ثقافة

رسام الكاريكتير علاء اللقطة: كل ريشة فنانٍ لا تشير إلى القدس مشبوهة

رسامون عرب من "الصف الأول" مواقفهم مُخجِلة والمُقابل "رشوة مُقنّعة"

 

 هديل عطا الله-  فلسطين- مجلة ميم

 

 لا ترتجف أبداً ريشة علاء اللقطة ولا تتلكأ؛ بل يزداد لمعانها البديع يوماً بعد يوم وكلما رسمت أكثر عن “فلسطين” بؤرة الصراع؛ ولأجل صعود مراتب الحب فيها تتنافس كل خليةٍ في أصابعه؛ ألا يقال “وللناس فيما يعشقون مذاهبُ”؛ ففي كل مرةٍ يتفوق هذا الرجل على نفسه فكرةً ونتاجاً عبر مزجه الضحك بالمرارة؛ حتى أن المرء يعجب من أمره إذا ما قارنا حاله بحال رسامي الكاريكتير العرب ممن بلغت شهرتهم الآفاق؛ الذين ارتضوا لأنفسهم خذلان هبّة القدس الأخيرة؛ بدلاً من أن ترحل عيونهم إليها كل يوم؛ ليمسحوا الحزن عن المساجد.

هو طبيب التجميل الفلسطيني الذي يعيش حالياً في دولة البحرين؛ من مواليد مدينة غزة عام 1972م ؛ اختار العمل بشكلٍ جاد في “الفن الساخر” لا سيما بالشأن السياسي قبل أحد عشر عاماً؛ حتى صار ذائع الصيت ويرسم في عدد من الصحف والمواقع الفلسطينية و العربية الكبرى؛ مثل موقع الجزيرة نت؛ وصحيفة فلسطين اليومية؛ وموقع عربي 21،  وبات من الواضح أن رسوماته الجريئة بالنسبة للنظام الرسمي العربي تزعج بعض.

 

باهتةٌ ومنزوعة الدسم

مراسلة “مجلة ميم” تجاذبت أطراف الحديث مع الطبيب الرسام؛ حول مدى صحية العلاقة الراهنة بين الكاريكتير و”قضية القدس” لا سيما بعد خطاب الرئيس الأمريكي مؤخراً بشأنها؛ ونتطرق في الثنايا إلى تجربته؛ لتكون فاتحة الحوار على النحو التالي: “نشأت على حب القدس منذ أبصرت عيناي، إنها من أولى الكلمات التي تعلمت نطقها بعد “يابـــا ويمّـــا”؛ هي حديث العائلة فكل لمةٍ لا تخلو من ذكرها، وجدران البيت تحتضن صورة المسجد الأقصى، في المدرسة تعلمنا نشيدها، وفي مسجد الحي لم ينفك الخطباء والوعاظ عن ذكر قدسيتها ومآثرها مع ذكريات الآباء المُهجرين قسراً من بلداتهم المزروعة في وجداننا”.

يتذكر د. علاء نفسه حين كان في السادسة من عمره وخرج في رحلة يتيمة لفلسطين المحتلة ومدنها حتى صارت ذكرياتها أشبه بــ طيف؛ متحدثاً عن تلك المرحلة: “كانت المدارس والمساجد حلقة وصل بين الجيل الناشئ وبين القدس، تشد الرحال إلى ربوعها، وكأنها تعقد بيننا وبينها عهداً وميثاقاً بالرجوع إليها محررين في وقت يقدّره لنا الله وعسى أن يكون ذلك قريباً؛ وفي ذاكرتي قصيدة محفورة لا أملّ من تكرارها رغم أنني حفظتها في سن السادسة عشر مع انطلاق الانتفاضة الأولى بعنوان: (في القدس قد نطق الحجر)؛ مُرّوا على صحراء قلبي يورق الأمل تخْضرُّ تحت خطاكم الأرض وتشتعل؛ والخوف يرتحل؛ مرّوا فأصغركم هو البطل.. مروا خطاكم تحتها الينبوع يكتمل؛ في موتنا نصل.. والقدس يحميها لنا طفل.. والقدس أرض الأنبياء..والقدس حلم الشعراء.. والقدس خبز وقمر”.

(الرسم للقدس وعن القدس.. يشبه ماذا؟) يجيب عن تساؤلي بمزيج من التواضع والثقة: “حتماً له مذاق خاص، وإحساسٌ لا يُضاهى، أشعر حينها أنني أقف بريشتي مدافعاً عن آخر معاقل هذه الأمة، وأنني أبلغ بالدفاع عنها ذروة الأعمال ومنازل المجاهدين، وأروي شوقاً طال انتظاره وغلت مراجله، حتى فاضت النفس؛ ولعل خطوطاً صادقة عبر “الكاريكاتير” تروي شيئا من هذا الظمأ؛ لقد تربينا أن “القدس عنوان المعركة”، وهي “البوصلة” التي نقيس بها الانتماء وصحة الطريق، و كل بوصلة لا تشير إلى القدس مشبوهة”.

 

 

وبالإنتقال إلى إعلان ترامب الأخير؛ فقد أكد الرسام الفلسطيني أن هذا الحدث أسسّ لمرحلة جديدة في سلم أولوياته، جعلت من القدس قضية العمر التي لا ينبغي لأي حدث مهما بلغت أهميته أن يخطف الأنظار عنها؛ وفقاً لتعبيره، مضيفاً : “إنها المعركة الفاصلة بين الحق والباطل، بين الخير والشر، والتشبث بالقدس حتى الرمق الأخير هو سمة هذه المرحلة، فإما نصرٌ وتحرير للقدس أو نقضي دونها”.

لكن هل قدم رسامو الكاريكاتير العرب ما يليق بالقضية الكبرى بعد الهّبة الأخيرة..تساؤل طُرحناه على الطاولة؛ وبدوره بددّ أي حيرة تكتنفه؛ بالقول: “لدى الرسامين الكثير ليدافعوا به عن فلسطين والقدس، إنهم يمثلون المقاومة الناعمة التي تقضّ مضاجع الاحتلال وتفضح أساليبه وتفنّد مزاعمه وتكسب الرأي العام المحلي والعالمي لصالح قضيتنا، فهم يتكلمون بــ لغةٍ عالمية إنسانية بليغة ومؤثرة ذات شعبية عارمة.

 

 

لكن مما ابتلينا به أن هناك أنظمة دول عربية باركت خطوة ترامب ودعمتها في الخفاء، وهي جزء من المؤامرة على القدس لتصفية القضية لقاء تثبيت أركان حكمها، وهذه الأنظمة تمتلك مؤسسات إعلامية ضخمة يعمل بها مجموعة من أمهر فناني الكاريكاتير العرب؛ هؤلاء الفنانين فقدنا تأثيرهم في معركة القدس الأخيرة وجاءت أعمالهم باهتة منزوعة الدسم تتماشى مع صحفهم الرسمية المدعومة حكومياً؛ دون أن نغفل جهد فنانين عرب أبلوا بلاءًا حسناً في قضية القدس، وساهموا بشكل كبير في قيادة دفة العمل الإعلامي المؤثر والمناصر لها”.

وللمرة الثانية يكرر اللقطة وبنبرة حزمٍ تعلو:”كل ريشة فنان لا تشير إلى القدس مشبوهة”؛ مبدياً أسفه الشديد إزاء بعض رسامي الكاريكتير الأشهر من نار على علم؛ موضحاً مقصده: “هؤلاء انتصروا للشهرة على حساب المبدأ والرسالة؛ و لو قيمنّا موقفهم ورسوماتهم من هبّة القدس الأخيرة سنراها “مخجلة”؛ إنها معضلة كبيرة أن يركن فنان الكاريكاتير لوظيفة براتب كبير هو عبارة عن رشوة مقنعة”.

 

حبر يختلط بالدموع

يشتهي رسام الكاريكتير البارز أن يقضم من “كعك السميط” في القدس؛ مُغمساً إياه بالزعتر وزيت الزيتون؛ وكأن رائحة الكعك تصله من بعيد فيقول :”لو أردنا أن نحوز الدنيا وما فيها فلن تساوي مذاق إبريق شاي بــ”المرامية” مع فطورٍ كهذا في ساحة المسجد الأقصى”.

وعن الكاريكتير الذي شعر أثناء رسمه أنه يخرج من داخله؛ بعد إعلان ترامب؛ وفي الوقت نفسه لاقى إعجاباً كبيراً من متابعيه؛ قال: “لم يكن كاريكاتير واحد؛ بل عدة لوحات تناولت فيها الحدث من جوانب عدة لا تقل أهميتها عن بعض، ولعل كاريكاتير الشهيد المقعد إبراهيم أبو ثريا الذي لم تمنعه إعاقته “وله العذر” من الخروج لخطوط التماس والمواجهة مع الاحتلال دفاعاً عن القدس هو الذي أثر بي كثيراً وامتزج فيه حبري مع دموعي”.

ومن الرسومات التي أبدع فيها؛ واحدة للفتاة عهد التميمي وأخرى للفتى فوزي الجنيدي؛ يزيد في هذا السياق: “هما بالنسبة لي أيقونتان للمقاومة والصمود بل للبقاء على هذه الأرض، وكذلك الحال بالنسبة للمقدسيات اللاتي ترابطن في ساحات المسجد الأقصى والكنائس كما في بيت لحم هن أسطورة التحدي اللواتي نستقي منهن معاني العزة والكرامة”.

 

 

وفيما إذا كانت وسائل الإعلام التي يرسم لها تضع خطوطاً حمراء؛ كان واضحاً في تقييمه: “إنها تشبهني تماماً، اخترتها واختارتني لتقاطع الأفكار والمبادئ والرسالة الإعلامية فيما بيننا، وخصوصاً في قضية القدس؛ لا خطوط حمراء بل كل الأبواب مشرعة، وقد يستحثوني أحياناً لتغطية زاويةٍ ما غفلت عنها فيما يتعلق بالقدس”.

ولم يكن خطاب ترامب بالنسبة له صادماً؛ يتابع حديثه مع “ميم”: “قراءتي الدقيقة المتأنية بحكم عملي في مجال الصحافة جعلتني أتوقع هذه الخطوة، فكل الإرهاصات التي تمر بها منطقتنا توحي بذلك، والمناخ الإقليمي والعالمي مهيأ لهذه الخطوة، والتخاذل العربي الرسمي في أوج ذروته؛ بل إن أحد المواقع الشهيرة التي أعمل بها أخبرني قبل الإعلان بأسبوع عن موعد الإعلان باليوم والساعة وطلب مني الرسم من حينها عن القدس فقط”.

 

ويتمنى د.علاء كثيراً أن يمشي في شوارع المدينة العتيقة، و أن تتدحرج ريشته بين قبابها ومآذنها، ويلتقي بأهلها الصابرين الصامدين المحتسبين، الذين عرف بعضهم في الغربة، وصادق آخرين على شبكات التواصل؛ حسب إفادته؛ مستطرداً: “كأن الله صنعهم على عينه لمهمةٍ تشريفية سامية هم أهل لها؛ وودتُ لو كنت أحد المرابطين في ساحات الأقصى، أرسمه على أرض الواقع دون فواصل أو حواجز؛ أتمنى أن أقابل ذلك الرجل المقدسي الطاعن في السن الذي أبكاني كثيراً بعد منع المسلمين من الصلاة بالأقصى؛ فوقف عند أحد الحواجز وأخذ يؤذن بصوت ممزوج بالبكاء”.

 

 

أيقنت أني أوجعتهم

لا يُقيم د.علاء اللقطة في بلده؛ ما يعني أنه قد يكون عرضةً لمقص الرقيب العربي؛ يرد على استفسار وضعته بين هلالين؛ بشكلٍ مقتضب: “الأمر وارد و لم يخرج من حساباتي، لكن إيماني بقضيتي أكبر، ومعرفتي بمعالم الطريق الذي أسير فيه وعواقبه جعلتني أكثر إيماناً، إنها فلسطين والقدس ولا خيار غيرهما لدي؛ بتعبير آخر أنا مؤمن بفن الكاريكاتير واعتبره أحد دروب العبادة؛ فمكابدة الظلم ومحاربة الفساد عبادة في زماننا لا تقل اهمية عن الصلاة؛ وبما أن الشارع لم يعط العذر لتارك العبادة خوفاً على نفسه: ” إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مصيراً”؛ وقد مررت شخصياً بهذه التجربة وآثرت الهجرة من بلد تقمع الحريات إلى آخر يحفظها”.. وعلى يبدو أن في كلامه رسالة لا غموض فيها لكل رسام لديه ضمير حي إلا أن ريشته تتعلثم.

 

 

ويتعرض في الآونة الأخيرة إلى استهداف عبر تزوير بعض أعماله؛ وكذلك الإدعاء بأنه يتلقى مقابلاً مادياً من حركة حماس؛ وكلها حسب تأكيده استهداف ممن أطلق عليهم “وكلاء الاحتلال”؛ مكتفياً بهذا التعقيب: “من مدّ ريشته مجاهداً لا يمدّ يده متسولاً؛ ما يفعله هؤلاء أعطاني ثقة بصواب الطريق الذي أسلكه وعظم الرسالة التي أحملها؛ وأيقنتُ أنني أوجعتهم وأصبتُ فيهم مقتلاً؛ ما زادني إصراراً على المضي قدماً ومواصلة المسير”.

سؤال لم أكن لأفوته في حوار كهذا؛ “ماذا حين تخفت قضية القدس هل يتراجع تلقائيا منسوب اهتمام الكاريكتير بها؛ وكأنها معادلة ليس كما ينبغي لها.. أليس كذلك؟”؛ بشكلٍ موضوعي يتحدث حول هذه النقطة: “توقيت اعلان القدس عاصمة لــ (إسرائيل) جاء في ظل ظروفٍ محلية وإقليمية وعالمية مواتية جداً؛ الجماهير العربية محبطة جداً بعد فشل الربيع العربي الذي خلّف مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين والمهجرين وأعاد تدوير الدكتاتوريات بصورةٍ أبشع وتفتيت المجتمعات العربية؛ ناهيك عن الانقسام الفلسطيني الذي أنهكنا وكم الخيانة والتبعية لأمريكا والاحتلال؛ كل هذه العوامل برأيي أدت لخفوت الهبة جماهيرياً وبالتالي كاريكاتورياً؛ لكن دون أن تنطفئ وأعتقد أننا نعيش مرحلة مخاض قاسية ستسفر عن ولادة قريبة بإذن الله تقر بها عيوننا وتعيد لأمتنا مجدها وتعود القدس منارة لها”.

 

 

أما الشخصية التي تهيم حباً في الأقصى وحظي “ضيفنا” بشرف مقابلتها ويتمنى لو أن ذلك يتكرر مرات ومرات؛ لذا رسمها بشغفٍ شديد؛ فهو رئيس الحركة الإسلامية في الداخل المحتل؛ الشيخ رائد صلاح فك الله أسره؛ يتحدث عنه :”التقيته في رومانيا عام 1994 أتذكر جيداً روحه المغمورة بالأمل والثقة واليقين بنصر الله وتحرير الأقصى؛ وإني لم أجد هذه الروح في أحدٍ غيره”.

 

 

هذا الرسام صاحب الحس الفكاهي أحياناً يشرد مع الأسئلة؛ فيتساءل مثلاً عن شكل مشاعره إذا قدّر الله له فرصة للصلاة في المسجد الأقصى؛ يحاول أن يرسم المشهد بابتسامة: “حين أذهب إلى مكة استشعر مهابةً وضعها الله لبيته الحرام؛ حيث لا أتمالك نفسي من البكاء كلما رأيته، ليخاطب لساني رب العزة ويرجوه؛ ويخالجني شعورٌ غريب كلما وقفت أمام قبر النبي لأجد نفسي تلقائياً أحادثه وأطلب منه الشفاعة؛ أود كثيراً لو استطيع زيارة الاقصى لأرى ما ستقودني إليه روحي بعفويتها من أقوال وأفعال”.

وفي لفتة تقدير لــ مجلة ميم؛ قدم علاء اللقطة لها كاريكتيراً يشير إلى علاقة دولة تونس بقضية القدس؛ ليضع لمسة الختام:” قضية القدس حاضرة في قلوب الشعوب العربية والإسلامية جميعاً لا سيما دول المغرب العربي التي تحمل في جوانبها مشاعر جياشة قد تتفوق على الفلسطينيين أنفسهم في حب القدس وفلسطين؛ إنها جزء من عقيدتهم التي قد تضعف لكن لا تموت، ويخفت نورها لكن لا ينطفئ، ولدي إيمان راسخ أن مقدمة جيوش التحرير ستكون من “المغرب العربي” تماماً كما فعل صلاح الدين الأيوبي الذي انتدب في عهده فرقة من المغرب العربي لحراسة المسجد الأقصى؛ لما يتسموا به من قوة العزيمة ورباطة الجأش، وحسن الولاء، والشجاعة والإقدام، ولا يزال “باب المغاربة” أحد أبواب المسجد الأقصى شاهداً لهم بذلك”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد