مجتمع

الحلاق زهد .. عازف الناي الأقدم في سلفيت

إبراهيم عبد الهادي- فلسطين- مجلة ميم

داخل محله المتواضع في البلدة القديمة بمحافظة سلفيت، يمسك المسن محمد زهد الملقب بـ”أبو أشرف” (82 عاماً) مقصه ومشط الحلاقة محاولاً تهذيب شعر أحد زبائنه الذي يجلس على كرسي خشبي عفا عليه الزمن، لتتحرك يداه سوية فوق رؤوس زبائنه بخفة ومهارة، في مهنة توارثها عن آبائه وأجداده.

وإلى جانب مهنته بالحلاقة، يعد أبو أشرف طبيباً شعبياً تحت الطلب، يقوم بمداواة الجرحى وإعطاء بعض الوصفات الطبية وتجبير الكسور وخلع الضروس, فهو يعيش مهنة الحلاق الشعبي المتجول أيضاً، وكان معروفاً قديماً بارتدائه للمعطف الأبيض حاملا بيده حقيبة مليئة بالأدوات والأدوية والمطهرات.

يتحدث الحلاق زهد لمجلة “ميم” قائلا: “أمارس مهنة الحلاقة منذ 55 عاماً، فأنا من مواليد عام 1935، وكنت أبلغ من العمر حينها 12 عاماً، ويرجع الفضل لوالدي الذي قام بتعليمي فنون المهنة، بعد أن أنهكه المرض وأصبح لا يقدر على ممارستها ليقوم بتوريثها لي حتى أصبحت من أقدم حلاقي مدينة سلفيت”. وأضاف: “أجرة الحلاقة تغيرت كثيراً، فقديماً كنا نحصل مقابل الحلاقة للزبون على صاع من القمح، ومع مرور الزمن أصبحت أحصل على ثمن الحلاقة من الزبائن بالقروش، ما مقداره قرشان إلى أربعة قروش حسب الفئة العمرية للزبون. وكان الزبائن يصطفون داخل صالون الحلاقة بشكل صفوف متوازية لضيق مساحته، ويزداد عدد الزبائن في نهاية الأسبوع وفي مواسم الأعياد، وكان الطلب كبيراً على الحلاقة لندرة صالونات الحلاقة في ذلك الوقت”.

وبيّن زهد: “أما الآن فلا أنظر الى الأجرة بتاتاً ولا أعتمد أي تسعيرة، وإنما أحترم خصوصية الزبون وما يقدر على دفعه لي وذلك نظراً للظروف الاقتصادية, فأنا أعشق هذه المهنة واستمتع بأدائها لأنني تربيت عليها منذ صغري وهي بالنسبة لي عبارة عن متعة”.

وأشار زهد أنه “مع ظهور قصات شعر جديدة فرضت في المجتمع, فأنا أقوم بمواكبة جميع التغيرات واستطعت ادخال أدوات وقصات حديثة للحلاقة, على الرغم أنني ما زلت أحتفظ بأدوات الحلاقة القديمة واعتبرها إرثا تاريخيا, لاعتزازي الكبير بهذه المهنة, بالإضافة الى أنني اكتسبت خبرات كبيرة في قصات الشعر التي تتناسب مع أذواق الشباب وموضة العصر”.

 

أما عن علاقة الحلاق زهد بالزبائن، فيقول: “تربطني علاقات جيدة مع جميع الزبائن، حتى أنهم يقومون بالحديث لي عن أسرارهم لأنهم يجدونني الرجل الذي يستطيع كتمان السر, كما أن زبائني في تزايد كبير سواء كانوا كباراً أم صغاراً, وبعضهم يأتي لصالون الحلاقة من أماكن أخرى بعيدة من خارج البلدة القديمة”.

ويؤكد الحلاق الفلسطيني أن “صالون الحلاقة لدي مفتوح طوال أيام الأسبوع، ولا أقوم بإغلاقه حتى في يوم الاثنين من كل أسبوع، والمعروف أن في هذا اليوم تغلق جميع صالونات الحلاقة, حيث أقوم باستغلاله لتبادل أطراف الحديث مع أصدقائي وجيراني”.

ويعتبر زهد مهنته جزءًا مهماً من التراث الثقافي في فلسطين، فهو يقوم على توريثها لأبنائه وأحفاده حتى استطاع أحد أبنائه تعلم هذه المهنة وأصبح يمتلك صالوناً للحلاقة مختلفا من حيث تصميمه وأدواته وبدا أكثر حداثة من صالون والده, ولكنه لم يختلف من حيث اللمسات التي زرعها أبوه بداخله ليتعلمها ويتقنها باحترافية.

 

أبو أشرف .. عازف الناي

وبالرغم من كبر سن الحلاق زهد، إلا أنه يمتلك هواية العزف على “الناي”، حيث يعتبر من أقدم عازفي مدينته على هذه الآلة، وبقيت هذه الأداة بيده الى يومنا هذا يعزف لنفسه ولزبائنه بالرغم من تراجع حالته الصحية وخضوعه لعمليات جراحية في القلب.

ويبين زهد أن “علاقته بآلة الناي علاقة وطيدة، فهي من الآلات الجميلة التي تشمل الحزن والشجن والفرح وتأسر كل من يستمع اليها كونها تعد من أجمل الأصوات الموسيقية العربية”.

 

 

يقول زهد: “أقوم بالعزف على آلة الناي داخل صالون الحلاقة وفي أوقات فراغي عندما لا يتواجد أي زبون بداخل المحل, فيتوافد عدد كبير من الأصدقاء والجيران لكي يستمعوا لعزفي, فأحاول أن أظهر لهم جمال هذه الآلة, بعد أن طغت الموسيقى الغربية على أسماعهم, لإعادة احياء هذه الآلات الموسيقية العربية في أذهانهم, ولتشجيعهم للتعرف على هذه الآلة التراثية”.

ويتذكر زهد قديماً عندما كان يقوم بإحياء الأعراس الفلسطينية، فيقول: “لم يكن يمضي عرس بالمدينة إلا وأقوم بالعزف على الناي “الشبابة” وسط فرحة عارمة من الجميع, خاصة عندما يصاحب العزف وجود فرق الدبكة الشعبية الفلسطينية التي كانت تزيد المكان حيوية وسعادة ويتفاعل معها أهل الحفل وسكان المنطقة”.

وبيّن زهد أنه غالباً ما كان يعمل حلاقاً متنقلاً, “حيث أحمل حقيبتي وبداخلها أدوات الحلاقة وأذهب الى منزل العريس لأقوم بالحلاقة له، وبعد أن يتم ترتيبه وتهذيب شعره ولحيته أخرج الشبابة من الشنطة وأقوم بالعزف والغناء له، فيلتف المدعوون حول العريس ويقومون بالغناء قائلين طلع الزين من الحمام الله واسم الله عليه, وعريسنا زين الشباب زين الشباب عريسنا, ودير الميه ع السريس مبارك عرسك يا عريس
ودير الميه ع الليمون مبارك عرسك يا مزيون, ليزيد ذلك من البهجة والسعادة”، مضيفا: “أما الآن فلا يوجد اهتمام كبير بالعزف على الشبابة, فقد حلت مكانها أدوات غربية أخرى جذبت مسامع الشباب اليها, فلم يعد الناي محل اهتمام عدد كبير منهم, إلا أن كبار السن لا يزالون يفضلون الاستماع لها لأنهم تربوا عليها ويعتبرونها جزءاً أصيلاً من التراث الفلسطيني”.

 

 

الحاج ابو محمد

أما الحاج أبو محمد (55 عاماً) وهو أحد زبائن الحلاق زهد، فيقول لمجلة “ميم”: “الحلاق أبو أشرف من أعز الأصدقاء لي فهو يتميز بأخلاقه الحسنة، كما أنه يلقى حباً كبيراً من أهل المنطقة جميعاً، بالإضافة إلى ما يتميز به من المهارة والخبرة في مهنة الحلاقة والعزف على الشبابة، حتى أنني أذهب اليه يومياً لكي استمتع بعزفه على الناي ولنتبادل الأحاديث فيما بيننا”، ويضيف: “حين أدخل صالون “أبو أشرف” وأجلس على الكرسي، أبدأ بالبوح بالهموم والمشكلات وسرد الحكايات له حتى نقوم بمناقشتها وإيجاد حلول مشتركة لها. وفي كل مرة أقوم بزيارته بات يسألني ماذا حصل؟ وهل تم حل المشكلة؟ ليطمئن على أحوالي وعن آخر التطورات التي حدثت معي، فهي تعتبر مجالس للفضفضة والسمر”.

 

الشاب سليمان

أما الشاب يوسف سليمان (20 عاماً) فيقول: “بكل ما يتصف به العم أبو أشرف من خفة يد، وبالرغم من كبر سنه ومرضه، إلا أنه يستطيع أن يلبي طلبات زبائنه من حيث قصات الشعر التي يرغبون بها، وذلك من خلال تقليد بعض القصات العصرية الحديثة التي تتماشي مع حاجة الشباب”.

ويبين سليمان لمجلة “ميم”، أن “أبو أشرف نجد فيه مجموعة من الأشخاص في رجل واحد, فهو يتميز بسعة الصدر وبابتسامته العريضة التي لا تفارق محياه, فهو يمازح الصغير قبل الكبير، ويحاول التحدث باستمرار مع الزبون كي يوفر له الراحة أثناء الحلاقة, وفي بعض الأحيان يطلب منا الانتظار لكي نستمع الى عزفه على الشبابة والغناء أيضاً من خلال قيامه بمزج العزف بالزجل الشعبي المعروف ليرسم الابتسامة على زبائنه”.

 

ويأمل زهد بأن يرى بصيص أمل في أن يتعلم أحد من أبنائه أو أحفاده العزف على هذه الآلة لتستطيع البقاء بعد موته، وهذا ما يشعره بالحزن والأسى لأنها قد تندثر من بعده ولن تجد من يعيد إحيائها من جديد.

الوسوم

اترك رد