مجتمع

الجزائر: هكذا احتفلت السلطة والشعب برأس السنة الأمازيغية الجديدة 2968

 

حسام الدين ربيع- الجزائر- مجلة ميم 

يحتفل الجزائريون بصورة عامة والأمازيغ على الأخص برأس السنة الأمازيغية الجديدة 2968 أو بعيد يناير الموافق لـ12 جانفي/يناير/كانون الثاني وسط أجواء رسمية وشعبية استثنائية لاسيما بعد ترسيم يناير عيدا وطنيا وعطلة مدفوعة الأجر لأول مرّة في تاريخ الجزائر المستقلة.

 

الجزائريون يعيشون عيد يناير بنكهة رسمية لأول مرةّ عقب القرار التاريخي الذي أصدره رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة بترسيم الفاتح يناير (أول أيام السنة الأمازيغية) المصادف لـ12 يناير عيدا وطنيا رسميا وهو القرار الذي ثمنته المحافظة السامية الأمازيغية ومسؤولين ومختصين والشعب الجزائري بصورة عامة.

الجزائر أول دولة  ترسم رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا

وتعد الجزائر أول دولة في المغرب العربي وشمال إفريقيا تكرّس وترسم برأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا وربما هي الدولة الوحيدة في العالم التي تحتفل بت”ثلاث رؤؤس” للسنة وهي “رأس السنة الميلادية والهجرية والأمازيغية”.

وسطرت بالمناسبة الهيئات الرسمية ومؤسسات الدولة برنامجا ثريا ومنوعا امتد على مدار تسعة أيام كاملة، فبعد أعطيت إشارة الاحتفالات الرسمية بغرداية جنوب السبت الماضي، عاشت وتعيش محافظات أخرى نفس الأجواء بنكهة خاصة وسط فرحة عارمة ميزها الاحتفاء بتقاليد عريقة لا تندثر أبدا في المجتمع الجزائري، مثل تحضير الأطباق التقليدية والشعبية وتنظيم معارض للألبسة التقليدية والصناعات والحرف التقليدية كالزرابي والنسيج والحلي والأواني الفخارية وأدوات الحرث والفلاحة وغيرها.

“سوق يناير” .. و”الإنزال الرسمي”

وشهد المركب الأولمبي محمد بوضياف بالجزائر العاصمة الأربعاء الماضي، احتفالات ضخمة حضرها وزراء الشباب والرياضة الهادي ولد علي، والطاقات المتجددة والبيئة فاطمة الزهراء زرواطي وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد وزهاء 1500 شاب وفنان قدموا من مختلف ولايات البلاد، بحيث تم ما أطلق عليه “سوق يناير”  تنظيم معارض للألبسة التقليدية القبائلية والأكل الجزائري الذي يمثل مناطق مختلفة ومعرضا للرسم والحرف والأواني الفخارية والطين والنحاس والحلي التقليدي وغيرها.

 

 

وقال وزير الشباب والرياضة الهادي ولد علي إنّ “قرار رئيس الجمهورية بتكريس يناير عيدا وطنيا وعطلة مدفوعة الأجر يعتبر ترسيخا عمليا لمسار ترسيم الأمازيغية على أرض الواقع”. وأردف ولد علي: ” الدولة تسعى إلى تجسيد تعليمات الرئيس فيما يتعلق بترقية اللغة الأمازيغية على أرض الواقع”.

وتابع الوزير: ” الأمازيغية تعد ثروة وطنية من شأنها تعزيز وحدة الوطن ومبدأ المواطنة”.

 

 

وفي بجاية وتيزي وزو  والبويرة “معقل الأمازيغ”  لم تختلف الأجواء  “الرسمية” عن باقي محافظات الوطن بمناسبة حلول السنة الأمازيغية الجديدة فتستمر الاحتفالات إلى غاية منتصف الشهر الجاري، حيث تسيطر معارض خاصة بالمنتجات الفلاحية والمكسرات والفواكه المجففة والعسل وزيت الزيتون والأكلات الشعبية والحلويات التقليدية، إلى جانب إقامة معارض للأواني الفخارية والألبسة التقليدية القبائلية والمنتجات  المصنوعة من الحلفاء والصوف والزرابي وغيرها من الأشياء التي ترمز إلى  الثقافة الأمازيغية . فضلا عن استماع الجمهور برقصات فولكلورية قدمتها فرقة فنية وعروض مسرحية وسينمائية.

على صعيد العادات والتقاليد الشعبية، تتصدر الأطباق التقليدية موائد أمازيغ الجزائر، وتسود اللّمة العائلية وتبرز الطقوس المتجذرة في المجتمع الجزائري ككل حيث يحتفل أمازيغ البلاد بيناير بصورة ملتفة، تبدأ بالأسواق التي تعرض ما لذ وطاب مع اقتراب المناسبة، فلو تقم بجولة بسيطة في شوارع الجزائر ومدنها، لرأيت التجار يعرضون في الأسواق أو على رفوف الطاولات بالشوارع أو داخل والمحلات أنواعا مختلفة من الحلوى والشوكولاطة والمكسرات كاللوز والجوز والفول السوداني والتمر.

ويوم الـ12 يناير أول أيام السنة الأمازيغية يتبادل الناس التهاني بعبارة “أسغاس أمقاس” (عام سعيد) مع التمنيات بالربح والبركة والسلام، لتجتمع العائلات في مساء ذلك اليوم على مائدة واحدة، تتناول ما تم تحضيره من أكل وتحتفي ببعض الطقوس المميزة التي تختلف من ولاية لأخرى مع الاشتراك في البعض منها خاصة على مستوى الطعام والأكل.

يناير  في “معقل الأمازيغ”

وفي تيزي وزو وبجاية ومنطقة القبائل الكبرى والصغرى كالبويرة وبرج بوعريريج عامة تحضر النسوة الكسكسي أو “سكسو” كما يسمى بالأمازيغية باللحم والمرق الأحمر، ويتم وضع طفل صغير  بعد حلق شعره داخل جفنة وترمى عليه الحلويات والمكسرات والبيض اعتقادا في أن يكون العام الجديد سنة خير وبركة وسنة الزرع والفلاحة. كما من بين العادات في القبائل أنّ يتم ذبح ديك عن الرجال ودجاجة عن النساء ودجاجة وديك عن المرأة الحامل بداعي إبعاد الحسد. وفي هذا اليوم كذلك يخرج سكان هذه المدن إلى الحقول والمزارع تبركا بالأرض.

 

 

ففي أولاد خليفة ببلدية جعافرة احتفى السكان بيناير بعديد الطقوس فإلى جانب معرض قدم الأواني الطينية والفخارية التي تحمل علامات أمازيغية وزرابي ومائة تضم أنواعا مختلفة من الأكل التقليدي كالكسكسي والكسرة والشرشم أكلة تُعدّ الحبوب الجافة من فول وحمص والذرى وسط فرحة الأطفال وخاصة البنات اللاتي زيّن أنفسهن بملابس قبائلية أنيقة وغنين ليناير.

وقال منير ساعدي ابن المنطقة أنّ التحضيرات ليوم يناير تبدأ بأسبوع عند العائلات أو بالنسبة للجمعيات الثقافية والبلدية. وأضاف ساعدي في تصريح لـ”ميم”: “بما أنّ منطقتنا أمازيغية، نحتفل بالمناسبة من خلال إحياء تقاليد أجدادنا منها زيارة حقول الزيتون والتين والدعاء إلى الله حتى تكون سنة خير، وتحضر كل عائلة أنواع من الأكل تشتهر بها منطقتنا كالكسكسي والشرشم والشخشوخة”.

 

 

ولم يخف المتحدث أنّ يناير في أولاد خليفة ليس وليد اليوم أي بعد ترسيمه عيدا وطنيا أو بعد الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية ولكنه وليد التقليد وعادات الأجداد ووليد التاريخ الأمازيغي قائلا: ” منذ صغري وأنا أحتفي بيناير بمنطقتي، ونسميه بلهجتنا “رأس العام” حيث كنا نجتمع على المائدة ونتناول “الشخشوخة الحارة” أو “شخشوخة التمر” و”العيش”.

في الغرب والشرق…يناير احتفالية بألوان الأكلات الشعبية و”أيراد”

وفي الشرق الجزائري كقسنطينة وجيجل وسطيف  تقوم العائلات بتغيير ديكور المنازل وتكييفه مع المناسبة وطقوسها  وإعداد أطاق مثل “الشخشوخة” و”التريدة” و”الفطير” بالدجاج، و”الغرايف” و”الرفيس”. وأطباق أخرى على رأسها ما يسمى “التراز” وهو مزيج من الحلويات والمكسرات والتمر، والذي يجمع أفراد العائلة الواحدة على طاولة مع تناول الشاي أو القهوة.

 

 

وعند سكان الغرب الجزائري يناير هو احتفالية كبيرة خاصة بمدينة تلمسان، التي تحتضن كل سنة  كرنفال “إيراد”  المشهور الذي يرتدي  فيه الشباب والفتيات ألبسة وأقنعة ويرقصون على إيقاعات  البندير ويجوبون مختلف المنازل لجمع المواد الغذائية وتوزيعها فيما بعد على  الفقراء والمساكين والمحتاجين.

وبالنسبة للمأكولات يتصدر موائد سكان الغرب ومنهم التلمسانيين طبق “الكسكسي” بالمرقة الحلوة  المشكلة من الزبيب والعينة (البرقوق) وكذا خبيزات البيض والتريد و”الشفنج “‘والبركوكس”..ومأكولات أخرى، أمّا في اللباس فلا جمال يعلو على جمال “الشدّة” التي تتأنق فيها الفتيات وتخرجن بها إلى الشارع للاحتفال مع  جموع الناس.

باحثة: محتفلون لم يكونوا يعرفون ما هو “يناير”

وحول السنة الأمازيغية الجديدة أشارت الباحثة في التراث سميرة امبوعزة أنّ يناير مناسبة أمازيغية لا تزال تجمع الجزائريين سواء قبل أو بعد الترسيم والاعتراف بها له طابع سياسي”. وقالت امبوعزة في تصريح لـ”ميم” أنّ الاحتفال بعيد يناير أو رأس السنة الأمازيغية الجديدة كان قليلا عند العائلة في المجتمع الجزائري ويقتصر على محافظات معينة فقط كتلمسان تيزي وزو وبجاية والبويرة وبعض المناطق ببرج ببوعريريج وسطيف. واعتبرت المتحدثة أنّ الاحتفال به بالنسبة إلى هذه العائلات كان من منطلق أنّه عادة وتقليد تركه الأجداد دون أن يعلموا السبب الحقيقي.

وتعتقد المتحدثة أنه بعد ترسيم “يناير” عيدا وطنيا وعطلة مدفوعة الأجر  سيكتسي هذا العيد طابعا وطنيا مائة بالمائة مع إدراك سبب المناسبة ومعتقدها الأمازيغي الذي تقوم عليه إلى غاية اليوم. 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد