الرئيسيسياسة

“أنا فهمتكم”: يوم سرق بن علي خطاب ديغول وتسارعت نهايته

 

قبل سويعات من هروبه إلى السعوديّة، خرج طاغية تونس زين العابدين بن علي في آخر كلمة له موجّهة إلى التونسيين بلهجة عاميّة، وبكثير من الاضطراب يعكس حالة التخبّط التي ظهرت أكثر في المعاجم والمصطلحات التي لجأ إليها، يومها قال بن علي بعد 23 سنة من حكم تونس بالحديد والنار، وبلهجة العاجز: “أنا فهمتكم”.

هي أوّل مرّة خاطب فيها بن علي التونسيين بلغتهم، كانت الشوارع خارج قصره مشتعلة بالغضب وكان عدد الشهداء قد تجاوز المائتين.

 

 

خطاب “أنا فهمتكم” كما يسمّيه التونسيّون تندّرا، لم يكن في الواقع خطاب الطاغية بن علي الذي اكتفى بقراءة الورقة التي قدّمت له. ولكن من المفيد العودة إليه، لا فقط من حيث المضمون الذي تضمّن اعترافا واضحا بالفساد والاستبداد وبجرائمه وجرائم عائلته وأصهاره، والأهم أنّه كان سببا ليزيد من تفجير الأوضاع عكس ما كان يتوقّع تماما هو ومستشاروه.

في أيّامه الأخيرة حاول طاغية تونس الاستنجاد بشركة خدمات اتّصاليّة فرنسيّة لتلميع صورته التي تلطّخت بالدماء، بعد أن تمكّن الشباب المنتفض من تجاوز الحجب وإبلاغ أخبار الأحداث وكل ما يجري إلى كلّ العالم، شركة فرنسيّة أوقعت بن علي في نفس الواقعة التي ورّطت زعيما فرنسيا سابقا وبنفس العبارة “أنا فهمتكم” هو شارل ديغول.

يوم 4 جوان 1958 قدم شارل ديغول إلى الجزائر التي تقبع تحت الاحتلال الفرنسي آنذاك وألقى من شرفة مقر الحكومة الفرنسية الموجودة في الجزائر خطابا أمام ما يقارب 150 ألفا من الفرنسيين وقليل من أصحاب الأرض من الجزائريين. جاء خطاب شارل ديجول بعد بداية الثورة عندما أحس المحتلون بالخطر وأعلن فيه مجموعة من الإصلاحات والحقوق للشعب الجزائري التي كانت فقط محصورة على المستوطنين الذين كانوا يمارسون أشد وأقسى درجات التفرقة والاضطهاد ضد الشعب الجزائري العظيم.، يومها افتتح ديغول خطابه بكلمة “أنا فهمتكم”.

ليس خفيا اعتماد طاغية تونس بشكل كبير على دعم أصدقائه الفرنسيّين قبل الثورة، وحتّى اللحظات الأخيرة قبل هروبه من البلاد. لكن مثلما حدث تماما مع ديغول بعد خطاب “أنا فهمتكم” لم يعمّر بن علي على الكرسيّ طويلا، استورد النصيحة و”الزعيم” والمصطلح، فسقط في الخاتمة.

لم يكن “فهم” بن علي للتونسيين أو تفهّمه لغضبهم يعني شيئا يومها تماما كما كان الحال في الجزائر قبل نحو خمس عقود، ولا كان يمكن أن يغيّر من المعادلة بعد أن انكسر حاجز الخوف وانقلب السحر على الساحر، ولكن الأهم أنّه لم يكن بإمكانه الاعتماد على أصدقائه وشركاء نظامه في البقاء، رغم كل الدعم والمساندة التي لقيها قبل أحداث الثورة وأثناءها.

يومها قالوا له أن يعلن أنه “فهم” التونسيين كان زين العابدين بن علي في الواقع لم يفهم بعد أنه سيسقط بكلّ الطرق بعد أن بلغ العصيان المدني ذروته وانفجرت كل أحياء البلاد وزواياها غضبا، يومها فهم التونسيّون المنتفضون أن بن علي يجب أن يرحل لأنّه لم يفهم الدرس بعدُ، فلم يقنعهم تجييش الإعلام لتلميع صورته بعد الخطاب ولا تلك الجوقات التي نزلت إلى الشوارع، بل واصلت الحشود رفع الشعار الشهير الذي سافر إلى كل أنحاء الوطن العربي “الشعب يريد إسقاط النظام”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق