الرئيسيثقافة

فلسطين.. حيث يكتمل العُرس

#عربيات_ضد_التطبيع

 

منى علام- القاهرة- مجلة ميم

في زمن تخاذل النظام السياسي العربي وانحراف بوصلته، زمن التطبيع والبيع، يمكن للمرء أن يجد الملاذ في أغنية لا تتجاوز مدتها ثلاث دقائق، أغنية تعود إلى زمن قديم، ولكنّ قِدَمَها لا يعني تقادُمَها بحال، فمن قال إن حقوق الشعوب يمكن أن يصيبَها التقادم؟! ومن قال إن الثوابت التي تفرضها المصلحة الوطنية وتؤكدها حقائق التاريخ والحاضر، يمكن أن تتغيّر بتغير الأزمان أو تبدّل الحكّام، فيتحول العدوّ التاريخي صديقا والمغتصب جارا وحليفا؟!

إن السياسيين عندما يتخذون مسارا مناقضا لمصالح شعوبهم وأمّتهم، فيقفون على أرضية مشتركة وفي محور واحد مع كيان استعماريّ دخيل قاتل ومغتصب، فإن ذلك لا يعني محو الثوابت من وجدان الشعوب التي دفعت لأجلها الثمن غاليا.

ولمّا كانت الأغاني الوطنية تمثّل ديوانا لتسجيل تاريخ الوطن، وتوثيق أحداثه الكبرى ونضال أبنائه وأحلامهم وتضحياتهم، فإنها تعدّ، خاصة في ظل سياسات المهادنة والتطبيع، أداة لاستعادة الذاكرة الجمعيّة والوعي بالهُويّة وبالتاريخ وبالثوابت التي كاد البعض أن ينساها أو يتناساها، تحت وطأة آلة إعلامية متواطئة، مشوِّشة ومزيِّفة للوعي، وضغوط حياتيّة متعمّدة لتتكرّس سلطة الحكّام.

وقد مثّلت سنوات الخمسينيات وما تلاها، ذروة الصراع بين الدول العربية وعلى رأسها مصر بزعامة  جمال عبد الناصر، وإسرائيل التي كان لا وصف لها وقتها سوى “العدوّ الصهيوني”، وقد أُنتِج خلال هذه العقود عدد هائل من الأغنيات الوطنية التي تعكس السياسة العربية الرسمية القائمة على مبادئ التحرر الوطني وعلى محاربة الاستعمار والصهيونية.

وحتى في أعقاب هزيمة 1967، خاصة خلال حرب الاستنزاف التي امتدّت حتى عام 1970، استمر إنتاج الأغنيات المحمّسة للجنود والشعوب على القتال والصمود، والمؤكدة على المبادئ نفسها، وعلى خيار المواجهة والحرب لاستعادة الحقّ، قبل أن تأتي سنوات الانهزام المتسربل بشعارات زائفة عن “السلام” الذي لا يعيد حقا ولا يرفع رأسا، وهو الخيار الذي كان حتى سنوات قليلة خيارا مرفوضا بالكليّة، فنجد إحدى الأغنيات التي أنتجت خلال تلك الفترة وغنّاها المطرب المصري ماهر العطّار تقول كلماتها:

 

وحمامة حطّت فوق كتاف العسكري وقالت كفاية

وأنا لسه ابتديت؟! لسه ابتديت؟!

أرجوكِ ما تقولّيش كلام عن السلام

يا حمامة عودي لمطرحك عودي

العسكري غير الحمام

رايح أحارب ومدفعي يدوّي

طول ما السلاح شايف عيون عدوّي

ولو سكتّ يبقى بابيع بلدي لعدوّي

وده يبقى هزيمة مش سلام

 

 

أما الأغنية التي عليها مدار الحديث في هذا المقال فهي أغنية المطربة المصرية ليلى نظمي، وهي أيضا التي وضعت كلماتها ولحنها، وقد صدرت الأغنية عام 1970م، وهي تحمل اسم “ساعة المغارب”.

 

 

وإذا كانت الأغنية أنتجت خلال فترة حرب الاستنزاف، إلا أنه يمكن اعتبارها بحقّ “مانيفستو” الموقف العربي الثابت من إسرائيل، مهما تبدّلت السياسات واتخذ الحكّام مواقف انهزامية متواطئة، لأن الشعوب وحقوقها التاريخية هي الباقية والمستعادة لا بدّ، يوما ما.

 

تقول كلمات الأغنية:

 

ساعة المغارب يا ولا ساعة المغارب

عايز تخطبني يا ولا روح قَبْلَه حارب

 

ده أنا أبويا شهيد يا ولا وعمّي وجاري

مش كاتبة كتابي يا ولا خلص لي تاري

ده أنا مهري غالي يا ولا أنا مهري تاري

راس 100 صهيوني يا ولا ما تطفي ناري

 

عدّي القنال يا بطل عدّي القنال

قلبي معاك يا بطل عدّي القنال

 

وإن مت شهيد يا ولا ترفع راس بلدي

وإن جيت منصور يا ولا راح أوفي بوعدي

واكتب كتابي يا ولا هاكتب كتابي

وأقول عريسي ده جدع ورجل فدائي

 

وفي قلب سينا يا ولا ليلة حنّتنا

وفي فلسطين يا ولا هاتكون دخلتنا

 

وبتحليل مضمون كلمات الأغنية التي تحمل معانيَ كبيرة على بساطتها، نجد أنها تؤكد أن القضايا الكبرى للوطن لها الأولوية على الأمور الشخصية، خاصة في الأوقات الصعبة والمصيرية، وأن الصراع بيننا وبين الصهاينة هو صراع ممتد عبر الأجيال، وهو الأصل وليس أمرا مؤقتا أو طارئا، وأخذ الثأر واجب، وهو ثأر تاريخي لآلاف من آبائنا وأبنائنا وأحبّتنا وأطفالنا. ولعمق إيمان نساء الوطن بالقضية لا تقدّر مهورهن بالمال بل بعدد قتلى العدو على يد رجال الوطن، وأنه لا خيار أمامنا سوى النصر أو الشهادة، وأن الرجل الذي يكون محلّ فخر بلده وناسه.

والجدير بأن يكون حبيبا وزوجا تفخر به المرأة وتتمنّاه، هو الرجل الفدائي المجاهد للعدوّ، وإذا كانت ليلة الحنّة في سيناء فإن ليلة الدخلة في فلسطين، فالهدف الأسمى ليس تحرير سيناء ودحر المغتصب عنها، بل هو “فلسطين”، إذ لا يوجد افتراق أو فصل بين مصر وفلسطين، فالمصلحة واحدة والعدوّ واحد والجهاد مشترك، وفلسطين هي القضية الكبرى المحورية، وهي محلّ الفرحة الكبرى، وبدونها لا يمكن لعرس أن يكتمل ولا لفرح أن يتحقق.

إن الأمم لا تموت عقب الهزائم العسكرية، مهما كانت فادحة، ما دامت لم تُهزَم نفسيّا ولم تحرف بوصلتها عن أعدائها الحقيقيين، بينما يمكن لانتصار عسكري أن يُضيَّع ويفرَّغ من مضمونه، فينتهي إلى نتائج هي في صالح العدو لا في صالح أبطاله وصانعيه، وذلك حين تحلّ الهزيمة النفسية، وينحرف المسار.

مقالات ذات صلة

اترك رد