سياسة

الثورة التونسية في عيدها السابع: أذرع الانقلابيين تتصيّد غنيمة التوتر الاجتماعي

توفيق الخالدي – مجلّة “ميم”

على إحدى الإذاعات المحليّة في تونس يتّصل مواطنون للتعبير عن غضبهم من الارتفاع المشط للأسعار، فيتدخّل مدير ديوان وزير التجارة في نفس البرنامج الإذاعي ليقدّم توضيحات مفادها أن هناك نقصا في التزويد ببعض السلع والمواد، وأنّ هناك سعيا جديّا للتصدّي للمحتكرين الذين يساهمون بشكل أو بآخر في هذا الارتفاع، أمّا عن الزيادات فيؤكّد أنّها نتيجة حتميّة لارتفاع الضريبة على القيمة المضافة وأنّها لا تشمل المواد الأساسيّة.. وعلى إحدى التلفزات أحد نوّاب الشعب من المعارضة يقدّم سرديّة أخرى ويتحدّث عن زيادات لم ترد في قانون الماليّة، الذي كان هو نفسه شريكا في مناقشته تحت قبّة البرلمان داعيا لإسقاط الحكومة.

ويكتمل المشهد عندما تخرج جموع من العاطلين عن العمل مطالبين بالتشغيل يصحبهم آخرون مطالبون بالتنمية بعد عقود من التهميش. وبالتوازي يخرج من يمتهنون السرقة والنهب لجمع “غنائم” ليزيدوا في صبّ الزيت على النار.

عادت وتيرة الاحتجاجات في تونس لتتصدّر عناوين الأخبار في وسائل الإعلام التونسية والأجنبيّة، وعاد معها الحديث عن إسقاط الحكومة بالتزامن مع استعمال الغاز المسيل للدموع لتفريق محتجّين وإقدام بعض المجرمين على أعمال حرق ونهب وسرقة لمساحات تجارية وفرع بنكي، أحداث متزامنة أعادت المطالب الاجتماعية والاقتصادية والتنموية للثورة إلى الواجهة. وأعادت أيضا طرح سؤال حول أجندات وغايات من يعملون على استهداف الدولة والتجربة في البلاد عبر اختراق الحركات الاجتماعية ومحاولة توظيفها.

كرّس الدستور التونسي الجديد الذي تمّت المصادقة على نسخته النهائيّة قبل ثلاث سنوات حقّ التظاهر السلمي والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحق في التمييز الإيجابي لصالح الفئات والمناطق المهمّشة، وكرّس مع ذلك مبادئ وقواعد اللعبة الديمقراطيّة في البلاد التي باتت تحتكم إلى صناديق الاقتراع وإلى الحوار في إدارة الاختلاف، بعيدا عن معالم دكتاتورية “قتلت السياسة” لعقود، قبل أن يثور الشعب ضدّها، وكرّست تجربة السنوات السبع الأخيرة في البلاد عدّة حقائق باتت معلنة وواضحة للعيان، أوّلها أن التحريض الإعلامي والإيدولوجي وانتشار الإرهاب باتت وسائل الثورة المضادّة لخنق التجربة الديمقراطيّة ومحاولة الإجهاز عليها في المهد، قبل أن يشتدّ عودها. أمّا ثانيها فيتعلّق بتأخّر الحلول المتعلّقة بالملف الاقتصادي والاجتماعي والتنموي بسبب سطوة هواجس نخبويّة أخرى على النقاش الذي يحتلّ جزءا كبيرا من الفضاء العام على حساب هواجس الأغلبية الساحقة من التونسيين.

خلال السنوات السبع التي تلت هروب الطاغية زين العابدين بن علي في تونس، فشلت كلّ محاولات إجهاض التجربة التونسيّة الناشئة من داخل البلاد ومن خارجها، لكنّها محاولات خلّفت ضريبة قاسية للتجربة على مستوى الاقتصاد الذي خربه الفساد والإرهاب، وعلى مستوى التنمية التي غابت عن هواجس النخبة السياسية المنخرطة في معاركها الإيديولوجيّة، وعلى مستوى الحراك الاجتماعي نفسه الذي بات مستهدفا بالتشويه من قبل “الرّاكبين” على موجاته الاحتجاجيّة و”المخرّبين” للأملاك العامة حرقا ونهبا، من الذين تتقاطع أهدافهم مع أجندات إقليميّة ودولية وحتّى داخليّة، أو أنها بأياد من الداخل تعمل بشكل مستمر على إنهاء الثورات العربيّة والتجربة التونسيّة المتبقية منها.

فشل الإرهاب في تونس فشلا ذريعا وتحطّمت أجنداته على عتبات البلاد، لتكسر ملحمة بن قردان التي أفشلت فيها القوّات المسلّحة وأهالي المدينة الحدوديّة مع ليبيا مخطّط “الرقّة 2” عظم التنظيمات التي تمكّنت من تخريب قطاع السياحة باعتباره أحد شرايين الاقتصاد ومن بثّ الرعب في بعض النفوس، وفشل مخطّط استنساخ نموذج الانقلاب المصري في صائفة سنة 2013 بعد أن جنحت النخب السياسية في البلاد إلى إدارة اختلافاتها بالحوار بديلا عن التنافي والإقصاء، أمّا التحريض من الداخل والخارج بأشكال مختلفة فما زالت ممارسة موجودة رغم أجنداتها المفضوحة.

التحريض السياسي والإعلامي الفجّ لحالة الاحتقان الاجتماعي التي فجّرت حراكا اجتماعيّا بشعارات تتعلّق أساسا بغلاء المعيشة والبطالة، حوّل الحدث إلى أداة لتصفية حسابات سياسيّة أو لشيطنة الخصوم السياسيين، ليس أمرا جديدا ولكنّه أكثر وضوحا هذه المرّة بالتزامن مع الاستعدادات لاستحقاقات انتخابيّة كبيرة تنتظر البلاد، وبالتزامن أيضا مع متغيّرات إقليميّة ودوليّة كبيرة تشهدها المنطقة. وباتت التجربة التونسيّة في خضمّها مستهدفة بشكل مباشر من نفس المحور الذي خطّط وجنّد وموّل، لتدمير الثورات المصرية واليمنية والليبية.

بات واضحا أنّه لم يبق لمن يخطّطون منذ سبع سنوات لإجهاض التجربة التونسيّة، وقد نجحوا في إجهاض غيرها، من حلول لاستهداف التجربة الديمقراطيّة في البلاد غير اختراق الحركات الاجتماعيّة السلمية والرافعة لمطالب مشروعة للدفع نحو الفوضى والاحتراب الداخلي تمهيدا لمرحلة إسقاط الدولة برمّتها مستغلّين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتنموية الصعبة التي كانت الأجندات المتآمرة على تجربة تونس هي نفسها شريكة في تعميقها.

وليس خفيّا بعد سبع سنوات، أن عمليّات التخريب والنهب التي تتزامن مع الحراك الاجتماعي في البلاد وتنامي خطاب التحريض على الدولة والخصوم، بات ضمن أجندات مفضوحة لتشويه المطالب والتحركات السلمية والمشروعة نفسها ولتشويه الثورة والتجربة الناشئة في البلاد عبر دفعها نحو نفق المجهول المظلم، تقاطعا مع أجندات تعمل ليلَ نهارَ على إجهاض الديمقراطية في الوطن العربي، أجندات لم تعد مجهولة لدى المحتجّين وأصحاب المطالب الاقتصادية والاجتماعية والتنمويّة أنفسهم، من الذين لم يعد من السهل توظيفهم بعد تجربة سبع سنوات من الاشتباك مع مؤامرات الداخل والخارج التي تستهدف الثورة.

فلْق صفوف الضحايا أخطر الأجندات التي تستهدف التجربة التونسيّة الناشئة، وهو مخطّط بدأ باستحضار الصراعات الإيديولوجيّة وبلغ حدّ توظيف المطالب والتحرّكات الاجتماعيّة مرورا بالشيطنة والتشويه وخطاب التحريض، في مسعى واضح متقاطع مع أجندات إقليمية نجحت عبر نفس المدخل في الانقلاب على ثورة 25 يناير في مصر وفي تفكيك النسيج الاجتماعي في ليبيا واليمن بنفس المخطّطين وبأذرع من الداخل شريكة في الجرم.

فرض حقّ التظاهر السلمي وأولويّة الهواجس الاقتصادية والاجتماعية والتنمويّة حقوق تونسيّة، باتت مكتسبة بصريح الدستور الجديد للبلاد، أمّا تحويلها إلى معاول بحثا عن “ثورة على الثورة” ضمن حملات انتخابيّة مبكّرة أو ضمن أجندات تعمل على إرباك الدولة وإضعافها واستهداف أطراف وخيارات سياسيّة بعينها لتحميلها كلّ المسؤوليّة عن أوضاع لا تتحمّل سوى مسؤولية جزء منها، فهو سيناريو جديد يمثّل الملجأ الأخير لمن يقفون في مربّع الثورة المضادّة متستّرين بمطالب اجتماعيّة من عمق الثورة نفسها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.