سياسة

تونس: الاحتجاجات الاجتماعيّة المشروعة في مرمى سهام التخريب والتوظيف السياسي

أنس خالدي – مجلّة “ميم”

شهر جانفي في تونس بات مرتبطا بارتفاع نسق الاحتجاجات، ويقول المختصّون إنّ الأمر مرتبط ببروز مؤشّرات الفقر والاحتياج الاجتماعيّ بشكل أكبر في فصل الشتاء بالتزامن مع مناقشة وبداية تنفيذ قانون المالية الجديد وما يتضمّنه كلّ سنة من زيادات أثقلت كاهل المواطنين.

وبات شتاء تونس ساخنا بالاحتجاجات، في السنوات الأخيرة، وتدخّلت معطيات أخرى في تأجيج الحركة الاجتماعيّة.

وقد شهدت عدة مناطق داخل البلاد، مؤخرا، ارتفاعا لوتيرة الاحتجاجات التي بدأت بالتذمّر من ارتفاع الأسعار وبعض الزيادات بالإضافة إلى مطالب التنمية والتشغيل التي لا تنتهي بسبب تراكمات عقود من الحيف والتهميش والفساد التي قامت ضدّها الثورة أساسا، وإنتهت في بعض المناطق إلى أعمال حرق وسرقة ونهب، لا علاقة لها بالمضمون الاجتماعي للاحتجاج.

ففي محافظة قفصة الغنية بالفسفاط بجنوب غربي البلاد، خرجت مسيرات واحتجاجات مطالبة بالتنمية والتشغيل هدّد عدد من المشاركين فيها بالتوجّه نحو القطر الجزائري في حركة رمزية أضحت متواترة بكثافة في السنوات الأخيرة تعبيرا عن غياب الدولة عبر البرامج والسياسات التنموية والاجتماعية في هذه المناطق. وفي محافظة القيروان، وسط البلاد، خرج محتجّون من المعطّلين عن العمل يطالبون بالتشغيل والتنمية.

أمّا في مدينة “طبربة” من محافظة منوبة فقد تعرضت مؤسسات مالية إلى النهب والسرقة. وفي “حيّ التضامن” الشعبي على أطراف العاصمة اقتحم المحتجّون فرعا بنكيا ومساحة تجاريّة وقاموا بنهب محتوياتها قبل أن يتدخّل الأمن لتفريقهم. وفي مدينة القصرين اقتحم عشرات الأشخاص مستودعا بلديا ونهبوا 30 دراجة نارية وسيارات، ورشقوا وحدات الأمن بزجاجات المولوتوف.

التدخل الأمني في حي التضامن مساء الاثنين

ويعترف المسؤولون التونسيّون بالتركة الثقيلة لسنوات الفساد والاستبداد، مقرّين بصعوبة الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وهو اعتراف لا يبدو كافيا في ظلّ عدم قدرة الحكومات المتعاقبة على الشروع في إصلاحات جذريّة ظلّوا يتحدّثون عنها طوال الوقت بالتزامن مع سطوة الصراعات الإيديولوجيّة وبعض المواضيع الثقافيّة والهووية على النقاش في المجال العام، الأمر الذي كرّس شيئا فشيئا نوعا من التناقض في الهواجس بين نخب سياسيّة وإعلامية وجامعيّة منغمسة في الصراعات الإيديولوجيّة وبين فئات واسعة تترقّب منذ سنوات حلولا لإشكاليات تنموية واقتصادية واجتماعيّة متراكمة.

ويبدو أنّ بعض الأحزاب السياسيّة في تونس بدأت بالتزامن مع موجة الاحتجاجات حملتها الانتخابية المبكّرة، قبل أشهر قليلة من الانتخابات البلديّة المقررة ليوم 6 مايو/ أيار المقبل. ووثبت تلك الأحزاب بسرعة فائقة مجدّدا على “حركة الشارع” لتحويل وجهتها بشعارات حزبيّة وإيديولوجيّة ضيقة، حتّى أن بعض الأحزاب في تونس قد أعلنت تشكيل “تنسيقيّات” لدعم وتأطير المحتجّين ووضعت ناطقين رسميين جهويين باسم المحتجّين سويعات قليلة بعد اندلاع الاحتجاجات، في حركة ليست غريبة على ممارساتها السياسية خلال السنوات الأخيرة لفشلها بشكل من الأشكال في تحشيد الشارع والناخبين لصالحها عند اختبار الصندوق.

أعمال الحرق والنهب للممتلكات التي شهدتها مدن تونسيّة بالإضافة إلى محاولات التوظيف السياسي للاحتجاجات الاجتماعيّة، أثارت موجة من ردود الأفعال الرافضة على شبكات التواصل الاجتماعي، فقد طالب المغرّدون بإيقاف عمليّة التشويه الممنهجة للمطالب الاجتماعيّة المشروعة وللتحركات السلمية التي يضمنها الدستور الجديد للبلاد، عبر ممارسات إجرامية أو عبر التوظيف الحزبي والسياسي.

لكن، في المقابل تكشف موجة التحريض على نفس الشبكات عن هدف موحّد للتوظيف السياسي وعمليات الحرق والنهب معا، متمثّلا في إثارة الفوضى والدفع نحو الفراغ.

ورغم أنّ الاحتجاجات الاجتماعيّة في تونس، التي لم تتوقّف في السنوات الفارطة وفي فصل الشتاء تحديدا، يجمع أغلب التونسيين على أنّها حالة صحيّة تثبت تعلّق التونسيّين بجوهر ثورتهم من أجل الحريّة والكرامة، وتبرز أحد مكاسب الثورة التونسية وهي حرية التعبير، غير أنّه تظهر عند كل مناسبة تحرك، حالات غير صحيّة بالتزامن معها، عنوانها الجريمة تخريبا ونهبا للمتلكات وجرما سياسيّا عنوانه توظيف الهاجس الحزبي الإيديولوجي لهواجس اقتصادية واجتماعيّة وتنمويّة لضحايا عقود من الفساد والاستبداد.

لقد عمّد الدستور الجديد للجمهورية التونسيّة حقّ التظاهر والاحتجاج السلمي ومعه الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعية ومبدأ التمييز الإيجابي لصالح الفئات والمناطق المهمّشة بالبلاد، غير أن عمليّات الحرق والنهب التي حدثت في الأيام الأخيرة شوّهت بشكل واضح المطالب المشروعة والحق في التظاهر السلمي، وربّما تساهم في إجهاض المطالب المشروعة وتصرف النظر عنها، بينما يغنم بعض السياسيين “الراكبين” فرص الظهور الإعلامي التحريضي والدعائي.

الوسوم

اترك رد