مجتمع

المحامية منية بوعلي: زغاريد نساء تالة بعد هروب بن علي لا تزال تسكن ليل المدينة

حوار مجلة ميم مع المحامية منية بو علي، التي شاركت في أحداث الثورة بمدينة تالة من محافظة القصرين

This post has already been read 2 times!

 

ترى المحامية منية بو علي، التي شاركت في أحداث الثورة بمدينة تالة من محافظة القصرين، أن الثورة التونسية نجحت في كسر حاجز الخوف. وهي تعتقد أنه لم يتحقّق إلا الجزء اليسير من المطالب الاجتماعية للثورة، فإلى اليوم، يزداد عدد العاطلين عن العمل في المناطق التي ضحّت بالغالي والنفيس وقدّمت الشهداء وعلى رأس القائمة ولاية القصرين.

ولا يزال تتردد في سمعها منذ نبأ هروب بن علي مساء 14 جانفي/ كانون الثاني 2011، زغاريد نساء تالة معلنة تدشين مرحلة جديدة من تاريخ تونس، عنوانها الحرية.

شهادة المحامية منية بو علي في حوارها لمجلة “ميم”، هي قصة حضور المرأة التونسية في الثورة، امرأة مثقفة تعلقت بموطنها وبأحلامه وعاشت معارك أهلها الشريفة.

 

كنت من بين النساء اللاتى شاركن في أحداث الثورة التونسية منذ بدايتها، فماهي أهم الوقائع التي بقيت راسخة في ذهنك بعد مرور سبع سنوات على الثورة؟

ما شهدته من وقائع فترة الثورة التونسية لا يمكن أن يمحى من ذاكرتي، لأنّ الثورات فعل فارق في التاريخ. لكن هناك أحداث دون أخرى تسجّل حضورها في الذاكرة ومنها يوم دفن شهداء تالة الخمسة الذين سقطوا ليلة 8 جانفي 2011. سجّل هذا اليوم حضوره بذاكرتي لما شهدته من قمع البوليس التونسي للمتظاهرين العزل الذي واجههم بالرّصاص رافضا دفن الشهداء من طرف أهالينا بتالة طالبا أن تحمل النساء الجثامين دون الرجال. وفي مثل هذا الطلب إهانة كبيرة للأهالي وللشهداء حتى بعد قتلهم غدرا.

في هذا اليوم طُبع بذاكرتي مشهد هزّني من الداخل، وهو ساعة حمل الشهداء باتجاه المقبرة وإصرار أهالينا بتالة على أن تمر الجنازة كالعادة من الطريق الرئيسية، واجهها البوليس المتمرّس بشارع الحبيب بورقيبة بالرّصاص الحي والقنابل المسيلة للدّموع. وأثناء محاولة هرب المتظاهرين من مواجهة رصاص البوليس والاحتماء بجدران المنازل والأزقة الجانبية سقط على الأرض أحد التوابيت وهو للشهيد “أحمد ياسين الرطيبي”، فما كان من والده إلاّ أن ارتمى عليه ليحميه من الرّصاص معرّضا نفسه للموت على أن لا تطاله الطّلقات.

تصاعدت وتيرة الأحداث يوما بعد يوم إلى أن استعمل أعوان الأمن الرصاص الحي واستشهد عدد من الشبابفي مدينة تالة والقصرين، كيف كانت ردود الأفعال حينها؟

بعد استعمال الرّصاص وسقوط شهداء، قطع خط العودة وكُشف الستار عن النظام أمام المواطن البسيط العادي الذي لا اهتمامات له بما تقوله آنذاك المنظمات الحقوقية ولا نشطاء المعارضة، فقدّم النظام الدّليل القاطع أنّ الديكتاتور على استعداد لحصد أرواح الأبرياء كما حصد ثروات البلاد. وتيقّن العامّة أن لا مكان لرئيس عرشه فوق جماجم أبنائهم. لم يبيتوا ليلتها في منازلهم نساء ورجالا وحتى الأطفال كان هناك إصرار على قلع نظام بن علي من جذور أرض تونس. فتصاعدت وتيرة المواجهات وخرجت القصرين إلى الشارع شيبا وشبابا ثم تدعمت المواجهات يوم 12 جانفي 2011 بمسيرة مدينة صفاقس فكان يوما حاسما في ثورة الشعب.

 

شاركت مختلف شرائح المجتمع  في إسقاط نظام الطاغية بن علي من شباب عاطل عن العمل وطلبة وتلاميذ، كيف كان حضور المرأة في الثورة ومشاركتها في مختلف مراحل تلك الفترة الدامية التي شهدتها تونس؟

ساهمت المرأة في الثورة بشكل بارز وفاعل. وجاءت هذه المساهمة سواء أثناء أحداث الثورة أو في سنوات الجمر والتي اعتبرها الإرهاصات الأولى للثورة التي أطاحت بنظام بن علي. وقد نالت المرأة التونسية نصيبها من التنكيل فقد سجنت وعذّبت وقتلت. وقد شهدت ثورة 17 ديسمبر- 14 جانفي سقوط شهيدات أثناء الأحداث.

المرأة التونسية تعتبر ريادية في محيطها الإقليمي والدّولي وقدّمت الكثير لهذا الوطن. ومنظومة العدالة الانتقالية كفيلة بكشف هذه الحقيقة للعيان. لكن للأسف وبعد الثورة رغم ما أنجز من قوانين داعمة للمرأة ولتمكينها اقتصاديا وسياسيا إلا أنها بقيت على المستوى السياسي بعيدة عن مؤسسات أخذ القرار، بل استمر توظيف شعار حقوق المرأة في أغلب الأحزاب، إن لم نقل كلّها.

 

 

تعرضت لحملة تشويه في بداية التحركات الاحتجاجية في مدينة تالة واتهمت بالسعي وراء المناصب السياسية، كيف كان ذلك؟

لم أتعرض إلى حملة تشويه فقط في بداية التحرّكات الاحتجاجية، بل بلغتني رسائل التهديد بالتصفية والقتل، وتواصلت حتى بعد هروب بن علي، من الدولة العميقة والحرس القديم ببثّ الإشاعات سواء على وسائل التّواصل الاجتماعي أو عبر بعض وسائل الإعلام المأجورة. وقد تداولت هذه الوسائل إشاعة اختلاس لأموال عائلات الشهداء، علما أنهم رفضوا إلى حد هذه الساعة تسلم الأموال لأنّهم يطالبون بمحاسبة القتلة والكشف عن هوية القناصة.

لكنّ حملات التشويه، لا يمكن أن تثني أي مناضل عن الدفاع على مبادئه، خاصة أننا تعوّدنا بهذا الأسلوب الذي اتبعه الرئيس المخلوع تجاه معارضيه ونشطاء حقوق الإنسان، وبلغت حدّ اتهام البعض بالشذوذ والبعض الآخر بالجنون، أمّا النّساء فكان لهنّ النصيب الأوفر.

 

تشويه لم يثنك على مواصلة الاحتجاج؟

طبعا حملة التشويه لا يمكن أن تثني أي مناضل عن الدفاع على مبادئه خاصة أننا تعوّدنا بهذا الأسلوب الذي اتبعه الرئيس المخلوع تجاه معارضيه ونشطاء حقوق الإنسان بلغت حدّ اتهام البعض بالشذوذ والبعض الآخر بالجنون أمّا النّساء فكان لهنّ النصيب الأوفر.

منذ بداية التحركات في محافظة سيدي بوزيد والقصرين تسلح بن علي بشويه المحتجين والجهات الثائرة، ونتذكر جيدا وصف بن علي للمحتجين بالمجموعات التخريبية والإرهابية..

يندرج هذا التشويه في باب الشائعات التي تعتبر وسيلة من الوسائل التي تعتمد في ما يسمى بالحرب النفسية والتي تستعمل عادة من قبل الأنظمة أثناء ما يسمى “بأوقات توقع الخطر” وهي عادة أوقات الحروب والكوارث والفوضى لأنّ الناس يتوقعون حدوث الشر خلال هذه الأوقات. وقد أطلق بن علي هذا التوصيف على المحتجين لإحداث حالة من الخوف عند الشعب التونسي ليشعروا بالفوضى وعدم الأمان لإيجاد الثغرات وفتح الجبهات وتفريق الصف والقضاء على الروح المعنوية للمحتجين. وقد استمر هذا التشويه بعد هروبه باعتماد عمليات التخريب وترويع المواطنين. وما حدث أيام 15 و 16 و17 جانفي 2011، أكبر دليل على ذلك.

كيف تحركت خلال أحداث الثورة من أجل فضح الجرائم البشعة التي ارتكبها النظام ضد المتظاهرين؟

الدّور الذي تتحدّثين عنه لم يكن لي أنا، فقط، ففي يوم 3 جانفي 2011، مع بداية الاحتجاجات في تالة بالصف التلمذي، دعوتُ بعض النشطاء في مدينة تالة واقترحتُ عليهم تكوين لجنة لمتابعة ما يحدث من جرائم من أجل توثيقها وفضحها لدى وسائل الإعلام الأجنبية والمنظمات الدّولية لتعرية قمع النظام الدكتاتوري للحريات. وكانت هذه المجموعة تتكون من المعلم بلقاسم السايحي وأستاذ التعليم الثانوي محمد النصراوي والمعلم فتحي الهداوي وأستاذ التاريخ الهادي الفريضي. وقد تقاسمنا الأدوار، واعتمدنا فيها جميع أدوات الرّصد والتوثيق وفتحت منذ ليلة 3 جانفي 2011 مكتبي الموجود وسط بتالة  للمحتجين، مما تتسبب بخلعه مرتين من طرف البوليس. وبعد انسحاب البوليس التونسي من مدينة تالة وبقية مدن الجمهورية التونسية يوم 12 جانفي، اجتمعت اللجنة يومها وقررنا مزيد دعم لجنتنا، وغيّرنا اسمها إلى “لجنة حماية الثورة”، لأننا تيقنا بعد انسحاب البوليس أنّه ستعم الفوضى وأعمال البلطجة. فكانت أول لجنة لحماية الثورة تأسست بمدينة تالة تلاها إثر ذلك تأسيس لجنة جهوية لحماية الثورة آملين البلوغ للجنة وطنية لحماية الثورة التي اجتمعت بمكتبة المحامين بالمحكمة الابتدائية بتونس وحضرها عميد المحامين وبعض رموز المعارضة السياسية.

 

دفن شهداء تالة يوم 9 جانفي 2011

 

كيف ساهم المحامون في تقدم الثورة نحو المسار الصحيح وتأطير المسيرات والاحتجاجات؟

كانت المحاماة ولا تزال، وستظل قلعة للنضال والحصن المنيع ضدّ ظلم وقمع الأنظمة، لذلك شهد تاريخنا المعاصر دورا رياديا للمحامين سواء فترة الاستعمار الفرنسي في تونس أو في مرحلة المحاكمات في المرحلة البورقيبية أو في سنوات الجمر، حتى أنّ أغلب رموز المعارضة كانوا محامين، إضافة إلى أنّ المحاماة كانت متنفّسا للنّاشطين السياسيين والحقوقيين وقدمت للنظام القائم دروسا في احترام القانون وفي الديمقراطية، إذ أنّ أهم انتخابات كانت تجرى في الدولة هي انتخابات المحامين في جميع هياكلها سواء الوطنية أو الجهوية وفي جمعية المحامين الشبان. ولأهميّتها كان النظام السابق يدجّن لها الأموال الطائلة ويسخّر لها جميع طاقات حزبه ليظفر بها.

بعد أيام دامية عاشتها البلاد التونسية، سقط النظام وهرب الطاغية كيف شهدت ذلك؟

مثل سقوط الشهداء ثورة 17 ديسمبر وهروب بن علي لحظة فارقة في حياتي امتزجت فيها مشاعر مختلفة لا توصف بلغت بي، أنّي ساعة الإعلان عن هروب بن علي، وكنت يومها بمدينة تالة، صعدت سطح مكتبي وكنت أصرخ “زغردوا يا نساء تالة.. زغردوا يا نساء تالة”. فتعالت الزغاريد من كلّ أنحاء المدينة كانت لحظات مهيبة خاصة أنّ يومها أعلن عن حضر التجول مبكرا منذ الساعة الرابعة فكان السكون يلفّ المدينة والظّلام الدامس ولا تسمع إلاّ أصوات زغاريد نساء تالة من فوق أسطح المنازل.

بعد مرور سبع سنوات على اندلاع ثورة الحرية والكرامة هل تحققت أحلامك وأحلام المحتجين؟

أثناء الاحتجاجات رفعت العديد من الشعارات كانت أهمها المطالبة برحيل بن علي وأول ما رفع هذا الشعار كان يوم 9 جانفي 2011 بمدينة تالة في المسيرة الحاشدة التي شيعت جثامين الشهداء الخمس وقد نقل يومها “راديو كلمة” تلك المسيرة، وقد طالبتُ فيها برحيل بن علي وتناقل منذ ذلك اليوم شعار « Dégage » الشباب بكامل تراب الجمهورية تُوّج يوم 14 جانفي بهروب بن علي. وكان كذلك من أهم المطالب والشعارات التي رفعت “سقوط جلاّد الشعب حزب الدستور/ التجمع” وقد تُوج ذلك بصدور حكم قضائي بحل حزب التجمع ومصادرة جميع أملاكه. غير أنّ الثورة المضادة نجحت بالعودة مجددا إلى سدّة الحكم بعد انتخابات 2014 ولو في لبوس جديد. وبقيت المطالبة بالتشغيل والعدالة الاجتماعية بين الجهات رهينة اللوبيات ومقيدة بمنوال تنموي ارتهن الاقتصاد التونسي للأقطاب الاقتصادية العالمية وللمؤسسات المالية الدولية.

إلى أيّ مدى تمّ ردّ الاعتبار للجهات الداخلية التي ضحت بالغالي والنفيس وقدمت الشهداء من أجل إسقاط النظام؟

للأسف لم يتحقّق إلا الجزء اليسير، خاصة المطالب الاجتماعية، فإلى حدّ اليوم عدد العاطلين عن العمل في تزايد والمناطق التي ضحّت بالغالي والنفيس وقدّمت الشهداء، وعلى رأسها القائمة ولاية القصرين لم تشهد بوادر للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومع هذا أقول إنّ أهم إنجاز حققته الثورة التونسية هو كسر حاجز الخوف. فحقيقة بات شعار المرحلة “لا خوف بعد اليوم”، غير أنّ مجال الحريات يشهد منذ 2014 بوادر تقهقر ومحاذير عودة الممارسات البوليسية ومحاولات لكتم أصوات الحرية.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.