مدونات

عام تعرية الأوهام

بقلم: لمى خاطر

جرياً على ذلك التقليد الذي يتبعه كثيرون نهاية كل عام، في استعراض عامهم المنصرم ورصد نجاحاتهم وإخفاقاتهم فيه، وسرد ما سرّهم وما أحزنهم، وما ظفروا به خلاله وما خسروه، فلو قُدّر لأمتنا أن تجري جرداً كهذا لعامها الفائت فسيمكنها أن تلخص نتيجته بالقول إنه عام تعرية الأوهام.

لمى خاطر

والحال أن السنوات السبع الأخيرة المنصرمة من عمر أمتنا كانت حافلة بإبانة الأوهام وكشفها، وإبراز حقائق جديدة مقابلها، وتهشيم جانب مما كنا نركن له من مسلّمات، بعضها متعلق بتصوّر إمكانية إدخال طيور الحرية إلى ديارنا دون أن نضطر لإدماء سواعدنا ونحن نحطّم زجاج نوافذها السميك، وآخَر يخصّ أحلامنا الوردية الطائفة حول المعاني الطافحة بالإيجابية، كالمواطَنة والعدالة والتنمية والتوافق والمساواة، وغير ذلك مما حفلت به أجندتنا ونحن نقدّم للحظات الربيع العربي الأولى لوائح مطالبنا قبل أن نمعن النظر في مطالبه وحقوقه علينا.

 

غير أن العام المنقضي تحديداً واجَهَنا بكفّ عاتية صفعت كثيراً من رهاناتنا، وأردت جزءاً غير يسير من أحلامنا، وليس أدلّ على ذلك من انكشاف نوايا أنظمة كثيرة، ومعها الكفة التي تميل بها موازينها، ومجالات تركيزها واهتمامها، فكان بعضها مُغرقاً في القبح، إما لتحلّق الطاغية الرمز فيها حول ذيول الأعداء طالباً بركتهم وباغياً رضاهم، ومبدياً استعداده في المقابل لإصابة ثوابت الأمة في قلبها، وإما لاستهتاره بكل الجماجم التي تدحرجت تحت قدميه وهو يمكّن لحكمه ويمتّن أركان سلطانه.

كما انجلى على هامش ذلك كلّه وهم حروب الأنظمة العربية على الفساد، ووهم انتصارها للشرعية في بلاد أرادتها ساحة لتصفية خصوماتها، فصفّت معها دماء أهلها وأورثتهم الفقر والأوبئة والدمار، وانكشفت حقيقة تحالفاتها، وظهر حجم استهتارها بمقدسات المسلمين، ومدى تواطُئها مع الأغراب، وإشراكها إياهم في إدارة شؤون بلادها، مقابل افتعالها حروباً مع أشقائها، وإشغالها شعوبها بالتهاجي والتعايُب والتشاتُم.

 

ومع ذلك، فقد حمل العام الماضي (2017) إضاءات في نفق عتمتنا الطويل، مثل معركة البوابات الإلكترونية حول المسجد الأقصى واعتصام المقدسيين عند باب الأسباط، وصولاً إلى إرغامهم المحتل على التراجع عن إجرائه.

 

فلسطينيا.. لخص صحفي صهيوني الحال قائلاً: “مع نهاية 2017، وقعت ثلاث ضربات على قصر الأوهام الفلسطيني: إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، ثم قرار الليكود بضم المستوطنات الإسرائيلية وغور الأردن في الضفة إلى السيادة الإسرائيلية، وأخيراً قرار الكنيست الذي ثبّت بالتشريع “مسامير بلا رأس” لكل تسوية قادمة في القدس”.

هكذا انهارت دفعةً واحدة جملة أوهام ظلت لأكثر من عقدين تعشش في عقول معتنقي السراب: وهْمُ دولة إلى جانب الكيان المغتصب، ووهم إمكانية الاستقرار في ظل الاحتلال، ثم وهم توقّع أفعال كبيرة من شارع جرى تدجينه وتيئيسه وتقليم روحه وطمس عنفوانه، ووهم تأمُّل أن يغير الفاشل مساره أو أن يقرّ أصلاً بعبثية ما قارفه على مدى أكثر من ربع قرن.

ويتصل بذلك وهم الراعي الأمريكي، ووهم مراعاته القانون الدولي، ووهم تصديق أن المجتمع الدولي يمكن أن يجلب حرية لشعبٍ محتل ما لم يشمّر الأخير عن ساعد ثورته، ويشق في الصخر دربه، ويشعل من دمه قناديل مسيره.

ومع ذلك، فقد حمل العام الماضي (2017) إضاءات في نفق عتمتنا الطويل، مثل معركة البوابات الإلكترونية حول المسجد الأقصى واعتصام المقدسيين عند باب الأسباط، وصولاً إلى إرغامهم المحتل على التراجع عن إجرائه، ثم ذلك النور الخفيض الذي انبجس في أكناف الأمة كلّها بعد إعلان الرئيس الأمريكي القدس عاصمة للاحتلال، حين برهنت جموعها أنه ما يزال لديها قضية كبرى ومعنى أثير ينبض لأجله قلبها، ويذيب بأثر فيضه تباينات الهموم، لتثبت أن مقام القدس لم يضطرب في وعي العربي والمسلم، وأن كوّة من بهاء يمكن أن تنثقب في أعتى جُدُر العتمة وأقساها.

ثمة أمل يناوش قلوبنا بأن يكون (2018) عام التحلل من الأوهام ووأدها والخلاص من مُغرياتها، بعد أن كان (2017) عام تعرية تلك الأوهام وانجلائها، لكلّ ذي لبّ ولكلّ قابض على هدف نبيل وأمنية جليلة.

لمى خاطر

كاتبة من فلسطين

الوسوم

اترك رد