مجتمعالرئيسي

خبراء: قانون المالية 2018 أقرّ سياسة “الصرامة” دون زيادة الأسعار أو التقشف

تقارير

 

أثار قانون المالية لسنة 2018 جدلا واسعا في تونس قبل التصويت عليه. وكان من المتوقع أن ينتهي الجدل حول الموضوع بعد أن صوتت قوى المعارضة بالموافقة عليه. لكن تحركات واسعة في عدد من مدن البلاد، تطورت إلى أعمال شغب كان غطاء مشروعية اندلاعها هو رفض قانون المالية والمطالبة بإسقاطه. وتزعمت قيادة التحركات أحزاب وافقت على القانون المذكور، وهي تصفه اليوم بأنه فتح باب التضييق على معيشة المواطنين وتسبب في غلاء الأسعار وسنّ إجراءات تمس دخل التونسيين. وفي المقابل ردّت الحكومة التونسية بأنّ الزيادات التي شملت بعض المواد لا علاقة لها بقانون المالية، بل لم تمسّ المواد الأساسية.

سياسة الصرامة وليست التقشف

وقال عضو البرلمان وكاتب الدولة للمالية الأسبق، سليم بسباس إن أهم التحديات التي واجهها قانون المالية لسنة 2018 هو الحفاظ على التوازنات العامة للبلاد والمتمثلة أساسا في التوازنات الاقتصادية، خاصة بعد الانزلاقات الكبرى في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، وحتى على المستوى الاستثمار والادّخار، ممّا ساهم في ارتفاع التضخم وانزلاق الدينار التونسي وتقلص المخزون العام من العملة الصعبة.

سليم بسباس : عملت الحكومة على ترشيد الزيادات والاتصال بمختلف الفاعلين الاقتصاديين، حتى لا يترتب عن الزيادة الأخيرة في الأداءات ترفيع الأسعار

 وأكّد سليم بسباس، في تصريح لمجلة “ميم”، أنّه من الضروري اتخاذ جملة من الإجراءات التي تحدّ من انخرام التوازنات المالية للدولة مع ارتفاع المديونية، وتواتر ارتفاع العجز في الميزانية من سنة إلى أخرى.

واعتبر بسباس أنّه من الضروري إعادة التوازنات بمزيد التحكم في النفقات ودعم الموارد الجبائية، باعتبار أن الالتجاء إلى المديونية لا يمثل حلا للتحكم في التوازنات، وأشار إلى أنّ قانون المالية لهذه السنة هو أول قانون فيه إجراء يهدف إلى إيجاد موارد جديدة جبائية لتمويل الصناديق الاجتماعية.

وحسب سليم بسباس، فإنّ تونس تعيش وضعية اقتصادية صعبة، بسبب تراجع الناتج الوطني الخام وارتفاع النفقات، ووصلت البلاد هذه الوضعية نتيجة تراكمات السنوات الماضية، “فلا مفرّ لنا اليوم، من من الموارد الضريبية والجبائية باعتبار أن البلاد لا تحتوي على ثروات جديدة، وليس لديها مؤسسات عمومية تساند المالية العمومية بأرباح، بالإضافة إلى الركود في قطاع الطاقة والمناجم”.

وأشار محدثنا إلى أنّ هناك بعض التراجعات التي حصلت في مشروع قانون المالية، قبل المصادقة عليه، بهدف تخفيف الوطأة على المواطنين، وقد عملت الحكومة على ترشيد الزيادات والاتصال بمختلف الفاعلين الاقتصاديين، حتى لا يترتب عن الزيادة الأخيرة في الأداءات ترفيع الأسعار. أمّا الزيادات التي سجلت فهي “زيادات في غير محلّها، ناتجة عن ضعف التواصل بين الحكومة والفاعلين الاقتصاديين”.

سليم بسباس: البلاد قد تصل مرحلة “سياسة التقشف” إذا تواصل عدم التوازن بين الإنتاج والاستهلاك وبين التوريد والتصدير، وهو ما حاولت الحكومة التوقّي منه عبر قانون المالية لسنة 2018.

ووبخصوص ما يروج حول اعتماد الحكومة التونسية لسياسة التقشف، شدّد سليم بسباس على أنّه لا يمكن وصف الإجراءات الحكومية الجديدة بسياسة التقشف، لأنّها مرحلة تتجاوز إلى حد بعيد ما تعيشه البلاد اليوم. واعتبر بسباس أنّ ما تعيشه تونس اليوم هو “سياسة الصرامة”. واستدرك قائلا بأنّ البلاد قد تصل مرحلة “سياسة التقشف”، إذا تواصل عدم التوازن بين الإنتاج والاستهلاك وبين التوريد والتصدير، وهو ما حاولت الحكومة التوقّي منه عبر قانون المالية لسنة 2018.

 

زيادات استباقية ومخالفة للقانون

وبدوره أكد رضا السعيدي المستشار لدى رئيس الحكومة التونسية المكلف بالمشاريع الكبرى، أن نتيجة ما تمر به البلاد في السنوات الأخيرة من حيث حجم النفقات العمومية مقارنة بحجم موارد ميزانية الدولة، هو التوسع في عجز الميزانية باعتبار أن موارد الدولة تنمو بمواردها غير الجبائية التي تراجعت عن السابق بسبب وضع المؤسسات العمومية بتراجع قطاع الفسفاط والأسمدة الكيميائية التي كانت تضخ أموالا لصالح ميزانية الدولة.

وقال رضا السعيدي، في تصريح لموقع “ميم”، إن تراجع النشاط الاقتصادي تسبب في تراجع الجباية التي تقتطع من مرابيح المؤسسات الاقتصادية.

رضا السعيدي: الحكومة رصدت ارتفاعا مشطّا في الأسعار عمد إليه عديد التجار وعديد المؤسسات التي وظفت بشكل استباقي زيادات على عدد من المواد

وأشار السعيدي إلى أنّ الحكومة التونسية حرصت على الإبقاء على مستويات الدعم في حدودها السابقة التي تقدر بـ1500 مليون دينار مع احتساب القيمة التي تمت إضافتها هذه السنة والتي قدرت بـ70 مليون دينار، لتصبح قيمتها الجملية 1570 مليون دينار، بالإضافة إلى دعم المحروقات في حدود 1500 مليون دينار ودعم النقل في حدود 480 مليون دينار، وهو ما ساهم في ارتفاع نسبة العجز 6.1% من الناتج الخام وارتفاع نسبة المديونية التي بلغت حوالي 70 % من الناتج الداخلي الخام.

واعتبر السعيدي أن الوضع الاقتصادي الحالي أجبر الدولة على الشروع في جملة من الإصلاحات في عدد من  القطاعات، أهمها إصلاحات في المالية العمومية وإصلاح الصناديق الاجتماعية والمؤسسات العمومية والتحكم في العجز، باعتبار أن النفقات في الأجور التي بلغت حوالي 16300 مليون دينار، والتي تُعد نسبة مرتفعة جدا، جعلت من البلاد التونسية تتصدر المرتبة الأولى عالميا عند احتساب نسبة الأجور على الناتج الداخلي الخام، مقابل تراجع نسبة النمو التي بلغت ما  1% خلال سنتي 2015 و2016 و2.1% سنة 2017، ومن المرجح أن تبلغ نسبته 3% خلال السنة الحالية.

وتابع المستشار الاقتصادي، بأنّ الحكومة واجهت الأزمة باتخاذ جملة من الإجراءات من خلال التحكم في كتلة الأجور بالتشجيع على المغادرة التلقائية للموظفين العموميين والتقليص من حجم الوظيفة العمومية، وبالتالي التقليص في نسبة الأجور. وأشار السعيدي إلى أن الدولة اتبعت أيضا إجراءات للتحكم في نفقاتها لتبلغ حوالي 4.2%، وهي نسبة في مستوى أقل من التضخم ،مقابل الإبقاء على النفقات الاجتماعية ونفقات التنمية في حدود 5743 مليون دينار التي تلتزم فيها الدولة بمواصلة الإنفاق على البنية الأساسية والمرافق العامة والتنمية الجهوية.

 

رضا السعيدي: الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لن تؤثر في الأسعار باعتبار أن الزيادة في نسبة الأداء على القيمة المضافة بـ1% سيكون تأثيرها في الأسعار في حدود 0.8% فقط، كما أنّ مراجعة الأداء على الاستهلاك شملت المواد الكمالية والمواد المستوردة.

 

وأكد السعيدي أن هذه الإجراءات لن تؤثر في الأسعار باعتبار أن الزيادة في نسبة الأداء على القيمة المضافة بـ1% سيكون تأثيرها في الأسعار في حدود 0.8% فقط، بالإضافة إلى مراجعة الأداء على الاستهلاك والتي شملت المواد الكمالية والمواد المستوردة.

وقال رضا السعيدي إنّ الحكومة رصدت ارتفاعا مشطّا في الأسعار عمد إليه عديد التجار وعديد المؤسسات التي وظفت بشكل استباقي زيادات على عدد من المواد، وذلك في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة عدم تغيير أسعار المواد المدعمة كالسكر والحليب والعجين الغذائي، وغيرها من المواد الأساسية. وتابع السعيدي بأن الزيادات التي شهدتها بعض المواد اليوم لم تكن بقرار من الدولة وليس لها أية علاقة بقانون المالية، بقدر ما لها علاقة بتوظيف استباقي من قبل بعض التجار وأصحاب المؤسسات.

وأكد المستشار أن الحكومة تتعامل مع الوضع الحالي برصانة وبحكمة، رغم التطورات التي فاتت الحدود المعقولة، لكنّ السلطات ستتعامل بصرامة في تطبيق القانون مع المخالفين.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.