ثقافة

رواية صورة وأيقونة وعهد قديم لسحر خليفة: مدينة الأنبياء بوعي نسوي فلسطيني

من يرثي القدس في هذا الزمن العربي الرديء؟

 

شهد سلامة- مجلة ميم

هل هي رواية ضياع فلسطين  أم لعلها رواية الرثاء والبكاء على الأطلال كما الشعر الجاهلي؟

هذا السؤال المركزي يقفز من بين كل سطر من رواية صورة وأيقونة وعهد قديم للكاتبة الفلسطينية سحر خليفة. وهي  من أهم الأعمال السردية العربية  التي صدرت في الألفية الجديدة.

وكما في مجمل روايات سحر خليفة نتابع تشكل الوعي الأنثوي وتقاطعه مع الوعي السياسي إذ يلتقي نضال المرأة الفلسطينية المقاومة الصامدة في وجه الاحتلال مع المحنة الكبرى التي يعيشها الوطن ويصبح بالتالي نضالها جزءا لا يمكن فصله  عن مسار حركة التحرر الفلسطيني عموما.

تنفتح الرواية بقصة حب بين عاشقين يجمعهما رباط القلب ويفرق بينهما اختلاف الديانات. لكن هذا النص الذي يشبه العشق في بهائه وهشاشته وليونته مفعم بالرموز والدلالات العميقة وهو نص مكتظ بالمعاني  ولذلك يتجاوز المألوف والاعتيادي في هذه الحكاية كسلطة العادات والتقاليد والقهر الصهيوني الذي يعيشه الفلسطينيون وينزاح الى حقول دلالية اشمل وأكثر اتساعا وقابلية للتأويل.

فالشخوص والأمكنة التي صاغتها سحر خليفة حمالة معاني ورموز يحضر فيها الموروث والمقدس.

فالبطلة التي اختارت لها الكاتبة اسم مريم بكل ما يختزله هذا الاسم من إيحاءات دينية وحضارية وثقافية وهي المسيحية التي أحبها إبراهيم المسلم وهو اسم مثقل أيضا بالرموز وتدور الذكريات التي يستحضرها البطل وهو في الشتات في مدينة الأنبياء القدس تلك الأيقونة التي عانت ويلات الحروب والمحن طوال تاريخها.

وتلتبس مريم الأنثى بالقدس فتصبح إحالة مباشرة عن المدينة المقدسة وتختفي قصة الحب التي كانت منطلق الأحداث التي تدور قبل نكسة 1967 ثم يصبح بيت المقدس محور الوقائع  وقطبها وتصبح الرواية مجرد مرثية كتبت على بحر القلب وصاغها قلم أنثوي يبكي المدينة التي هجرها الأنبياء الجدد  ولم تعد بوصلة العرب تتجه إليها، خاصة بعد التحولات التي عاشتها المجتمعات العربية مع بروز النفط في الخليج الذي بات وجهة الجميع سعيا وراء بريق الثراء.

وتحاول سحر خليفة ان تطرح أسئلة وجودية خارج بوتقة السياسة التي حاصرت الفلسطينيين طوال تاريخهم. فعبر قصة الحب المستحيل والعلاقات الإنسانية المطبوعة بالخيبة تقول الكاتبة شيئا عن الموقف الفلسطيني المعقد والشائك في ظل واقع مأزوم.

وإذا كانت قصة الحب تدور في الستينات، فإن زمن الرواية وهو استذكار تلك الحالة العشقية الحالمة واستحضار المدينة الضائعة يتم في زمن يسكنه السقوط والهوان لأنه يدور في مرحلة أوسلو وحدودها وتزامنها مع تنامي الغطرسة الصهيونية.

وهنا أوجدت الكاتبة مفارقة بين زمن العشق المفعم بالحلم والمستلهم من زمن النبوءات والمعجزات وبين الراهن وهو زمن مريض تجلله الأكاذيب وموسوم بالهوان العربي.

ومن الرواية نقتطف كلمات تعبر عن هذا السياق فتقول الكاتبة ” كان الغضب يملأ صدري بالشك والحزن والمرارة  لأن الامر اكبر مني … لم استطع استيعاب كيف وصلنا الى هذا الدرك …. سنين وسنين ونحن نعمل من اجل الشعب والقضية ومن اجل الثورة والتغيير ونعود الآن لنجد هذا … كم من أرواح خسرنا وكم من معارك قاتلنا في سبيل البعض والقضية  ويجيء الآن هذا الدجال ليعيد الناس إلى الماضي وظلام الكهف”.

وتعد تجربة سحر خليفة من التجارب الثرية جدا فقد اغنت المدونة السردية العربية بعديد الروايات وراوحت في منجزها الابداعي بين مسارين مختلفين الاول هو مسار الرواية النسوية التي تجسدت في روايات لم نعد جواري لكم التي كانت باكورة اعمالها وصدرت عام 1974 ثم مذكرات امرأة غير واقعية التي صدرت في اواسط الثمانينات.

اما المسار الثاني فهو متصل بالقضية الفلسطينية أي بأدب المقاومة وتندرج في هذا الباب روايات الميراث والصبار وعباد الشمس والساحة.

لكن تيمة الوطن والانثى كثيرا ما تداخلتا في عديد الاعمال وتعتبر رواية صورة وايقونة وعهد قديم ذروة هذا التقاطع وابرز تجلياته فمواجهة المحتل تتداخل مع مواجهة الهيمنة الذكورية بمختلف تمظهراتها.

وهي تذهب بعيدا في هذا الصدد لتؤكد ان تحرر الوطن من الاحتلال الغاشم لا يكتمل الا بتحرر المرأة من القيود المفروضة عليها وخاصة وصاية الرجل عليها.

وقد نالت رواية صورة وايقونة وعهد قديم  الصادرة عام 2002 عديد الجوائز والتكريمات من بينها جائزة نجيب محفوظ واعتبرت لجنة التحكيم انها ” رواية الضياع بامتياز ورواية الطاقة السردية العالية إذ تستدعي فيها سحر خليفة فضاء غائبا إنها مثل شعر الجاهلية تبدأ بالبكاء على الأطلال لتخوض في نضال الفلسطينيين حاليا…” .

وللكتابة مفهوم خاص لدى سحر خليفة وهي ترى ان ” الأدب ليس حلية نعلقها في صدر البيت و”شكلة” على الرأس بل إحساس أعمق مجبول بالتراب بالشوارع بهموم الناس برصاص المحتل والمدافع بالضحايا ودم الثوار. وأيضا بالحب والتمني وحنين القلب وجمال الروح والتصدر للكآبة بأجنحة الحلم والأدب ليس نزهة بل جهد وأجنحة ومرايا وعتاب دائم للذات وسماء ماطرة وقذائف ومآذن في ارض ما عرفت إلا الدم”.

وعن موضوع روايتها صورة وايقونة وعهد قديم تقول سحر خليفة ” هي رواية ضياع القدس احاول ان ” اكمش” فيها اجواء هذه المدينة بحثا عن طريق وعن اجابة:

من يرثي القدس في هذا الزمن العربي الرديء؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.