سياسة

الثالوث القاتل للثورات العربية

توفيق الخالدي – مجلّة “ميم”

 

مثّل “الاستقرار” على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، أو على المستوى الأمني باعتباره أولويّة مطلقة للأغلبيّة الساحقة من الشعوب، مدخلا رئيسيّا للدكتاتوريات أينما كانت في العالم بلا استثناء لاستعمال التجويع والترويع أداة للقمع والتسلّط والحكم الفردي المطلق، بشكل يحوّل الأولويّات نفسها إلى سلاح ضدّ أصحابها.

وقد أعادت الثورات العربيّة الارتباط بين الكرامة والحرية والديمقراطيّة والمساواة، وكشفت أن المواطنة مطلب عربي واسع، كسر المنتفضون حاجز الخوف، من أجلها باعتبارها المطلب الذي يمكّن الشعوب فعليّا من مقوّمات إنسانيّتها بأشكال مختلفة، لذلك كشفت الثورات في أيّامها الأولى عن أفضل ما في الشعوب العربيّة التي حمت أحياءها بنفسها وحمت الممتلكات العامّة وتعاونت على قضاء الحوائج والحاجيّات في غياب مؤسّسات الدولة.

موجة الثورات العربيّة واجهتها بعد أشهر قليلة من اندلاعها موجة من الرياح العاتية التي حاولت ولا تزال بكل الطرق والوسائل تشويه وترذيل الثورة وقيم المواطنة بأشكال مختلفة، فكانت الثورات المضادّة التي تتمتّع بدعم النظم الدكتاتورية والنظام الرسمي العربي وبدعم أجهزة مخابرات دوليّة مجنّدة بكلّ ما أوتيت من قوّة في مواجهة حلم ديمقراطي للشعب العربي المنتفض.

نجوم التحريض الإعلامي المصري

الجموح العربي للديمقراطية ولحقّ تقرير المصير وللقيم الإنسانية التي تُلحقه بركب الحضارة، واجهته الآلة العاتية للثورة المضادّة بالترويع عن طريق نشر الخوف والذعر ناهيك عن الإرهاب، وبالتجويع عن طريق الاستثمار في الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة المتدهورة وبالهرسلة الإعلاميّة عن طريق منابر كثيرة على حوامل مختلفة تشتغل ضمن نسق متصاعد لإعادة إفراغ الساحة السياسيّة من جاذبيّتها ولتوسيع الشرخ بين النخب السياسيّة والشعب تمهيدا لـ”إقالته” من الشأن السياسي وإستبعاده مجدّدا من حقّ تقرير المصير.

ليس ثمّة أداة لفرض مقايضة الحريّة بالأمن أخطر وأكثر نجاعة من سلاح الإرهاب الذي تناسلت تنظيماته من بعضها بعضا بشكل سريع موفّرة غطاءً لعبث المخابرات الإقليمية والدوليّة بمصائر الشعوب الثائرة وموفّرة “مبرّرات” لقتل الشعوب في أحيان أخرى من طرف نظم فاشيّة متسلّطة على غرار ما يحدث في سوريا، فالإرهاب في السنوات الأخيرة مثّل الأجندة الأكثر فتكا بالثورات التي خرّبتها جيوبه في كلّ مكان بأساليب وأشكال مختلفة.

لم تكن مقايضة الحرية بالأمن وحدها سلاح الثورة المضادّة في الوطن العربي، فمقايضة الرخاء بالدكتاتوريّة باتت هي الأخرى مدخلا لتبخيس الثورات ولاختزال مطالب الشعب العربي في الخبز فحسب، دون حريّة أو ديمقراطيّة إمّا بالترويع لتهريب المستثمرين أو بتحريك عصابات الاحتكار لرفع الأسعار بأشكال مشطّة، ناهيك عن محاولات إفلاس شركات بعينها.

الاستثمار في الإرهاب وفي الوضعيّات الاقتصاديّة والاجتماعيّة الصعبة التي تمثّل بحدّ ذاتها نتاجا لسنوات من الفساد والاستبداد ثارت ضدّها الشعوب، لم يكن ليوجه ضربات موجعة في جسد الثورات العربيّة دون الحوامل الإعلاميّة الموجّهة التي اشتغلت بشكل كبير على نشر الرعب والخوف في نفوس الناس من جهة، وعلى اختزال الثورات في “الفوضى” وعلى وجه الخصوص في إجراء مقارنات ركيكة بين الأوضاع قبل وبعد الثورة اقتصاديّا واجتماعيّا من خلال مؤشّرات مزوّرة في الكثير من الأحيان.

تعثّر تحسن الأوضاع الاجتماعية سلاح الدعاية ضد الثورة

وبفعل ترحيل الخوف من نفوس المحكومين إلى نفوس الحكّام ضعفت السلط الثلاث بعد الثورات العربيّة وتحوّلت السلطة الرابعة إلى سلطة أولى واستغلّت مناخات الحريّة المعمّدة بدماء الشهداء وبنضالات عقود من الزمن ضدّ الاستبداد لممارسة “العنف الرمزي” على المنتفضين بأساليب ووسائل كثيرة، أهمّها نشر الخوف والتحريض، وعلى وجه الخصوص ترذيل السياسة والسياسيين.

وإذا كان الإرهاب والأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة المتدهورة قد مثّلت “مبرّرات” للثورة المضادّة للاستقواء والعودة إلى الواجهة فإنّ التحريض الإعلامي والاستثمار في الإرهاب وفي التدهور الاقتصادي والاجتماعي مثّل إستراتيجيّة ناجعة لتعميق الهوّة بين النخبة السياسيّة والشعوب تمهيدا لإقصائها بشكل طوعي من إدارة الشأن السياسي أو من مراقبته.

ذلك الثالوث مثّل سكاكين الثورة المضادّة في الوطن العربي في محاولة لمحاصرة شعوب ثائرة وقتل ثوراتها في المهد. وبنسب متفاوتة تمكّنت بشكل كبير من التأثير في مجريات الأحداث في السنوات الأخيرة ولا تزال تحاول خنق “الربيع” وتحويله “صيفا ساخنا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق