟ لو لم تكن الثورة هل كان لهؤلاء الشباب أن ينشروا كتبهم وأفكارهم في ظل النظام القديم؟

في هذا الصدد، تقول مها الجويني صاحبة المجموعة القصصية ” عاشقة من إفريقية ”  والصادرة في أواخر سنة 2017 ”

لو لم تكن الثورة لما  كتبت مجموعتي عاشقة من إفريقية، كتابي الذي يحمل بين طياته حكايات عن أوجاع للنساء و نضالهن من أجل حياة وطن أو من أجل وطن يمكن فيه للعيش بكرامة و حرية”.

وتضيف “لقد حررت  الثورة الأقلام كما حررت العقول إنّ انتفاضة 17 ديسمبر هي ذكرى شعب استعاد وطنه و ذكرياتي  كطالبة كنت أهتف باسم بلادي التي استعدتها من حكم الدكتاتور واستعدت معها حقي في الإبداع دون رقابة.

 

حافظ المشهد الثقافيّ نفسه على علله القديمة وبقي على أمراضه السّابقة

الشاعر نضال السعيدي

 

استطاعت الثورة التونسية أن تمدّ جسور التواصل بين الشباب ودور النشر والتي كانت مغلقة في وجوههم لسنوات طويلة

نضال السعيدي

فمن المغامرة أن تقامر إحدى دور النشر التونسية أو العربية بطباعة كتاب لكاتب مجهول الهوية على عكس ما نلاحظه اليوم، لم يكن التغيير سياسيا فقط بل انعكس نسبيا على المشهد الثقافي الذي ولجه الشباب محاولا أن يفرض ثقافته وأفكاره التي تجاهلها النظام القديم بل وحاصرها.

يجيب الشاعر التونسي  نضال السعيدي صاحب ديواني “وصف لما يجري وراء السور” و”ذاكرة تتنزه في المرآة” الصادرين بعد الثورة عن  سؤال حول دور الثورة التونسية في تحرير الحراك الثقافي نسبيا فيقول:

“أنا أصدرت كتابين منذ اندلاع الثورة. وكان ذلك بفضل ما أتاحته الحرّيةُ لبعض دور النشر الشبابيّة من الظهور والمزاحمة داخل المشهد الثقافي الذي كان حكرا على لوبيات تتبارى حول امتلاك أدوات العمل الثقافي والسيطرةِ على وسائل الإنتاج الثقافي. ولكن عمومًا، فرصة النشر التي أصبحت ممكنة ميسّرة أسهمت لا في رفع مستوى المنتوجِ الثقافِيّ بل في وضعه لأنّ القدرةَ المادّية أصبحت العامل الحاسمَ في تحويل هذه الفرصةِ إلى حقيقة ورقيّة دُون إيلاء اهتمام كبير للمحتوَى.

 

ولعلّ هذا يكون حالة صحّية وطبيعيّة لأنّ كلّ ممنوعٍ أو صعبٍ أو نادر عادة ما يتكاثر النّاس على إتيانه أوّل ما يُباحُ قبل الملل منه والارتداد عنهُ”.

 

لقد حررت  الثورة الأقلام كما حررت العقول إنّ انتفاضة 17 ديسمبر هي ذكرى شعب استعاد وطنه

الكاتبة مها الجويني

 

ويضيف “أمّا في ما إذا كان وجود الشباب قد عرف تغيّرا ما بين العهدينِ، فإنّ هذا أيضا لاشكّ فيهِ رغم أنَّ الإشكال الجوهريّ في المشهد الثقافيّ التونسيّ يتمثّل لا في حضور الشبابِ بل فِي طريقة النظر إلى هذا الحضورِ لأنّه غالبًا ما يُعدُّ وجودًا مسرحيّا مبنيا على علاقات المحاباة والانتماء الايديولوجي والوصوليّة المقيتة. وقد حافظ المشهد الثقافيّ نفسه على علله القديمة وبقي على أمراضه السّابقة، وأعرف أنّه من الطبيعيّ ألّا تتغيّر الأمُور على نحو سريع لكنّ المُخيّب للأمل أنّهُ ليس ثمّة مؤشّرات لتغيّر مفترضٍ قادم.فقد ورثت لوبيّات مقاليد الأمور من لوبيّات أخرى وتصدّرت وجوه صدئة أماكن وجوه صدئة سابقة.

لقد حررت الثورة التونسية الوعي من سلطة الرقابة التي حكمت تونس لعقود طويلة فتحوّل المشهد الثقافي إلى ألوان كثيرة اختلطت فيها الأطياف الفكرية والسياسية وأنتجت الكتب والمجلات التي كانت قبل سنوات قليلة بلون ونكهة واحدة.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد