مجتمع

أسيرات فلسطين وآلام الطريق الوعرة

 


 

أن تكوني صاحبة قضية، أن يكون وطنك مسلوب، وابنك أسير، وابنتك قيد الإقامة الجبرية، وزوجك شهيد، ووالدك مبعد واثنان من إخوتك يقضيان حكماً مؤبداً بالسجن، وأن يهدم بيتك لأنه موطن يفرخ الإرهاب –على حد زعم الكيان الصهيوني الغاصب-، ثم يأتي دورك لتُعتقلي لسبب أو حتى بدون سبب، فتتركين ثلاثة من صغارك دون حضن دافئ يحتويهم ويعينهم على المضي في دروب هذه الحياة القاسية.

لو كنت مكان تلك المرأة، فماذا كنت ستفعلين؟ هل ستشعرين بالعجز؟ هل ستصبحين يائسة مكتئبة؟ هل ستندمين على ثقافة المقاومة التي غذيت نفسك وأبنائك وجميع من حولك بها؟ وفي أي الخانات سيصنفك هذا العالم المارق؟ وكيف سينصر قضيتك ويدعمك؟ هل ستقُضِّين مضجعه؟ هل ستُبكين قادته؟ هل ستُؤَرقين شعوبه؟ هل ستصبحين حكاية أطفاله؟.

اعلمي أيتها المرأة التي اختارت مقاومة المحتل بكل ما تملك، درباً لا رجعة فيه، حتى استعادة كامل الحقوق والحريات، اعلمي أنك تقفين وحدك في خندق المواجهة، بعد أن آثر الجميع سلامتهم الشخصية، وتخلوا عن أي شيء لا يمسهم شخصياً ولا يمس مصالحهم، فانسحبوا بدون ضجيج، أرجوك لا تتوقعي نصراً أو دعماً من أحد! ولا تعلقي آمالك عليهم، ولا تطلقي صرخات استغاثة بهم. فهؤلاء إن دعموك، فليس أكثر من بضعة دموع والأشعار والكلمات الرنانة في العالم الافتراضي بعيداً عن الواقع والخطر الحقيقي والتهديد..

أما أنت أيتها الشامخة، فلتبقي في زنزانتك تجالسين آلامك، وتعاقرين وحدتك، وتستأنسين بذكريات الأيام الخالية، فأنت فقط من يليق بك ذلك.

ظهر قبل أيام فيديو للأسيرة إسراء جعابيص بينما كانت في قاعة المحكمة، وقد نكأ هذا الفيديو الجراح مرة أخرى، وأعاد قضية الأسيرات الفلسطينيات إلى الواجهة، برغم أن إسراء ليست هي الأسيرة الوحيدة، وليست هي المريضة الوحيدة بين الأسيرات، بيد أن الحروق المؤذية التي تعرضت لها، وكانت سبباً في اعتقالها ظلماً وعدواناً، فشوَّهت وجهها، وأكلت أصابعها، جعلت منها أيقونة صبر وفداء، ورمز للمرأة الفلسطينية التي تدفع ثمناً غالياً جداً فداءً لثرى فلسطين ولعيون القدس.

القائمة التي تضم أسيرات فلسطين طويلة يصعب حصرها، خاصة مع الاعتقالات اليومية التي يقوم بها الكيان الصهيوني الغاصب مضيفاً إليها أسيرات جديدات، نساء ينتهك حقوقهن الإنسانية، ويتجاهل احتياجاتهن.

فلا أتحدث هنا فقط عن التحقيقات القاسية والضغط النفسي، والعزل الانفرادي في زنازين لا تليق ببشر، ومراقبة الزنازين بكاميرات تنتهك خصوصية النساء الأسيرات، عدا عن الاقتحامات الليلية والتفتيش لغرف الأسيرات وشتمهن بألفاظ بذيئة ومهينة، ناهيك عن العذاب الذي يواجهنه خلال نقلهن في عربة البوسطة الحديدية من السجون إلى المحاكم أو إلى المستشفيات والتي تستهلك ساعات طويلة تقارب يوماً كاملاً، تبقى الأسيرة فيها بدون طعام أو قضاء للحاجة وسط سجناء جنائيين يتهجمون عليها ويشتمونها.

بل أتحدث أيضاً عن إهمال العلاج الطبي المتعمد للأسيرات، كما حدث مع إسراء جعابيص، حيث التأمت الحروق التي أصيبت بها نتيجة انفجار اسطوانة الغاز داخل سيارتها، وتركت داخلها تحترق ليتم اعتقالها بعد ذلك تحت ذريعة محاولتها تفجير السيارة بجنود الاحتلال.

وهناك الكثير من الأسيرات غير إسراء اللاتي يحتجن لعلاج مشاكل أسنانهن ولعمليات جراحية، ولا يأبه لهن الاحتلال وتتجاهل الجهات المسؤولة في السجون ذلك بشكل متعمد.

 

 

ولتكتمل حكاية الظلم والعدوان والانتهاك الصارخ لكرامة الإنسان، لا بد وأن نتذكر أن هناك في سجون الكيان الصهيوني فتيات قاصرات، صغيرات في السن، بحاجة لأحضان أمهاتهن وحنان آبائهن، ولبيوت دافئة آمنة يقضين فيها ما تبقى من طفولتهن بين أناس يغدقون عليهن من حنانهم، لا زنازين باردة عفنة رطبة تكثر فيها الحشرات والانتهاكات، وغربة تقضي على براءة طفولتهن، لجريمة خطيرة ارتكبنها.

فقد تكون إحداهن قد سارت في مسيرة تهدف ضد الاحتلال وتؤكد على ملكيتنا للقدس، وقد تكون ابتسمت ابتسامة استفزت جنود الاحتلال بعد أن تعرضوا للقذف بالحجارة من صبية صغار، وربما تكون قد صرخت في وجه جندي معتدي حضر لاعتقال والدها أو أخيها. وجميع تلك وغيرها تعتبر جرائم خطيرة يجب وقفها، حتى وإن لم يتعد عمر الفتاة ثلاثة عشر عاماً.

نعلم جميعاً أن أسيرات فلسطين يمهدن درب النصر بالتضحية بحرياتهن وأرواحهن، ويحتجن منا وقفة جادة داعمة معهن، والتذكير بما يعانينه من اضطهاد داخل سجون الاحتلال الغاصب، فمن منا مستعد للتذكير بقضيتهن؟

د. زهرة خدرج

مدونة فلسطينية، كاتبة في العلوم الإنسانية وباحثة في لغة الجسد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.