الرئيسيثقافة

“التَّرْبِيجْ” بين حلم الكبار وتنشئة الصّغار

تراث شعبي

 الزازية برقوقي*- تونس- مجلة ميم

التّربيج هو نوع من الأهازيج والأنغام، تؤديها المرأة أثناء الفترة الزمنيّة المخصّصة لتنويم طفلها أو للعناية به، ويبنى على جملة من التّعابير ومن القيم الأخلاقيّة والثقافيّة التي تسعى الأم إلى تمريرها لطفلها منذ الصّغر بواسطة خطاب منغّم، تعبّر فيه عن أملها في الصّورة المثلى التي سيكون عليها ابنها في المستقبل. ويكون التّربيج في شكل أبيات شعرية ذات لحن مميّز تؤدى بصوت خافت مقارنة مع بقيّة الأنماط الغنائيّة البدويّة، وقد يعود ذلك إلى متطلّبات النظم التّربويّة التّقليديّة، في خلق جوّ طقوسي خاص، كلما انفردت الأم بطفلها وهو ما يسهم في تحقيق تفاعل وتبادل وتواصل في المشاعر بينهما.

وفي المجتمعات البدويّة يلعب التّربيج دورا فعّالا في تربية وتنشئة الأطفال، كما تكشف أشعاره عن عقليّة اجتماعيّة ذكوريّة بالأساس، تشترك في تكريسها المرأة ذاتها، إذ لا تتوانى في التّعبير عن افتخارها بإنجاب الطفل الذكر كلّما سنحت لها الفرصة، لما في ذلك من أهميّة في تحديد مكانتها الاجتماعيّة ومركزها في الحياة الأسريّة، و”أهم ما يعزز مركز المرأة في بيت زوجها بعد أن تختار وفقا للقيم الاجتماعيّة التي اصطلح عليها المجتمع الشّعبي، إنجابها للأبناء وللبنين منهم بصفة خاصة” (نبيلة ابراهيم، 2000، 241).

قد تلتقي نساء الأوساط البدويّة أثناء التّربيج حول جملة من القيم الثقافيّة والاجتماعيّة العامّة التي يصبو لها الجميع، ولكن لكل امرأة خصوصياتها في التعامل مع طفلها، وفي إضافاتها وارتجالاتها للمقاطع التي تردّدها، وعادة ما يكون ذلك لأهداف وغايات متعدّدة، فإما أن تكون بهدف التّفاخر والتّباهي وإما أن تكون للتشفّي في غيرها من النّساء، أو قصد تفريغ جملة من الاختناقات والمكبوتات النّفسيّة الكامنة بداخلها.

لذلك يمثل الأبناء سندا وضمانة لوجودها وملجأ وملاذا لمشاعرها. “فالأم عندما كانت تغني فإنها لم تكن تغني من أجل الطفل فقط وإنما تشكو، كانت تفكر بصوت منغوم، كانت تبث طفلها همومها وتطلعاتها”(كرم إدريس1979، ص.99)، وهو نوع من الهروب الفكري من عذابات الحياة وتجاوزا لمآسي الواقع وآلامه، ويعد أيضا وسيلة من وسائل التّرويح عن النفس ومعارفها، وناقلة للفكر الجمعي وخبرات الجماعة من عبر ومواعظ ومواقف ومسالك قيميّة وأخلاقيّة، تكرّس الخصائص الاجتماعيّة.

 

 

وفي جميع الحالات فإن الأم تباهي بولدها لما لذلك من مدلول رمزي في النّظام القبلي عامّة وفي مجتمع البوادي والأرياف خاصّة، فالزّعامة دائما للرّجل، إذ يمثل رمز التّواصل العضوي للعائلة، باعتباره حامل اسمها ووريثها الأول، كما أنّه عنصر فاعل في حماية عشيرته والذّود عنها كلّما دعت الحاجة، مما يكسبه تلك المكانة المرموقة في مجتمعه، ذلك ما يجعل من الأم تشعر بالفرحة والسعادة كلما أنجبت ذكرا فتغنّي قائلة:

 

سَــعَــدْ سْـعُـــودْ سَعــَدْ سْعُــودْ          بَعَدْ المَــهْرِي جَـانِــي ڤْعُــودْ

مْحَجِّلْ وعْوِينَاتَـهْ سُودْ

زِيـــنْ عَبــــَرِّڨْ زِيــنْ عَبـــَرِّڨْ        دَرَّڤتَــــــــهْ مَــــا بـَــــا يدَّرِڨْ

جَانِي فِي الدُّوَارْ مْفَرِّڨْ

هَــــــاوْ جَــــا هَـــــــاوْ جَـــــا           والخُـــدَاتْ عَلِـــيــــهْ رْجَــبْ

والخَــوَاطِرْ ضَايْڤَـة

هَــذَاكْ ولــْــدِي كــــَانْ رَكـَبْ             مَــــا عَـــادْ يرِيـــدْ موَاجْبَــة

 

 

وما نلمسه في نصوص التّربيج أن الأم تمزج بين الموجود والمنشود للتّعبير عن جملة الأفكار التي تراودها وعن المشاعر التي تنتابها كلّما اقتربت من ابنها، فتخاطب طفلها الصّغير بآمالها وأحلامها، ببداهتها الفطريّة ومكوّناتها القوليّة، وبمكتسباتها الثقافيّة والاجتماعيّة، تخاطبه وكأنه رجل وهي في حقيقة الأمر تريد تثبيت وتمرير تلك الصورة المثاليّة العالقة بذهنها والرائجة لدى أهل البوادي، صورة ذاك الرجل الفارس الذي تجتمع فيه كل الخصال الحميدة والقيم الرّفيعة كالكرم والشّهامة والفروسيّة فتنشد لطفلها قائلة:

 

دَامْ   دَامْ   دَامْ   دَامْ            يــرْكِبْ عَالزَّرْڤْة نَهَّـــــامْ

يــــــَا ڤْـزْنْ شعِيـــر            يـَـــا عْڤْــــــالْ الشَّــــــارْدَة

دَامْ دمَــمْ دَامْ دمَـــمْ             وإلِّي ينَـــادِي يڤْــولْ نَعَـــمْ

                   ڤْدْرُه بِالعِيشْ مجَمِّمْ                    وحْصَانِهْ فِي الرِّتْعَة ينْهِمْ

 

 

رغم أن التّربيج غناء موجّه للأطفال إلاّ انّه يكشف عن أفكار وأحلام الكبار، وعن التّفاعل مع البيئة والمحيط، والقيم والنّظم التي ينبني عليها واقع المجتمع. ففي الأوساط البدويّة لا تكتفي الأم أثناء التّربيج برسم صورة  ابنها الفارس، الذي تجتمع فيه كل الصفات النّبيلة كالشهامة والشّجاعة والكرم، وفي التّربيج تصبح المبالغة في القول مباحة، ولا تخجل الأم إذا ما عانقت الخيال في رسم صورة ابنها. ففي هذه المجتمعات تلقّن القيم الثّقافيّة وتتداول شفويّا عن طريق جملة من الوسائط والآليات من العادات والتقاليد ومن الفنون والممارسات التي يحملها المخيال الجمعي ويستمرّ في تبنّيها واستهلاكها.

التّربيج بالبنت

لا شك أن الأم في المجتمعات البدويّة تحبّذ إنجاب الذّكور، وربما يعود ذلك إلى المتطلّبات الاجتماعيّة والبيئيّة، والى العقليّة الجماعيّة التي يهيمن عليها الفكر الذّكوري، وقد يكون أيضا بسبب الأدوار والمهام الصّعبة الموكلة للرّجل منذ القدم في تلك المجتمعات، كالغزو والسفر وغيرها، والتي من شأنها تثمين مكانة الرجل في المجتمع، وجعل إنجاب الذّكور حلم كل أم مازالت في طور الإنجاب، فلا تخفي أملها في ذلك حتى في لحظات التّربيج بابنتها فتقول مثلا:

 

أمْ الــــدَّادْ أمْ الـــــدَّادْ          يَـــــا عَـــارِمْ فِيدْ الصَيَّـــــادْ

نُطْلُبْ رَبَّي والاجْوَادْ          يجُو عَلَى رَاسِكْ سَبْعَة أوْلاَدْ

 

 

ورغم ميل الأم لإنجاب الذّكور إلا أنها لا تتوانى في التّعبير عن مشاعرها بكل تلقائية تجاه ابنتها في لحظات الصدق وبإحساس الأمومة، فترفع صوتها متربّجة بجمال ابنتها معدّدة خصالها الخلقيّة فتقول مثلا:

 

سَعْـدِي نَـــا سَعـدِي نَـا           صَـدْرِكْ لُـوحَـة مَقْرِيَّــة

الرَّڤْــبَة مِثْلَ البُــــلاَّرَه           الخَــدْ يفَـــزِّعْ بحْمُـــورَه

فُمُـــكْ حُكَّة دَنْدُونَــه                    خَشْمِكْ مِنْڤْارْ حْمَــامَـه

عِينِـــكْ سُودَة زِنْزِيَّــه                 حجَــابِكْ هِلَّةْ عَاشُورَاء

 

ولا غرابة إذا ما أطنبت الأم في التّباهي بصفات ابنتها، فالبنت سند أمها ومعينتها في كل الأنشطة والأعمال المناطة بعهدتها. تسعى الأم أثناء التّربيج بابنتها إلى التّذكير بالضوابط الاجتماعيّة والثقافيّة والأخلاقيّة التي يقوم عليها المجتمع، وقد يمثل ذلك درسا في التّنشئة الاجتماعيّة ويعد تحذيرا لضرورة انصياع البنت إلى جملة القوانين والنّظم التي تسير وفقها المجموعة، حتى تكتسب بذلك مكانة مرموقة تجعلها محل إعجاب الجميع، وتهافت الخطّاب عليها وإن غلى وارتفع مهرها فتقول الأم في ذلك:

 

            أمْ الــــــرَّڨْ أمْ الــــــــــرَّڨْ            خَلْخَــالِكْ يَظْـهِرْ يُبْـــرِڨْ

ومِنْ تَحْتَ الخَمْرِي لَزْرِڨْ            ولــدْ العَـمْ عْلِــيــكْ يحِـبْ

                   سَبْـع أيَّـــامْ وسَبْـع لْيـَالِـي            ومَا يَلْحِڤْشِ الزِّينْ الغَالِي

يَـــــا طُفْلَة أهْلِكْ غَلّـــُوكْ              بَألْفيـنْ ومَا بُو يَعْطُـــوكْ

مْيَاةْ نــاڤة جمَلْهَا دَكْـدُوكْ             يدَرْڤِشْ فِي حمِلْ الڤِطْيَانْ

 

 

وقد لا تجد المرأة مجالا للتّعبير بكل أريحيّة والبوح بمشاعرها متربّجة بابنتها، إذا ما استمعت إليها إحدى النّساء المنجبات للذّكور في العائلة، وعادة ما تكون تلك المرأة “السّلفة” التي تشاركها في السّكن، فتسعى هذه الأخيرة إلى تذكيرها بمكانتها الثّانوية، وبأنها عرضة للتّعويض بزوجة أخرى أي “الضرّة” لتنجب الذّكور، فتتهكّم منها مردّدة:

 

الِّي جَـابِتْ بُوفِتَــــــحْ           تِسْتَاهِلْ ضَرْبَة بِڤْدَحْ

تِسْتَاهِلْ غَمَّــة بسْتَارْ                وتِسْتَاهِلْ حَرْڤَانْ النَّارْ

 

و في الآن ذاته تبدي مشاعرها بالفخر، متباهية بإنجاب الذّكور وبأحقيتها في العناية والتّبجيل فتقول:

الِّي جَابِتْ عُودْ الزَّانْ        تِتْلاَعِبْ بِيـه الفُرْسَانْ

تِسْتَاهِلْ مِسْلانْ ولِيَّه        وتِسْتَاهِلْ خَادِمْ عَجْمِيَّه

وتِسْتَاهِلْ ڤَعْــــدَة فِي دَارْ

 

 

ولكن تجيبها أم البنت مذكّرة إيّاها بالصيرورة الحياتيّة وبعلاقة المرأة بالرّجل، باعتبارها ضرورة لا هروب منها لتحقيق التّواصل والاستمرار، فتخاطبها منبّهة إيّاها إلى أن ولدها ذاك سيصبح زوجا لابنتها في المستقبل، وستصبح سيّدة البيت وتتمتّع أمها بخيراتها، بينما سينتهي دور أم الولد وتصبح لا قيمة لها فتخاطبها قائلة :

 

لاَ تِفْرَحِي يَا أُمْ الولَدْ             تِكْبِــرْ بِنْتِـــي وتُـــوخْـــذَه

نَأكُلْ ذَخَــايِرْ بِيتْــهَا           ونِدْهِنْ رَاسِــــي بزِيتْهَــــا

وانْتِ ضَالْ تْشَابْحـــِي            وتْنَابْحِي كَالكُلِيبَة تْضَابْحِي

 

وفي هذا المجال ومن خلال تعاملنا مع هذا اللّون الفنّي التعبيري، نكتشف أهميّة التّربيج في تنشئة وتربية الأطفال، وفق قيم اجتماعيّة ثقافيّة ودينيّة معيّنة، تمرّر إلى الأطفال منذ الصّغر، وتثبّت بصفة متواصلة في شكل خطابات وممارسات وسلوكات، تعلّم بطريقة أو بأخرى حتى تستوعب ويشبّ الفرد على نظم وقوانين وضوابط المجموعة، ويصبح عنصرا فاعلا في إطاره البيئي والاجتماعي.

(*) أستاذة جامعية تونسية، باحثة في علم موسيقى الشعوب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.