مجتمعالرئيسي

حريّة المعتقلات السوريات المُغتصبات..  سرداب البداية واللانهاية

مأساة المعتقلات لا تتعلق بالأذى الجسدي في السجن فحسب، بل تتعدّاه إلى المُعاناة خارج القضبان وما يلاقينه من إقصاء المجتمع لهن

 

آلاء الرشيد- اسطنبول- مجلة ميم

“تخلصت من جنينها فوراً كي لا يُذكرها بالنسب المجهول، ثم هربت إلى دولة مُجاورة من سوريا  بعد الإفراج من اعتقالها الذي  قضت فيه ثمانية أشهر، التهمة مجرد الوقوف عند حاجز للانتقال من منطقة إلى أخرى في مدينة حمص فاعتقلوها برفقة ابنيها اللذين كانا حينها بأعمار سنتين، و أربع سنوات” هذا ما قصّته  مشرفة الدعم النفسي أم محمد (اسم مستعار) لمجلة ميم عن وفاء (اسم مُستعار) ذات 28 عام.

وتكمل: “زرت وفاء في منزلها ومازالت آثار إذالها في المعتقل بادية على رأسها حليق الشعر.  كانت قليلة الكلام وغالباً في حالة شرود ولم يَسلم جسدها من الأمراض، فهي مُصابة بـ (الجرب)، استقبلني صياح أطفالها بشكل هستيري، فعند وصول أي زائر يستذكر الأطفال مشهد السجّان عندما كان يسحب أمهم إلى مكان آخر مجهول بعيد عنهم، ثم تعود مُنهكة غائبة عن الوعي لمدة قد تصل إلى ثلاثة أيام من آثار التعذيب والإغتصاب، يظن الأطفال أن الزائر سجّان يريد خطف أمهم!”.

زوج (وفاء) اُعتقل في بداية الثورة السورية ولا أثر لوجوده حيّاً أو متوفيّاً، لذا حملت على عاتقها تربية أطفالها ورعايتهم، لكن يبدو أن الحظ لم يَبتسم لها؛ فعادت أسيرة نبذ مجتمع كبّل حريتها من جديد.. تقول أم محمد: “جاء شقيق زوجها وأخذ أبناءها وقال لها (انت وحدة معتقلة ولا تنفعي لتربية الأبناء) ثم هددها بتوثيق تقرير بأنها مريضة نفسياً إن حاولت استعادة أبنائها، ثم يعود العم وأبناء أخيه  إلى سوريا، فيغدو أمل لقاء الأم مع أبنائها مستحيلاً !!”.

هذا نموذج من قصص مماثلة تبيّن بعضاً من فظائع ما تتعرّض له المرأة السوريّة في المُعتقل وخارجه، فقضية الاعتقال لم تقتصر قساوتها فيما يحدث من أذى جسدي فحسب؛ بل تعدّى ذلك إلى المُعاناة النفسية للنساء خارج قضبان السجن بعد نَيل حُريتها وما تلاقيه من إقصاء المجتمع لها.

مازالت (7571) إمرأة  قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري منذ آذار /مارس 2011 إلى شباط/ فبراير 2017 حسب تقرير أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان في 8 آذار 2017.

 

ولست هنا بصدد التطرّق إلى تفاصيل ما تتعرّض له المُعْتقلات داخل سجون نظام الأسد في سوريا، فقد عرضت مؤخراً القناة الفرنسية الثانية في شهر كانون الأول / ديسمبر 2017  الفيلم  الوثائقي”الصرخةالمكبوتة” الذي فضح سياسة الاغتصاب في سجون نظام الأسد بحق المعتقلات وفق شهادات حيّة من نساء تعرّضوا للاغتصاب، وسبقها في مَطلع العام ذاته (2017) عرض شهادات أخرى فيلم وثائقي “خرجت ولم تعد” في برنامج”للقصة بقية” لقناة الجزيرة الذي سلّط الضوءعلى ملف المعتقلات السوريات،وقصص الاغتصاب وتعذيب الحوامل حت ىالموت، عدا عن تقارير أصدرتها مؤسسات حقوقية أخرى.

 

 

وحسب وصف تقرير (سوريا ورقة حقائق حول العنف ضد النساء 2017) التي أصدرته المؤسسة الأورمتوسطية للحقوق؛ فإن  طول مدّة الأحداث في سوريا ساهمت في تحطيم العائلات وتقويض النسيج الاجتماعي السوري، واستخدام النساء  كسلاح في الحرب، ويضيف التقرير أن المعتقلات يتعرضن  بعد خروجهن من المعتقل إلى العنف الأسري، فقد جرى تطليق بعضهن من أزواجهن، كما قام أهالي بعض المعتقلات بقتلهن.

وورد في تقرير (احتجاز النساء في سوريا: سلاح حرب ورعب 2015) الصادر من ذات المؤسسة أن النساء تعاني من جراء التجارب المرعبة التي يعشنها أثناء الاحتجاز من صدمة نفسية شديدة بعد الافراج عنهن، بما في ذلك درجات مختلفة في القلق واليأس، والاضطراب النفسي اللاحق للصدمة، وفقدان أي معنى للحياة، وبروز شعور بإنعدام الجدوى، وفي بعض الأحيان يفضي تدهور حالة المرأة بعد الافراج عنها حتى الانتحار.

 

ولخطورة ما تعيشه المرأة المُعنّفة؛ فتحت مجلة ميم الباب على مصراعيه للحديث عن تفاصيل الحالة النفسية ما بعد الاعتقال وحاورت رئيس الجمعية السورية للصحة النفسية (سمح) واستشاري الطب النفسي د. مأمون مبيّض.

مأمون مبيض

*ما هي الحالة النفسية التي تخرج بها المرأة المعتقلة المغتصبة بعد خروجها من السجن؟

تعاني السيدات والفتيات، وحتى الرجال الذين يتعرضون لجريمة الاغتصاب من حالة من الصدمات النفسية التي تشمل، الاضطرابات السلوكية والجسدية والعاطفية والمعرفية. وهناك من يسمي هذه الحالة بمتلازمة صدمة الاغتصاب وهي عبارة عن علامات وأعراض وردود فعل نفسية وبدنية، وهي عادة علامات شائعة عند معظم ضحايا الاغتصاب. وتظهر هذه الأعراض بعد أشهر أو سنوات من الاغتصاب.

وهناك علاقة بين متلازمة صدمة الاغتصاب وبين موضوع “الإجهاد النفسي ما بعد الصدمات” (PTSD)، التي لها وصف دقيق في الطب النفسي، وهي من عواقب للصدمات الخطيرة التي يتعرض لها الإنسان، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

وتمر أعراض متلازمة صدمة الاغتصاب عادة في ثلاث مراحل للصدمات النفسية الأخرى، وهي:

  • المرحلة الحادة: تحدث المرحلة الحادة في الأيام أو الأسابيع الأولى بعد الاغتصاب. وتختلف مددتها الزمنية من شخص لآخر، فقد تدوم مباشرة من بضعة أيام لبضعة أسابيع، وقد تتداخل مع مرحلة التكيف التالية.

وتشير بعض الدراسات إلى أن معظم الحالات يمكن أن تأخذ واحد من ردود الفعل الثلاث التالية:

  • المعبّر: حيث تظهر الضحية إما ثائرة وفي حالة هياج، وقد تعاني من نوبات بكاء أو قلق.
  • المسيطر: حيث تبدو الناجي وكأنها بلا ردة عاطفية، فتتصرف وكأنه لم يحدث شيء، أو أن كل شيء بخير.
  • الإنكار: فالناجية هنا تتفاعل مع شعور قوي من الارتباك، وقد يكون لديها صعوبة في التركيز، وفي اتخاذ القرارات، أو صعوبة القيام بالمهام اليومية، وإلى حدّ أنها قد لا تتذكر الاعتداء أصلا.

ولا تظهر كل الناجيات من الاغتصاب عواطفهن، فقد تبدو هادئة وكأنها لم تتأثر بالاعتداء عليها

وتشمل السلوكيات الموجودة في هذه المرحلة: ضعف التركيز واليقظة، حسّ الخدر العام، تبلد الإحساس والعاطفية ووظائف الذاكرة، التفكير غير المنتظم،التقيؤ، الغثيان،القلق، عدم القدرة على الحركة، ارتعاش واضح، الهوس بغسل أو تنظيف أنفسهن وتشعر الضحية أنها دوما نجسة وغير طاهرة، الهستيريا والارتباك والبكاء، الحيرة، الحساسية الحادة لردود فعل الآخرين.

  • مرحلة التكيف: حيث تبدو الناجية هنا وكأنها قد استرجعت أسلوب حياتها العادي. ومع ذلك، فهي تعاني في نفس الوقت من الاضطرابات الداخلية العميقة، التي قد تظهر في مجموعة مختلفة من الطرق، وكأن الناجية تحاول أن تتغلب على الصدمات طويلة الأجل الناتجة عن جريمة اغتصابها.

ونحن نجد عادة خمس استراتيجيات رئيسية تحاول الناجية استعمالها للتكيف مع هذا الحال الجديد:

  • تقليل الأعراض لأدنى حد، والتظاهر “بأن كل شيء بخير”.
  • المبالغة في الأعراض، فالضحية لا تكاد تتوقف عن الحديث عن الاعتداء.
  • الكبت، حيث ترفض مناقشة موضوع الاغتصاب.
  • التفسير، حيث تقوم بتحليل كل ما حدث، وبكل التفاصيل.
  • الانتقال إلى منزل جديد أو السفر لمدينة أخرى، وقد تقوم بتغيير مظهرها.

وقد تظهر عند الضحية العديد من الأعراض لآليات مختلفة للتأقلم والتكيّف، ومنها: تراجع الصحة بشكل عام، القلق المستمّر، الشعور بالعجز وعدم القدرة، حالة من اليقظة الشديدة، ضعف القدرة على الحفاظ على علاقات كانت قوية سابقا، المعاناة من استجابة عصبية عامة، استمرار الخوف، استمرار الاكتئاب، تقلب المزاج بين السعادة والاكتئاب والعصبية، الغضب الشديد والعدوانية، اضطرابات النوم وأحلام اليقظة والكوابيس المتكررة ونويات الذعر الليلي، الأرق والسهر، استرجاع ذكريات الماضي بشكل متكرر، شعور غريب من الخدر والانفصال (الشعور بانفصال الروح عن الجسد)، نوبات الهلع والذعر، الذكريات الراجعة للماضي للاغتصاب تستحضر أثناء الجماع في العلاقة الزوجية.

كما أن هناك آليات سلبية للتأقلم والتكيّف، مما قد يؤدي لنتائج عكسية (إضرار النفس، المخدرات، تعاطي الكحول).

  •  نمط الحياة: يمكن للناجية من الاغتصاب في هذه المرحلة أن يكون أسلوب حياتها قد تأثر ولحدّ كبير، وذلك من خلال بعض الطرق التالية:تراجع إحساسهم بالأمن الشخصي أو السلامة، التردد في الدخول في علاقات جديدة، الشك في الهوية الجنسية،  اضطراب العلاقات الجنسية. ويذكر العديد من الناجين من أنهم لم يتمكنوا من إعادة إقامة علاقات جنسية طبيعية، والتهرب من أي اتصال جنسي لبعض الوقت.

وعلى العكس من ذلك، تعاني بعض الناجيات من الاغتصاب من فرط وزيادة الرغبة الجنسية، وقد تتدهور الناجية لدرجة من الانحلال الاخلاقي، وقد يكون هذا أحيانا وسيلة لإعادة تأكيد قدرتها على ممارسة العلاقات الجنسية بشكل طبيعي.

 

 

وقد تشعر بعض الناجيات بأن العالم مكان مخيف لا يمكن العيش فيه بعد الاغتصاب، فنجد الواحدة منهن تضع قيودا على حياتها فتقاطع الأنشطة الأسرية والاجتماعية العادية، مما يمكن أن يزيد هذا في عزلتها عن الناس والبيئة من حولها.

طبعا كل ما ذكر يمكن أن يكون نتيجة لجريمة الاغتصاب التي تستعملها بعض الأنظمة بشكل ممنهج لتحطيم معنويات المخالفين لها، ولكن لا ننسى أن هناك أعراضا ومضاعفات السجن وما يرافقه أو يعقبه من الاعتقال والتحقيق والتعذيب…

ما الحديث الداخلي الذي يسيطر في ذهن المرأة ضحية الإغتصاب بعد خروجها من السجن؟

يدور حول محاور كثيرة تختلف طبيعتها وشدتها من ضحية لأخرى، ومنها على سبيل المثال: “لماذا لم أفعل شيئا لمنع هذه الجريمة؟” ، “كان عليّ أن أفعل كذا … وكذا”، “لو أني فعلت كذا… لربما كان الأمر مختلف” ، “كيف سأواجه أسرتي/ والدي/ زوجي/ أولادي…؟” ، “ماذا سيقول الناس؟” ، “يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسياً منسيا”.

* ما مبرر تخلّي المجتمع عموماً عن المرأة المغتصبة المحررة من قيود الأسر، خصوصاً الأهل، كما ان بعض الأزواج يلجأ لطلاق زوجته المظلومة؟

هذا من أصعب الأمور على ضحية الاغتصاب، التي آمل من خلال هذه المقابلة وغيرها من التصدي لها  كي نغيّر النظرة النمطية لضحايا الاغتصاب. يكفي ما تعرضت له الضحية من الاغتصاب وما يمكن أن يكون قد رافقه من تعنيف وترهيب. حريّ بالأسرة والمجتمع الرفق بها والوقوف معها، بدل أن يكون الموقف ضدّها، كما يحدث مع الأسف في بعض المجتمعات. وقد عاينت هذا شخصياً في بعض المجتمعات العربية وغير العربية التي عانت كثير من نسائها وفتياتها من السياسة الممنهجة للاغتصاب من أجل إرهاب المجتمع أو التطهير العرقي. ونعم هناك من الضحايا من لا ترى لها مخرجا إلا الانتحار، وخاصة أمام الموقف السلبي غير المتفهم للأسرة والمجتمع.

*كيف تتعامل المرأة المُغتصبة اتجاه جنينها إن حدث الحَمل؟

إننا نذكر الأحداث المؤلمة التي تعرضت لها الآلاف من نساء وفتيات البوسنة والهرسك من الاغتصاب المتكرر على يد الصرب، الذي انتهي في كثير من الأحيان بالحمل، فقد اضطرت الكثير منهن لإتمام الحمل، ثم عرض الطفل الوليد للتبني. ويختلف الأمر من امرأة لأخرى، وبحسب مدة الحمل والظروف الأخرى المتعددة الأسرية والاجتماعية، وهناك فتوى تبيح للمرأة التخلص من هذا الحمل غير الشرعي، ولكن يتوقف الأمر على ما ذكرت من مدة الحمل وطبيعة المرأة، ويمكن مراجعة هذا في مصادره الموثوقة. ويمكن عرض المرأة الحامل على الطبيبة النسائية حيث هناك بعض الأدوية والإجراءات للتعامل مع هذا الحمل.

ما هي الحلول العملية لتعود هذه المرأةلحالتها الطبيعية وتستطيع الإندماج مع المجتمع؟

يبقى الحل الأمثل هو في توعية المجتمع لمثل هذه الأحداث، وفي ذات الوقت توفير جلسات الإرشاد النفسي سواء للمرأة الضحية أو زوجها وأسرتها، فهناك الكثير من المهارات التي يمكن تقديمها لهم، مما يخفف عنهم، ويعينهم على تجاوز هذه المرحلة الحرجة والمؤلمة لهم جميعا، وخاصة المرأة الضحية لهذا الاعتداء الجائر.

إن تشكيل المجموعات الصغيرة جدا للدعم الذاتي، والمؤلفة من عدد محدود من النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب يمكن أن يساعد كثيرا، لأن بعضهن قد يجدن الحرج الشديد من أن يعلم أحد بما تعرضن له، ويفضلن كتمان الأمر.

وهناك أمر آخر هام، بالرغم من أني أدرك صعوبته وتحرج الناس منه، وهو ضرورة توثيق مثل هذه الاعتداءات من قبل الأطباء، وبمنتهى السرية والكتمان، فمن حق المرأة والأسرة والمجتمع مقاضاة الجاني، عندما يتاح المجال لهذا، الأمر الذي يحتاج للاهتمام والوعي والعمل الهادئ الواعي، فإن هذا من الجوانب الهامة للعدالة الانتقالية التي علينا أن نفكر فيها ولا نبعدها عن تطلعاتنا ونحن نسعى للحرية والكرامة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد