ثقافة

فيلم “شرش” ريح الشمال لوليد مطار: فرنسا الأخرى بكاميرا تونسية

سينما

“شرش” هي تسمية البحارة باللهجة التونسية لريح الشمال الذي يوصف بالنسبة إليهم بأنه يقطع الأرزاق. وقد اختار المخرج التونسي وليد مطار أن يسمي فيلمه الطويل الأول بهذا الاسم المحمل بالدلالات الرمزية العميقة، إحالة على كل ما يأتينا من الشمال والعلاقة مع الضفة الشمالية للمتوسط التي تربط ضفته الجنوبية بكل ما فيها من توترات وتقارب أيضا.

ويأتي هذا الفيلم الذي يعرض هذه الأيام في القاعات التونسية في سياق تصور سينمائي جديد يختلف عن الصور النمطية التي عهدناها في الأفلام التي قدمت في العقود الماضية من قبل المخرجين التونسيين.

فوليد مطار اختار موقفا ناقدا لهذا الشمال الذي تأتينا منه الرياح وهذا الشمال يتجسد في فرنسا بالتحديد. ولعله الفيلم الأول الذي، ورغم أنه بتمويل فرنسي، إلا أنه لم يكن خاضعا لاملاءات الممولين الذين غالبا ما يطلبون إنجاز أعمال سينمائية على المقاس تغذي الصور الاستشراقية القابعة في مخيالهم عن المجتمع التونسي وعن المجتمع العربي الاسلامي عموما.

وهنا مكمن التفرد بالنسبة إلى فيلم شرش الذي جاء بسيطا سلسا بعيدا عن التكلف على مستوى  الحكاية وعلى مستوى الصورة السينمائية تماما كما أبدع فنان الراب المعتزل محمد أمين حمزاوي في أداء شخصية البطل “فؤاد” وكذلك الفنانة عبير البناني.

 

وتدور قصة الفيلم في مراوحة بين شمال المتوسط وجنوبه بين فرنسا وتونس، وترصد كاميرا وليد مطار حكاية العامل الفرنسي “هيرفي” الذي يبحث عن رزقه في مصنع للجلود في مدينة ساحلية بشمال فرنسا.

وعندما تغلق الشركة ابوابها تختار أن تحل بتونس بحثا عن يد عاملة أقل تكلفة.

وهنا يتقاطع قدر العامل الفرنسي مع زميله التونسي الذي يصارع الحياة ساعيا إلى تأمين عيش كريم له ولوالدته المريضة.

ورغم اختلاف الشخصيتين إلاّ أن المخرج نجح في أن يجمع بينهما باقتدار فني كبير من خلال لقطة متميزة قالت فيها العيون،  التي التقت بشكل عابر عندما كان أحدهما في حافلة سياح والثاني في القطار، أشياء كثيرة عن كونية معاناة الإنسان.

 

 

وتعاين كاميرا مطار أشكال هذه المعاناة التي يتشابه فيها هيرفي مع فؤاد، رغم اختلاف السياق السوسيوثقافي الذي ينتمي إليه كل منهما.

لكن ذلك يتم بشكل ناعم وبعيدا عن المباشرتية المملة، فالنص الذي اشترك وليد مطار في كتابته مع ليلى بوزيد وكلود لوباب، نجح في النأي عن الصور النمطية التي دأبت عليها السينما في التطرق لقضايا العمال.

وهو ما جعل السيناريو مدهشا كفعل الدهشة التي يحدثه سحر الشاشة الفضية في نفوس المشاهدين. فنلمس في كل مقطع من الفيلم روح الفكاهة والدعابة والتلميحات الذكية التي لا تجعل الفيلم سوداويا رغم ما تحمله القصة المطروحة من معاناة للأبطال.

فالفيلم أيضا هو بارقة امل رغم قلة الافاق وهو فيلم للحب حتى وإن بدا مستحيلا. فالبطل تتركه حبيبته حتى لا تعيش حياة الفقر وضيق الحال معه ولكنها تساعده أيضا بشكل ما على الهروب إلى الضفة الأخرى. وهذه المفارقة التي ينبني عليه الفيلم  فريح الشمال التي قذفت بالفرنسي الى ارض تونس طلبا للرزق هي ذاته التي أغرت العامل التونسي ليهاجر سرا إلى ما يعتقد خطأ أنه الجنة الموعودة.

 

في الفيلم أيضا إضاءة  على تسليع الإنسان الذي بات بضاعة تباع وتشترى، سواء في الغرب أو عندنا نحن العرب في عصر العولمة الذي باتت فيه أفكار البشر وأحلامهم وأجسادهم أيضا، مجرد سلع تعرض ويقتنيها من يدفع أكثر.

وفي سياق باتت فيه الانتظارات ضيقة جدا، ضيق الآفاق التي تطبق على البشر من الجهات الست، إلا أن براءة النص والإخراج تكمن في معالجة كل ما سبق ذكره بأدوات فنية، بعيدة كل البعد عن القتامة والملل والسواد، فهو فيلم مرح لطيف وسلس، ولا يدّعي التفوق أو العبقرية رغم فرادته وتميزه.

هذا الفيلم يقول أيضا لفرنسا المتشدقة بحقوق الإنسان، إنه ثمة ثغرة ما في النسق السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تتبناه ويذكرها بعجزها عن توفير الحماية والرعاية الاجتماعية لبعض الأفراد من خلال نموذج العامل الذي تعرض لأشكال مختلفة من الاضطهاد والحيف.

ويمكن القول إنّ شرش ريح الشمال هو فيلم جاد، ولكن بادوات مرحة وساخرة ربما تجعلنا نسخر من انفسنا ومن هزائمنا ونجد أنفسنا دوما في تناقض واضح بين الضحك المبكي والبكاء الضاحك.

ومن المهم في هذا الصدد التذكير بأن فيلم شرش حصد عديد الجوائز والتتويجات، كما شارك في مهرجانات عالمية كثيرة وصاحبه وليد مطار الذي نشأ وترعرع في مدينة حمام الأنف بالضاحية الجنوبية للعاصمة التونسية، قبل أن يهاجر إلى فرنسا، وله مدونة في مجال السينما الوثائقية والأفلام القصيرة، نالت الاستحسان خاصة من خلال مشاركاته في دورات مهرجان سينما الهواة بقليبيبة.

وهو المهندس الذي اختار أن يترك مهنته الأولى ليحلق في فضاء الخلق السينمائي محاولا تقديم فكر مغاير سواء من خلال المضمون أو الصورة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.