مدوناتغير مصنف

ما أخذ الجميل إلّا ليرزقنا الأجمل

بقلم: حياة بن بادة

 

كلّما قطعت تذكرة سفر وحزمت حقائبي وغادرت بيتنا باتجاه هدفي، كلما اعتبرت تذكرة السفر تلك تذكرة نحو الموت، أجدني فعلا أتأمّلها ومشاعر الموت تجتاحني، كأني لن أعود، كأني لن أتكرّر، كأنّي لم أكن ولن أكون. كلّ تذاكر السفر التي تعرض علينا الحياة في الشبابيك هي تذاكر رحيل ووداع وموت، هناك من يفلت منه وهناك من يعلق فيه.

في كل تذكرة سفر نقطعها عمر منشور على حبل الطريق جويّا كان أو بريّا أو بحريّا، صحيح أنّنا نسافر لنلقى الحياة لكنّ حياة كهذه لا تتمّ إلّا ونحن نعبر جسر الموت، هناك من يفوز بها وهناك من تترك يده عالقة في الهواء ليصطادها الفناء أو الفشل.

نسافر لأننا نؤمن بأهدافنا، نسافر لأننا نبحث عن الأجمل ذاك الذي لا نعرفه، فإن نحن فقدنا جميلنا نسيناه لأننا لم نرسمه بأقلامنا بل كان مستترا في ظرف القدر الذي كتبه الله. إنّنا نعجز عن حفظ أنفسنا ويد الله ترعانا، نفشل في تقييم ما يناسبنا وحكمة الله تحتوينا، يجفو عباده ولطفه سبحانه يغمرنا ويجبر خواطرنا، نعصيه ويكرمنا.

كل تذاكرنا رحلات وفواصل بين النظري والتطبيقي من أهدافنا، هي رحلات كتلك التي يقطعها نهر الأورال الفاصل بين قارتين في طريقه إلى قزوين وفواصل بين الهندسة الجميلة التي نقرّرها لأحلامنا ومحلّ مواد بنائها. على مدى العمر نحمل أحلامنا حبّا كما يحمل شعب الشيربا أمتعتهم أثناء تسلّقهم لإفرست ونختلي بها كما يختلي جبل كليمنجارو بندف الثلج البيضاء هناك في أعالي تنزانيا حيث تعيش إفريقيا شيئا من سلامها المزوّر في حضرة السماء.

كتب “تشارلز ديكنز” ذات يوم في روايته “ديفيد كوبرفيلد”: ” كباقي الآباء والأمهات، لي في أعماق قلبي ابن مفضل اسمه “ديفيد كوبرفيلد”. لكلّ واحد منّا في أعماقه ابن مفضّل، قد يكون بشرا وقد يكون أي شيء، وأيّا كان إمّا أن يكون حلما أو أن يحتوي الحلم.

نغادر البيت في ريعان الشباب كالأنهار في شبابها هي الأخرى، نحفر موطنا عميقا لهذا الطفل، نسير به مطوّلا ونتوّخى لأجله الانحدار لنستمر نحو المستقبل، تزداد أحلامنا اتّساعا بمجرّد أن ننضج حتى نصل إليها، نكبر وتكبر معنا صروف الدهر، نجد أنفسنا نقلّ أشياء وأشياء على متن قلوبنا ثم يضعف مجرانا وتقلّ قدرتنا على التحمّل إلى أن نحمل. نعم، كالأنهار أطوار حياتنا، شباب وكهولة وشيخوخة، وكضوء الشمس نحن كلما زادت موجتنا، كلما انخفضت طاقتنا.

تخيّل وأنت في طريقك لهدف معيّن يخطف أرجل قلبك درب آخر لم تكن يوما تتوقعه، تخيّل وأنت في طريقك إلى حلم لطالما بذلت لأجله النفس والنفيس وتناوب عليه المد والجزر يسرقك بالصدفة عالم آخر لم تحسب له أدنى حساب، لم ترسم له أيّة خطّة، حياة أخرى لم تتوقعها يوما، فإذا بها كانت تنتظرك، هي لم تكن من اختيارك بل كانت قضاء الله وقراره وقدره واختياره. تخيّل أنّك تبذل سنوات عمرك لتلتقي بالجميل الذي وضعت أنت مقاييس جماله فتقابل الأجمل الذي كتبه الله لك وساقه القدر، عطاء ليس كمثله عطاء، والله لا يأخذ الجميل إلّا ليرزقنا الأجمل، فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا.

يتحرك الجرم السماوي فتتنقّب الشمس بالأفق الهندسي لتعلن التقاء الأرض والسماء، ويتبعثر الضوء فتتحرّر ألوان الغروب الخلابة وتتشتت في أنفسنا، لنستمتع بصنع الله الجميل. تنتشر الطيور في السماء، تبادر الشمس بالانحناء، تتفتّح الزهور في الفضاء، يسقط المطر، تعجّ بضحكات الأطفال تلكم الأحياء، تتعالى أصوات البحارة، تثمر النخلة في عمق الصحراء، تتفجر المياه من الحجارة، في كل خلق الله يوجد الأجمل وكلما أبصرت الدنيا، كلما أدركت جمال الصانع في وجوه الناس من حولي باختلاف أشكالهم وألوانهم، فلكلّ لون درجة انكسار معينة هكذا تقول القاعدة لكنّها معا تصنع قوس قزح الجميل وتزيده بتضافرها رونقا، بل حتى للظلام الذي أترعناه باللعنات نصيب من الجمال ونحن حين نقطع الطريق على الضوء نصنع الظل، ذلك الرسم الأسود المنبثق منّا والذي تتشارك فيه جميع المخلوقات.

منذ زمن صرت أرى كلّ الوجوه من حولي جميلة، ربّما لأنّي أنضج وربّما لأني أنظر إليها بحبّ فالجمال في نظري هو القدرة على الحبّ، وربّما لأني أنظر إليها بمقياس ميتافيزيقي، فلكل جمال مفتاح وسرّ خارق، ومريض هو ذلك القلب العاجز عن استبصار الجمال في سائر خلق الله، فلكلّ مخلوق من جمال الخلّاق خَلَاق، وما تراه قبيحا قد يراه غيرك في قمة الجمال وما تسعى إليه عمرك لاعتقادك أنه جميل-وما أدراك أنّه حقّا جميل؟ – قد يعوّضك الله بدلا عنه بالأجمل فهو الجميل مالك الجمال.

كم واحد منّا فقد شخصا، وظيفة، دراسة، صحة، حريّة، غيرها، وعوضه الله. لو أننا آمنا يقينا أننا لله وأنا إليه راجعون لما تضجّرنا يوما من الشدائد، لو أننا أدركنا يقينا أنها كلّها أرزاق والأرزاق بيد الله لما بكينا على فقدها، لو أننا فهمنا معنى الجمال لما رضينا إلا بقرار الله. نبكي على رحيل الجميل فيفاجئنا الله بالأجمل، نبكي على باب أغلق فيفاجئنا الرحيم بباب أوسع، نقلق على مستقبل وضّحنا معالمه في ورقة افتراضية، فيفاجئنا الله بطريق أخرى أجمل، نبكي على علاقات غابرة، نبكي على من حسبناهم أحبابا، على من انتقيناهم أصدقاء، يرحلون ليعوّضنا الله بالأفضل، نخرج من مكان ألفناه فيجعل الله لنا الخير في آخر. يأخذ ما ظنناه جميلا ليرزقنا الأجمل، فالله لا يأتي إلا بالخير وما علينا إلّا الصبر لقوله صلى الله عليه وسلّم “عجبا لأمر المؤمن إنّ أمره كلّه له خير وليس ذلك لأحد إلّا للمؤمن إن أصابته سرّاء شكر فكانت خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكانت خيرا له.”

إنّنا أحيانا نتخلّص من أشخاص بإرادتنا، وأحيانا من خطط وأحيانا أخرى من أفكار لاعقلانية كانت في النظر عقلانية ذات جهل، فالفقد في الكتلة يتحول إلى طاقة هكذا فسّر اينشتاين العلاقة بين الكتلة والطاقة. وأحيانا نخسر ونفشل لا لشيء إلّا لنربح عند محاولة أخرى، إنّنا أحيانا نفقد لا لشيء إلّا لنكسب، يقدّر علينا الفشل وتكتب لنا الخسارة ويحتّم علينا الفقد فنحن مسيّرون فيما لا نعلم والله طمأننا بقوله عزّ وجلّ “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبّوا شيئا وهو شرّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون”. أجل، نحن لا نعلم.

 

حياة بن بادة

كاتبة جزائرية ومترجمة وأخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق