مجتمعالرئيسي

المرأة اليمنية: غائبة عن العيون حاضرة في قلب العاصفة

بقلم: أحلام مصطفى

تحتفل اليمن في نهاية شهر نوفمر، كل عام، بذكرى الاستقلال والتخلص من الاحتلال البريطاني عام 1967، والذي دام لما يقرب من 129 عاماً. وكان هذا الانسحاب البريطاني نتيجة للمقاومة المستمرة التي واجهتها قواته من قبل الشعب اليمني بمُختلف فئاته.

ولكن ماذا نعرف نحن عن دور المرأة اليمنية في هذا النضال وفي وضع نهاية للاحتلال البريطاني؟ وماذا نعرف اليوم عن اليمن الثائر سوى جائزة نوبل للسلام التي حصلت عليها توكّل كرمان؟

إن المرأة اليمنية لطالما غابت خلف أستار من النظم المجتمعية وتقاليد الخطاب العام التي تستثنيها من الذكر ولا تلتفت لدورها المحوري في الأزمات التي تعرض لها اليمن عبر السنوات.

 

توكل كرمان

 

تتحدث السجلات البحثية عن دور المرأة اليمنية في إيواء الفدائيين والمقاومين رغم المخاطر التي كانت تعتري ذلك نتيجة للتعاون مع كل من يناهض الاحتلال. أضف إلى ذلك مشاركتها في المقاومة غير المسلحة من خلال المسيرات والاعتصامات والإضرابات التي ساهمت في زعزعة سلطة الاحتلال ونفوذه. وقد ألحقت هذا بتقديمها الدعم المادي بكل السبل المتاحة من ممتلكات أو مجوهرات قبل أن تنخرط مع شركائها الرجال في المقاومة المسلحة والاحتكاك المباشر بالمستعمر البريطاني.

دعرة بنت سعيد

 

ويذكر تاريخ الحركة الوطنية اليمنية المناضلة دعرة بنت سعيد التي شاركت في حراسة المناطق المحررة من السلاطين والمشايخ والأمراء، وكذلك المناضلات سلوى مبارك وانيسة عبود وسعاد يافعي، وانيسة الصائغ، وفتحية باسنيد، وحياة عوبلي، وإلهام عوبلي، وسلوى سليمان أحمد، وانيسة وشقيقتها رجاء سليمان، وعائدة علوي، ونجوى مكاوي.. وغيرهن الكثير.

 

وقد كان للاستعمار أثر في تقييد دور المرأة ضمن أماكن نفوذه لينحصر في مجالات محدودة أسرية واجتماعية بعيداً عن السعي لمقاومة الجهل والفقر والحصول على قدر من التعليم والثقافة. وهذه السياسة الاستعمارية لم تكن بالجديدة، فهي سياسة معروفة يوظفها الاستعمار للاستفادة من النظم القبلية أو الاجتماعية السائدة بكل علّاتها للحفاظ على نفوذه. وقد شهدت عدن أول مدرسة ابتدائية تم تأسيسها في مدينة الشيخ عثمان عام 1937، تخرج منها الرعيل الأول من المدرسات اللواتي تبوأن مناصب إدارية وتربوية وتعليمية.

وفي أواخر الأربعينيات تم إيفاد عدد لا يتجاوز الخمس طالبات إلى السودان، حيث تخرجن من كلية المعلمات، بالإضافة إلى مدرسة (البراق) التي زودت المدارس آنذاك بالمدرسات اليمنيات إلى جانب اللبنانيات والفلسطينيات والأردنيات. وقد شكل قيام مصفاة عدن (1952) البدايات التاريخية لبدء ظهور الطبقة العمالية، حيث كان الحدث الهام إعلان عمال المصفاة الإضراب العام (1956) الذي شكل ركيزة أساسية في النضال الوطني التحرري فيما بعد، وشكّل فتح المؤتمر العمالي العام باب العضوية للمرأة عام 1956 نقطة تحول في دور المرأة اليمنية على المستوى الوطني. تبع ذلك تأسيس جمعية المرأة العربية في عام 1957، التي تجاوزت الأدوار الاجتماعية والخيرية التي كانت تقوم بها جمعية المرأة العدنية آنذاك وعززت الدور السياسي والنضالي المباشر متخذة شعاراً لها “وطن واحد مسؤولية واحدة”.

ومع انطلاق الثورة اليمنية ضد المملكة، ومساندة للجمهورية اليمنية، سافر وفد نسائي يضم أسماء منها ليلى الجبلي، رضية إحسان الله، عائدة علي سعيد، فتحية محمد ناجي الصياد، خورشيد محمود خان ونعمة سلام إلى تعز للتهنئة بانتصار الثورة وتقديم صرة من الحلى الشخصية كدعم مادي للحركة الثورية. وقد تعرضت منازل عدد منهن بعد عودتهن للتفتيش وتم اقتياد الرموز منهن، رضية إحسان الله، خورشيد محمود، نعمة سلام وزينب ذو الفقار إلى سجن كريتر وأودعن غرفة جرى فيها التحقيق معهن ولم يكتف الاستعمار بذلك، بل كان يجري استدعاؤهن دوماً إلى مراكز الشرطة، وكذا مراقبتهن ومتابعة الكثيرات غيرهن على إثر إعلان حالة الطوارئ في 11 ديسمبر 1962.

رضية إحسان الله

ومع اشتعال ثورة 14 أكتوبر 1963 من جبال ردفان، تعززت أدوار النساء اليمنيات في مشاركة النضال الوطني ودعم ثورة الشعب اليمني ضد الاحتلال، وقد تمثل ذلك في الأبواب التالية:

1- طباعة المنشورات.

2- الاعتصامات في مساجد أحياء عدن المختلفة استنكاراً لاعتقال رموز الحركة النقابية والسياسية.

3- توزيع المنشورات، إيواء ونقل الفدائيين، إخفاء السلاح وخوض المعارك بالسلاح إلى جانب الفدائيين.

4- المشاركة في الإضرابات العمالية المستمرة.

5- حضور المهرجانات الخطابية في ساحة المؤتمر العمالي.

6- اللقاء بالوفود المغادرة إلى تعز وتقديم البيانات والاحتجاجات إليها حول الممارسات الاستعمارية، ومن أبرزها سفر مندوبتين من جمعية المرأة العربية إلى تعز (رضية إحسان الله، نجيبة محمد) لتمثيل المرأة أمام لجنة تقصي الحقائق التابعة للجنة تصفية الاستعمار، وكان ذلك في 25/3/1963 قبل قيام ثورة 14 أكتوبر بأشهر.

7- المشاركة في المؤتمرات النسائية العربية والدولية، مؤتمر موسكو للمرأة، مؤتمر بنزرت، والمؤتمر المنعقد في القاهرة 1961.

ولا بد هنا من ذكر أول شهيدة في مسيرة الثورة اليمنية ضد الاستعمار، الشهيدة خديجة الحوشبية من منطقة الحواشب، في إحدى العمليات الفدائية في تلك المناطق الوعرة. وقد ورد في كتاب «ثورة الجنوب» الصادر عن دار المعارف بمصر عام 1969 للمؤلف «عادل رضا»، حديث مفصل عن دعرة بنت سعيد ثابت، أحد أبرز المقاومات وعضو قيادة جيش التحرير في منطقة ردفان، حيث يقول: “اشتركت المناضلة في أكثر المعارك التي دارت بين القوات البريطانية، وقوات جيش التحرير. كانت تضع الألغام في طريق السيارات البريطانية وتتربص بدوريات تنقض عليهم بالرصاص والقنابل اليدوية، وكانت المناضلة البطلة مفخرة المرأة العربية، فانضمت الكثيرات منهن إلى صفوف المناضلين ليحاربن الاستعمار جنباً إلى جنب مع المقاتل في الجنوب الذي وهب حياته من أجل المبادئ والأهداف الكبيرة الشاملة، وأبدت الكثيرات منهن بطولات خارقة، واستشهدت في المعركة المناضلة «هند بنت أحمد» أول شهيدة تسقط في معركة التحرير الشاملة، ولحقتها في الاستشهاد المناضلة البطلة «بنت الحاج عبد الكريم»، ولقد رصدت قيادة الشرق الأوسط البريطانية مائة ألف شلن لمن يقبض على المناضلة الفدائية «دعرة سعيد بنت ثابت» لأنها أصبحت في نظرهم أخطر إرهابية، ولأنها أيضاً قد أصبحت أسطورة بطولية تناقلتها الألسن فوق أرض الجنوب، حتى المعسكرات البريطانية نفسها بدأ جنودها وضباطها يرددون قصص بطولاتها وشجاعتها النادرة”.

 

أحلام مصطفى

 مُدونة وطالبة فلسطينية تحضّر لدرجة الدكتوراه بجامعة سيدني الأسترالية في مجال اللغة العربية وثقافاتها.

يركز عملها البحثي على كتابات الذاكرة والفاجعة في السياق مابعد الاستعماري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد