ثقافة

الفنان العراقي عمر العاني: رسم الحرف العربي من أعظم فنون التشكيل دقة في العالم

القاهرة- محسن حسن- مجلة "ميم"

 

الخط العربي، أحد مظاهر الحضارة العربية، وعلامة بارزة من علامات التاريخ الإسلامي؛ فمن خلاله عرف العالم حروف العربية ولغة الضاد، ومضامين المعاني القرآنية الرفيعة، وبه احتلت فنون التشكيل العربي والإسلامي مكانة متميزة بين فنون العالم المشابهة. وكان الخط العربي شاهداً على عصور التقدم العلمي والحضاري لشعوب وقبائل العرب المتواترة في بواكير النهضة العربية والإسلامية، بل كان أحد مظاهر هذه النهضة الفريدة في وقتها وزمانها. وفي عالمنا المعاصر تشهد اللغة العربية تراجعاً كبيراً في فنونها ومفرداتها الجمالية، ومنها الخط العربي، خاصة بين شباب وفتيات الجيل الصاعد والناشيء من المتحدثين بهذه اللغة المتفردة.

لذا يعد فنانو الخط العربي ثروة فنية وجمالية وتراثية يجب الاهتمام بها والتعبير عنها بشتى الطرق والوسائل. والفنان”عمر أسعد العاني” ابن مدينة”الرمادي” العراقية، أحد الممثلين لتلك الثروة الفنية والجمالية، وأحد المحلقين بالحرف العربي في بلاد المهجر البعيدة، وبالتحديد في”السويد” والذي يؤكد أن رسم الحرف العربي، أو ما يعرف بـ”فن الخط العربي” هو من أدق الفنون التي عرفتها البشرية حتى الآن، من حيث ضبط مسافاته وأبعاده وبنائه الهندسي، إلى الدرجة التي تحدد فيها مهارة الفنان التشكيلي والخطاط بمدى حرصه على تجنب أي انحرافات ولو بسيطة جداً في رسمه للخط والحرف العربي، وهو في رأيه ما لا يتصف أو يتوافر في أي فن من فنون العالم الأخرى..

مجلة “ميم” تواصلت مع الفنان المغترب وأجرت معه هذا الحوار:

 

بداية ما سر انجذابك لفن الخط العربي على وجه التحديد؟ وهل لهذا مناسبة خاصة؟

الخط العربي هويتنا وثقافتنا، هو الفن السهل الممتنع، الحروف بجمالها وتجريدها وكلماتها المتصلة والمنفصلة تتعشق مع الروح وتخاطب الخيال، جذبني فيها مرونتها وحدتها وتناغم الحبر الأسود مع بياض الورق، أنظر إلى الحروف كأنها أشخاص تتنفس ولها إحساس مرهف لم أجده في أي لغة، أما المناسبة فهي تشجيع الأهل منذ نعومة أظفاري، كانوا يبدون إعجابهم بكل ما تخطه يدي رغم بساطته.

الفنان العراقي عمر العاني

من هم رواد هذا الفن الذي اقتديت بهم وتعلمت على يديهم؟

 ـ الخط العربي غني برواده ومعاصريه، وطبعا من الذين يشار إليهم بالبنان وهم قادة الفن العربي من الخطاطين العراقيين المرحوم هاشم محمد البغدادي، يوسف ذنون، مهدي الجبوري، صادق الدوري، صلاح شيرزاد، محمد عزت كركوكلي، الحاج خليل الزهاوي، عباس البغدادي، ومثنى العبيدي، أما من غير العرب فهناك حامد الآمدي والخطاط سامي.

 

 

وكيف كانت رحلة التعلم والاقتداء؟

ـ التعلم كان على مراحل عدة، عندما كنت أبلغ الرابعة عشرة من عمري عملت في مكتب صغير لخطاط كبير هو أب لكل من مسك القصبة في مدينة الرمادي، مسقط رأسي، وهو الخطاط عماد عزيز، زرع حب الخط والألوان وسقى هذه البذرة بإرشاداته ومتابعته. ثم واصلت دراستي الأكاديمية في معهد الفنون الجميلة قسم الخط والزخرفة في بغداد. وهنا التقيت بأساتذة الخط العربي والزخرفة منهم الأستاذ صادق الدوري والأستاذ حيدر ربيع الذي كان يحث على تطوير اللوحة وإبراز الحرف العربي بطريقة مفعمة بالألوان.. وهكذا كانت الانطلاقة!!

 

ما أهم المراحل التي تمر بها لوحات الخط العربي؟ وهل هناك صعوبات خاصة في هذا الإطار؟

ـ كانت لوحات الخط العربي عبارة عن نصوص مسطرة وبعدها أصبحت تأخذ أشكالا هندسية معينة وبعدها صارت تحاكي الرسم فتأخذ أشكالاً مجسدة بصور أشخاص، طيور، حيوانات ونباتات. واليوم بدأت تأخذ لوحات الخط العربي التصميمية مساراً آخر من الإبداع الحديث، دخلت الألوان واستخدم الحرف دون نص محافظا على قواعده وجماله وأناقته.

 

ما نوع الخط المفضل لديك في التصميم؟ وهل تستخدم برامج الحاسب في إنجاز بعض التصاميم؟

ـ جميع أنواع الخط العربي مفضلة لدى ولكل خط طريقة معينة يستخدم فيها ليظهر بصورة أنيقة، وفي أعمالي أستخدم خط الثلث والخط الديواني، لهما سحر على الخطاط والمشاهد. وطبعاً أستخدم برامج الحاسوب، اليوم نحن نتعامل مع التقنيات الحديثة وعلينا مواكبة هذا التطور مع الحفاظ والتمسك بقواعد الخط العربي.

ما اللوحة التي تعتبرها مميزة بشكل خاص في لوحاتك؟

ـ لوحاتي أشبهها جميعاً بأولادي، كلهم يحظون بنفس القدر من الحب والاهتمام، وهناك أعمال كانت تنفذ لمناسبة أو لحدث معين، وهذه تكون في المقدمة دوما.

 

لماذا تهتم برصد أبيات الشعر العربي عبر خطوطك؟

ـ أجمل ما يفسر أعمالي ويشرحها هي أبيات الشعر العربي، أعمالي تحاكي وتجاري الشعر؛ ولو تأملت لوحاتي تجدها تختزل أبياتا شعرية. ولا بد من الإشارة إلى اهتمامي باستخدام نصوص وآيات من القرآن الكريم في أعمالي الخطية، فالقرآن هو أصل الحرف العربي وآياته مشاهد تصويرية.

 

 

كيف يستقبل المتلقي الغربي لوحاتك وخطوطك؟ وكيف تقارن بينه وبينه المتلقي العربي؟

ـ أعتقد أن المتلقي الغربي لديه الرغبة والفضول للتعرف ومشاهدة فن الخط العربي ، كان لي لقاء مع فنان تشكيلي سويدي من مدينة گوتلاند السويدية هو الفنان Henry Fardelin, konstnär زرته في ورشة عمله وتبادلنا أطراف الحديث الذي انتهى بأني قمت بكتابة اسمه بحروف عربية، وأبدى انبهاراً بطريقة ترابط الحروف ممتزجة مع بعضها ومرونة الحركة في الكتابة، وكان مسروراً لهذه الهدية. وهذا استنتاج بأن المتلقي الغربي والعربي يستقبلان العمل الفني وينظران له بنفس الجمالية للحرف واللون، خاصة كوني أخط حروفي بهيئة أشكال مصورة.

برأيك كيف يمكن توظيف الخط العربي في التعريف بالهوية العربية وقضايا الأمة؟

ـ أعترف بصراحة بوجود تقصير في توظيف الحرف للتعريف بهوية الأمة، نلاحظ معارضنا اليوم في البلاد العربية تعج بالفنون الغربية التجريدية والسريالية إلخ… وفِي الغرب لا تجد دعما للحرف العربي، هناك فقط جهود بسيطة، وكما ذكرت سابقا، يجب أن نعرف قيمة ما نحمل من جواهر نفيسة لنحسّن تعريف العالم الغربي بثقافتنا العربية عن طريق إقامة معارض ومؤتمرات تهتم بخصوصية الخط العربي وإنشاء مراكز لتعليم الخط العربي والزخرفة الإسلامية، وهذا أقل ما يمكن تقديمه للتعريف بهويتنا!

ما نصيب العراق في لوحاتك وخطوطك؟ وهل هناك لوحات قادمة ذات مضامين عراقية خالصة؟

ـ أدعم الحرف العربي الذي يمثل هوية العراق والدول العربية والإسلامية، أما عن نصيب العراق في لوحاتي، فلدي بعض الأعمال التشكيلية مثلت فيها بغداد.

ما مدى رضاك عن الاهتمام العربي والإسلامي بفن الخط العربي؟

ـ بفضل الله يزخر العالم العربي والإسلامي بالمبدعين من الخطاطين، وتتوارث الأجيال هذا الإرث العظيم وكل يوم يخرج عمل جديد بإبداع جديد.

كيف يمكننا برأيك إخراج أجيال متتابعة من الخطاطين الماهرين عربياً؟ وما دورك على المستوى الشخصي في هذا الإطار؟

ـ هناك عدة نقاط مهمة للخروج بجيل مبدع يحملون هذا الفن، منها تفعيل مادة الخط العربي في المدارس بإنشاء كراسات للخط العربي وتعيين أساتذة مختصين بالخط العربي، مع توفير مستلزمات الخط العربي من القصب والحبر والورق، إقامة نشاطات ودورات للخط العربي في مراكز الشباب ومحاضرات تثقيفية للتعريف بأهمية هذا الفن المرتبط بثقافتنا العربية والإسلامية، وإقامة مهرجانات ومسابقات قيمة للخطاطين الشباب وكل هذا يكون بإشراف مختصين مخلصين لنرتقي بهذا الفن ولخلق جيل من الخطاطين المبدعين. وعن دوري الشخصي كوني مغترب في المهجر لدي مشاريع قيد الدراسة لإقامة دورات لتعليم الخط العربي للفئة الشبابية من العرب والأجانب، ورغم صعوبة الإمكانيات علينا مواصلة السعي والتوفيق من الله عز وجل.

من وجهة نظرك هل يمكن المزج بين الثقافة العربية والثقافات الأخرى من خلال لوحات الخط العربي؟ وكيف؟

ـ عندما ننظرللثقافات المختلفة، نجد أنها خطوط ملونة؛ إذا اجتمعت نحصل على لوحة متكاملة في جماليتها، وما يصلنا من أناقة الإبداع هو نتاج تلاقح الثقافات، والثقافة العربية، رغم غناها الوافر، تزداد جمالاً وتميزاً عندما تتداخل وتمتزج بالثقافات الأخرى.

 

لديك حرفة الحفر على الزجاج.. فهل هناك ارتباط ما بين هذه الحرفة وعملك بمجال الخطوط؟

ـ درست الخط العربي قبل ممارسة حرفة الحفر على الزجاج، وحرفتي هي نتاج دراستي الأكاديمية، ولدى أعمال شاركت من خلالها في عدة معارض تجسد الخط العربي في لوحات على الزجاج.

 

من أين تستلهم خطوطك ومضامين لوحاتك؟ وإلى أي حد يكون للمؤثرات المحيطة بك دور في هذا؟

ـ أعمالي ولوحاتي الفنية مستلهمة من حدث معين أو من قراءتي لموضوع يكون له وقعا في نفسي ويؤثر بداخلي الإنساني، وأحيانا أستلهم من أعمال فنية، ولكن في أغلب الأحيان أعتمد الفانتازيا والخيال.

 

ما الذي يحتاجه الخطاط العربي لتنمية مهاراته وتقنياته في الإبداع الفني عبر الريشة والخط؟

ـ كل خطاط يحتاج إلى البحث والدراسة والتغذية البصرية بمشاهدة لوحات لعمالقة الخط العربي ودراسة الألوان ومتابعة التطور من الناحية التكنولوجية، اليوم الخط ليس حبرا وورقا، أصبح المجال أكثر اتساعا من ذي قبل.

 

كيف تقيم تجربتك في نقل الخطوط من اللوحات إلى الملابس عبر التعاون مع فرقة طيور دجلة بالسويد؟ وهل تنوي تكرارها؟

ـ تجربتي مع فرقة طيور دجلة بنقل الحرف من اللوحة إلى الملابس تجربة أكثر من ناجحة، بل فاقت توقعاتي، وخلقت لي أفكارا عدة، وإذا سنحت لي فرصة أخرى لتكرار التجربة، ستكون نسبة نجاحها أكبر من سابقتها إن شاء الله.

 

هل تفكر في إصدار كتاب لخطوطك ولوحاتك؟ وماذا عن التفكير في إنشاء مدرسة للخط العربي بالسويد؟

ـ بالتأكيد على المدى البعيد وليس في الوقت الحالي، كوني في بداية البحث والتعلم، وبالفعل أسعى لإنشاء جمعية للخط العربي والزخرفة الإسلامية في الدول الاسكندنافية، بحيث يكون أحد أهدافها تعليم الخط العربي بإقامة دورات ومحاضرات تثقيفية في هذا المجال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد