سياسة

تونس: الفصل 39 من قانون الماليّة يفجّر أزمة ويورّط المعارضة

أنس الخالدي- مجلّة “ميم”
منذ مطلع خريف سنة 2017 المنقضية، إنطلق النقاش تونسيّا حول بعض بنود قانون المالية لسنة 2018 قبل أن تشرع لجنة الماليّة في مناقشة مقترح مشروع القانون الحكومي، وذلك بعد اعتراض أصحاب المهن الحرّة وبعض الهياكل المهنيّة والنقابية على بعض التوجهات والبنود التي طفت على السطح حينها، نقاش تحوّل إلى جدل وتخوّفات في ظلّ الوضعيّة الاقتصاديّة الصعبة التي تمر بها البلاد في السنوات الأخيرة، وفي ظلّ الضريبة الباهظة لتراكمات سنوات من الفساد والاستبداد من جهة وتأخر الإصلاحات من جهة ثانية، بسبب الضربات الإرهابية والهزات السياسية التي عرفتها البلاد في السنوات السبع التي تلهت الثورة وهروب الطاغية زين العابدينبن علي من البلاد.
يوم 7 ديسمبر 2017، في الوقت الذي كانت فيه الشوارع التونسيّة تعجّ بالمحتجّين على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن القدس، مرّرت الجلسة العامّة المنعقدة بمجلس نواب الشعب فصولا مهمة من قانون المالية الجديد على التصويت وصادقت عليها في صيغ أصلية أو معدّلة ومن بينها الفصل 39 الذي يتعلّق بالترفيع بنقطة في القيمة المضافة بما ينعكس بشكل مباشر على الأسعار ويؤدّي إلى إرتفاعها.
صادق مجلس نواب الشعب على الفصل 39 بصيغته التي قدّمتها الحكومة وسقط التعديل الذي تم اقتراحه صلب لجنة المالية، وصادق بعدها المجلس على بقية الفصول ثم على قانون المالية برمّته، قانون تسبّب في ارتفاع الأسعار منذ الأيام الأولى لشهر جانفي 2018 ليتسبّب في اندلاع موجة من الاحتجاجات سرعان ما تحوّلت إلى مواجهات وأعمال عنف وحرق ونهب للممتلكات العامة والخاصّة.
نواب الجبهة الشعبية عبد المؤمن بلعانس ومباركة البراهمي في مقدمة مظاهرة ضد قانون المالية بعد أن صوّتت لاعتماده كتلتهم
أمام ارتفاع وتيرة الاحتجاجات وخطاب التحريض الساعي لتوظيف التحركات لغايات أخرى مختلفة عن المطلبية الاجتماعيّة تستهدف أساسا إسقاط النظام وضرب التجربة الناشئة، أعلنت الجبهة الشعبية المعارضة وقوفها وراء الاحتجاجات، ودعت إلى التصعيد، في حين حذّرت أطراف أخرى من بينها الاتحاد العام التونسي للشغل من الفوضى ومن محاولات الانقلاب على المسار السياسي أو تشويه النضالات الاجتماعية السلمية ومطالبها المشروعة بأعمال إجراميّة.
الجدل عاد مجدّدا إلى رحاب مجلس نواب الشعب يوم الثلاثاء 9 جانفي 2018 ليشهد نقاشا حاميا بين النواب بعد ليلة ساخنة شهدتها عدد من محافظات البلاد، وفي الجلسة علت الأصوات مخاطبة عاطفة المحتجّين مطالبة بالتصعيد ومحمّلة المسؤوليّة للائتلاف الحكومي الذي وجّهت إليه شتّى التهم والنعوت وتحدّث البعض على غرار النائب عدنان الحاجي عن “سفك الدماء” في مداخلة لاقت شجبا واسعا من المتابعين.
النائب عن حركة النهضة وعضو لجنة المالية محمّد بن سالم فضح في مداخلة بمجلس النواب، أصحاب الخطاب التحريضي لبعض نوّاب المعارضة من كتلتي الجبهة الشعبيّة والاجتماعيّة الديمقراطيّة، وكشف بن سالم ازدواجية خطاب نواب الجبهة وزيف الاتهامات الموجّهة لحركته بالوقوف وراء الزيادات وبالتسبّب في موجة الاحتجاجات الأخيرة.
النائب محمد بن سالم تحدّث في مداخلة مقتضبة بثلاث دقائق عن تفاصيل التصويت على الفصل 39 من قانون المالية لسنة 2018 والذي تسبب في ارتفاع الأسعار، وكشف أنّه النائب الوحيد الذي قدّم مقترحا صلب لجنة المالية للتراجع عن الزيادة في القيمة المضافة بنقطة، غير أن وزير المالية اعترض على ذلك في الجلسة العامة، وتمّ تمرير الفصل المذكور بصيغته الحكوميّة الأولى بتصويت 93 نائبا لصالح الصيغة واحتفاظ ثلاثة نواب واعتراض نائب وحيد، في غياب نوّاب حركة النهضة من الجلسة العامة، بعد انسحابهم اعتراضا على تعرّض عضو الحكومة إياد الدهماني للعنف في بهو المجلس من طرف نائب الجبهة الشعبية ورئيس لجنة المالية منجي الرحوي.
النائب عن حركة النهضة محمد بن سالم فضح ازدواجية نواب المعارضة في جلسة 09/01/2018
مداخلة النائب محمد بن سالم لم تكتف بالإتيان على تفاصيل التصويت على الفصل 39 المتعلّق بالترفيع في القيمة المضافة فحسب، بل كشف فيها أيضا أن من يدعون لتصعيد الاحتجاجات الاجتماعيّة بسبب مسّ الزيادات في الأسعار من المقدرة الشرائية للتونسيين، هم أنفسهم من دافعوا بشراسة وصوّتوا لصالح التخفيض في الضريبة على اليخوت ضمن نفس القانون.
الجلسة العامّة المنعقدة بالبرلمان التونسي يوم الثلاثاء 9 جانفي 2018 أماطت اللّثام عن بعض التقاطعات بخصوص الأحداث التي تشهدها محافظات البلاد في الأيام الأخيرة من تصاعد لوتيرة الاحتجاجات. فقد كشفت النقاشات والمداخلات عن استثمار واضح في الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة من بعض الأطراف التي ساهمت في الوصول إلى الوضع الراهن بشكل أو بآخر، ولكنها مثّلت منعطفا مهمّا في فهم ما يجري من أحداث لدى فئة واسعة من المتابعين الذين باتوا على وعي عميق بوجود مخطّطات إرباك واضحة للبلاد ولتجربتها الناشئة تتقاطع فيها بعض الأطراف الداخلية مع أجندات إقليميّة معادية للديمقراطية وللثورات.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد