الرئيسيثقافة

رحيل الفنانة الفرنسية فرانس غال: دمية الشمع ومشوار السعادة والعذاب

 

شهد سلامة _ مجلة ميم

كيف ترتعش الكلمات على شفاهنا عندما نود البوح بالعشق لمن نحب وما الذي يعترينا في تلك اللحظات التي ترتجف فيها أطرافنا ونحن  نخاتل اللغة؟

تلك هي  الصعوبة التي تغنيها فرانس غال والتي تراوح بينها وبين سهولة وليونة في ولادة النغم الذي يعبر عن العشق في أبهى تجلياته.

يقول الفرنسيون ان فرانس غال التي رحلت عن الدنيا هذه الايام عن سن 70 عاما ورحيلها ليس خسارة للفن الفرنسي فحسب وانما لكل عشاق الغناء الجميل ، هي “مدرسة رائعة في الفصاحة” وهي “مستشارة جيدة للعشاق”.

إنها تخاطب القلب مباشرة هكذا يقول محبو هذه الفنانة التي ولجت عالم الغناء في بداية الستينات  وهي القادمة من أسرة فنية بامتياز تشربت منها أولى شذرات العشق والصبوة للنغم.

وبشغف طفلة اندفعت بمنتهى الحيوية والانطلاق لتلتقي برموز الغناء الفرنسي وتنهل من تجاربهم الغنية أولئك الذين كانت تحلم بأن تكون مثلهم. وكان لها ما أرادت. فلم يمض الكثير من الوقت حتى باتت ملء السمع والبصر ليس في بلدها فحسب.

وبقدر ما ترسخت في ذهن الطفلة ايزابيل وهو اسمها الحقيقي صور الفنانين الذين كانوا يتوافدون على منزل اسرتها وبقدر ما اختزلت مخيلتها كواليس الاولمبيا التي كانت تركض في ردهاتها طفلة ترافق والدها بقدرما كان عشقها فذا ولا متناهيا للتعبير عن الذات بالغناء الذي اسهمت فيه كل العوامل لتكبر الموهبة وتصقل .

ولعل اولى ملامح الشهرة بدأت بتخليها مضطرة عن اسمها الذي تحبه لدواعي فنية وحتى لا يحدث بينها وبين الفنانة الشهيرة في ذاك الزمن ايزابيل اوبريه أي خلط اقترح ان يصبح اسمها فرانس وهو ما لم تتأقلم معه كما ينبغي ومع ذلك شقت طريقها الى قلوب الناس بهذا الاسم الذي اقلعت به عاليا وبعيدا.

 

 

“كنت دائما ضد فرانس أجده صعبا  ايزابيل يناسبني ويعجبني أكثر ولا ادري ما الذي حدث حتى شرعت في حب اسمي والآن فرانس غال هو انا حقا ” .

بهذه الكلمات وصفت الفنانة الشهيرة رحلتها مع الاسم الذي سيسم مشوارها ويكون علامة مجدها التي صنعت باقلام مبدعي الاغنية فرنسية الذين قدموا لها عصارة افكارهم وهو الذين كانوا يشكلون ولازالوا تراث الغناء الفرنكفوني الذي حمل اللغة والفكرة الى العالم.

وكانت هذه المرأة الطفلة التي لم تغادر عالمها السحري ربما حتى رحيلها الاخير صوتا معبرا عن تصور واحلام ورؤى جيل الستينات حتى وصفت بلوليتا الفرنسية.

 

 

ولعل الأغنية التي كانت من وحيها وبإلهامها والتي كتبها سارج غنسبور والتي استوحاها من حوار مطول أجرته  معها مجلة “مادموازال” وتصدرت صورتها الغلاف كانت فعلا نشيدها الرسمي الذي سيصبح علامة دالة عليها إنها أغنية ” دمية الشمع  دمية الصوت”.

ومن هذا النغم الذي نعتت به تجاوزت الحدود ليصبح صوتها معشوقا في عديد البلدان التي تصدرت فيها نسب الاستماع على غرار المانيا واسبانيا والنرويج والدنمارك واليابان وتركيا والارجنتين والشيلي وسنغافورة والنمسا وهولندا وفنلندا والسويد الى جانب فرنسا طبعا.

 

 

وكانت الجوائز والتتويجات في انتظار دمية الشمع لكن سعادتها لم تكتمل وضمخت بالدموع ففي اوج انتشائها بالنجاح كان حبيبها الفنان الشهير كلود فرنسوا ينعي اليها نهاية قصة عشقهما المستحيل وهو ما جعل قلبها الصغير يدخل في حداد رغم كل معالم البهجة التي كانت تحيط بها.

ولأن زواجه حال دون ارتباطهما وعجل بنهاية الحب فقد خلد الفنان الكبير هذه القصة في رائعة ” كالعادة ” في حين انكفأت فرانس على جرحها وواصلت مشوارها الفني بأغاني ناجحة على غرار ” طفلة “.

غير ان لقاءها بالفنان الكبير ميشيل برجيه عام 1973 كان منعطفا في حياتها الفنية والشخصية وهو الذي تزوجته بعد ثلاث سنوات ومنه أنجبت طفلين وقبيلة من الأغنيات.

 

مع ميشيل بورجيه

 

ومن اجمل ما ابدعت في هذه المرحلة اغنية اعلان حب التي كانت منطلقا لقائمة طويلا من النجاحات.

وعن ميشال برجيه تقول ” لقد غير وجودي حياتي لقد أراحني ” اما النقاد والمتابعون فقد قالوا ان دخلوله حياتها الغى تماما فرانس غال التي كانت في مرحلة الستينات واعلن عن ولادة فنانة اخرى اكثر نضجا وهدوءا وراحة واتزانا وعرفت في فترة السبعينات توهجا ومجدا غير مسبوق من خلال المسارح التي اعتلتها والاغاني التي انشدتها والثراء الذي وسم تجربتها.

ومع بداية الثمانينات دشنت فرانس غال مرحلة جديدة ومختلفة من حياتها وهي تجربة الاعمال الخيرية والانسانية التي عرفت بها في هذه الفترة وستتواصل اعمالها في هذا الصدد.

والتحقت في هذه المرحلة بمغنين بلا حدود من اجل الاعمال الانسانية في مختلف انحاء العالم واعتلت المسارح من اجل الفقراء والبؤساء والمعذبين فغنت من اجل  اطفال مالي وبلدان إفريقيا عموما .

غال مع كلود فرانسوا

 

وفي اواخر الثمانينات بدأت قرار الاعتزال يراودها ولكنها كانت تراه مرتبطا بعشق عمرها ميشال برجيه الذي ارتبط مشواره ومساره بها وكانت تعتبر يوم اعتزالها سيكون موجعا حقا ولكنها تحلم بالرحيل في أوج تألقها.

ويتعرف حكاية فرانس غال ذروة التأزم التراجيدي مع بداية التسعينات التي كانت المنعرج الاخطر والاصعب على الطفلة التي كبرت.

ففي أوج نجاحهما معا عرف الزوجان توترات قادت الى الخيانة التي صدمت قلب فرانس ومزقت شيئا جميلا جمعها عقدين من الزمن مع برجيه وبلغت الصدمة اوجها مع وفاته الفجائية  على اثر نوبة قلبية عام 1992 وكانت التأثير عميقا في نفسها وتلاه مرضها الذي تعالجت منه بنجاح قبل ان تفجع في ابنتها.

وبدأت النجمة بالاختفاء تدريجيا متأثرة بكم الوجع الذي عاشته وكان اخر ظهور لها على المسرح عام 2000 في الاولمبيا مع جوني هوليداي. واثر ذلك ابتعدت نهائيا عن الاضواء والمسارح ورغم تداول اخبار عن امكانية عودتها بعمل فني لتخليد تراث ميشال برجيه وهو مشروع لم يكتمل خاصة بعد ان عاد اليها المرض عام 2015.

 

في حفل مع جوني هاليداي

 

ورغم ظهور محتشم في بداية 2017 الا انها عادت الى اختفائها ولم تتمكن من حضور جنازة جوني هوليداي الذي رحل يوم 9 ديسمبر 2017 ولم تمض اسابيع حتى اغمضت عينيها الى الابد وهي التي قالت ذات يوم عن الغناء:

أن نغني ليس فقط ان نتنفس الهواء ونستشعر الكلمات والنغمات، إنه العطاء، الانغماس، التعبير “.

مقالات ذات صلة

اترك رد