الرئيسيثقافة

آنا كارنينا.. المرأة التي قتلها العشق

بقلم: وفاء هلال

 

جلست آنا تحكي لزوجة أخيها: “أنا لا أؤذي أحداً غير نفسي، فلست أملك حق إيذاء الغير”.

ثم قالت: “إني أحب ابني وفرونسكي بالتساوي فيما اعتقد، أحب كلاهما أكثر مما أحب نفسي. هذان هما المخلوقان اللذان أحبهما، لكن كل واحد يطرد الآخر من حياتي، ليس في وسعي أن أحصل عليهما معاً”.

هي حكاية آنا كارنينا بطلة واحدة من أعظم روايات تولستوي، الأديب الروسي الكبير.

ويُعد ليو تولستوي (1828-1910) من أعظم الكتاب الروس في القرن التاسع عشر.

وُلد قرب موسكو في أسرة ميسورة وتوفي والداه وهو صغير، وتولت خالته تربيته ورعايته.

وأظهر اهتماما وشغفا بالأدب العربي والرواية العربية والتحق بجامعة فازان عام 1844، إلاّ أنه وبعد مدة تركها وعاد مرة أخرى لمسقط رأسه، ليعلّم نفسه ذاتيا من الكتب والمراجع عام 1847.

 

 

سافر بعد ذلك إلى القوقاز عام 1851 ليشترك في حرب القرم التي اندلعت (1853-1856) لكن نشأ بينه وبينه الحرب حاجز صلب جعله يمقتها وخلف بداخله آثارا سيئة.

وحقق شهرة كبيرة  عند نشره مقالاته عن حرب القرم تحت عنوان “قصص من سيفاستوبول”.

كانت الحرب من أهم الموضوعات التي تعمق فيها تولستوي وكتب عنها، وتُعد روايته (الحرب والسلام) 1863-1868 من أعظم ما كتب، وهي رواية تغطي فترة زمنية هامة وممتلئة بالشخصيات والتفاصيل المتشابكة والأحداث الطويلة، تتحدث عن الفترة التي غزا فيها نابليون روسيا عام 1812.

ثم في عام 1877 أنهى روايته آنا كارنينا، التي كشف فيها عيوب المجتمع آنذاك، والأسس العائلية الزائفة التي تملؤه.

يتحدث عن امرأة وقعت أسيرة مشاعر جامحة عصفت بحياتها، ومن هذه المأساة يعالج تولستوي قضايا أخلاقية واجتماعية وفلسفية. واُعتبر تولستوي عميد الأدب الواقعي بعد أن خط تلك الروايتين اللتين يبرز فيهما الرجل مفكرا وداعية سلام ومصلحا اجتماعيا.

وفي عام 1862، تزوج وتوجه لمسقط رأسه وأرضه، ثم افتتح مدرسة لتعليم أبناء الفقراء، ثم أصدر مجلة بعنوان “ياسنايا بوليانا” يطرح فيها أفكاره الإصلاحية والتربوية.

تعمق تولستوي في القراءات الدينية، وقاوم الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا، ودعا للسلام وعدم الاستغلال، وعارض القوة والعنف في شتى صورهما. لكن الكنيسة لم تقبل آراء تولستوي التي انتشرت بسرعة، فكفرته وأعلنت حرمانه من رعايتها. وأُعجب بآرائه عدد كبير من الناس، وكانوا يزورونه في مقره بعد أن عاش حياة المزارعين البسطاء تاركًا عائلته الثرية المترفة.

وهو كفيلسوف أخلاقي، اعتنق أفكار المقاومة السلمية النابذة للعنف، وتبلور ذلك في كتاب “مملكة الرب بداخلك” وهو العمل الذي أثر في مشاهير القرن العشرين، مثل المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينج، في جهادهما الذي اتسم بسياسة المقاومة السلمية النابذة للعنف. وقد اتصفت كل أعماله بالجدية والعمق وبالطرافة والجمال.

ودفن تولستوي في حديقة ضيعة ياسنايا بوليانا، بعد أن رفض الكهنة دفنه وفق الطقوس الدينية الأرثوذوكسية.

آنَّا

تتحدث الرواية عن السيدة الجميلة آنا، إحدى سيدات المجتمع في سان بطرسبرج، المتزوجة من الوزير أليكسي كارنين الذي يكبرها بأعوام كثيرة تقارب العشرين، لكن رغبتها في المال والوجاهة الاجتماعية تجعلها لا توقف هذه الزيجة وتستمر فيها، ولها من زوجها ولد واحد.

تلتقي آن في إحدى المرات بالضابط فرونسكي لتنشأ بينهما علاقة حب، وتستمر في علاقتها به رغم ما لزوجها من قوة وعلاقات تمكنه من الانتقام منها إن عرف بها، لكن ما حدث كان غير ذلك، حيت وصل الزوجَ خبر تلك العلاقة وصرح لآن بأنه لن يقف أمامها شريطة ألا يعلم بها مجتمع النبلاء ويظل الأمر سرا، لأن من شأن هذا أن يؤثر في علاقاته ووضعه الاجتماعي ومستقبله في تولي المناصب والدرجات.

إلا أنه وكعادة العلاقات من هذا النوع التي طالما تنكشف للمجتمع بطريقة أو بأخرى، أصبحت آن حديث المجالس المخملية، وأضر بسمعتها ضررا شديدا، مما جعلها تهجر ابنها وزوجها، وتتجه مع حبيبها إلى منطقة أخرى وتعيش معه وتنجب منه طفلة.

وعلى غير المتوقع تتغير دفة تلك العلاقة بعد دخول آن في حالة اكتئاب بسبب ما آل إليه وضعها وافتقادها لابنها فتتحول للفتور والجفاء، ليتعرف ذلك الحبيب على فتاة أخرى يحبها وتنشأ بينهما علاقة وتعرف بها آن فتزداد حالتها سوءا مما يدفعها للانتحار على قضبان أحد القطارات.

كتب تولستوي تلك الرواية مقتبسا إياها من قصة حقيقية لأحد أصدقائه، لا يُعرف من هو، ولا من هي.

اقتباس

 

“يقولون إن النساء يحببن في الرجال حتى رذائلهم.. وأنا أكره فيه فضائله! لا أستطيع أن أعيش معه! لكن ماذا أفعل.. لقد كنت شقية.. وكنت أعتقد أن الإنسان لا يمكن أن يكون أكثر شقاء مما كنت، لكن الحالة الفظيعة التى أجتازها الآن تفوق كل ما تصورت، أتصدق إني أكرهه برغم علمي بأنه رجل طيب! بل رجل رائع! وإني لا أساوي أصبعاً من أصابعه؟.. إني أكرهه بسبب كرمه”

في هذه الرواية، استطاع تولستوي ببراعة تصوير التقلبات والأحداث داخل الأسر الثلاثة محور الرواية، وتوضيح صراع القلب والعل الدائر بين شخصياتها.

وإذا كان تولستوي قد اختار “الخيانة الزوجية” موضوعاً لأحداث روايته؛ إلا أن غرضه تجاوز هذا الموضوع وقصة الحب التي جمعت بين آنا كارنينا وفرونسكي نحو “تصوير الصدام بين عالم قديم متدين وتقليدي وملتزم بالأدوار الجندرية التقليدية والتقسيم الطبقي الصارم، وعالم جديد حيث الطلاق فيه مشروع، ومعارك النساء من أجل الوصاية وضد التمييز مباحة”.

 

 

كُتبت رواية آنا كارنينا في الوقت الذي كانت تعبر فيه روسيا بوابة الصناعة وتتحول من دولة زراعية إلى بلد قوي اقتصاديا، مما عجل بنشوء صراع بين عالمين، أحدهما يدعم الجانب القومي الذي يعزز من قيمة روسيا كأمة منفردة والآخر يدعم الانفتاح الذي سيترتب على التوجه الجديد. جسد تولستوي ذلك من خلال شخصيات الرواية التي يمثل كل شخص فيها توجها من هذه التوجهات المتضاربة.

ربما استطاع الكاتب أن يلامس بدقة وبكل حرفية ومهارة الأبعاد النفسية للشخصيات ويكشف عن الدوافع التي تحكم تصرفاتها. وكثيرون ممن تناولوا عرض الرواية، وقفوا إلى جانب آنا كارنينا دفاعاً عن حبها لأليكسي فرونسكي ومواجهتها لزوجها وللمجتمع، هذا الدفاع الذي استمر إلى آخر لحظة من حياتها التي دفعتها في النهاية ثمناً لهذا الحب.

لكن البعض يرى  أن تولستوي كان يُعنى بشيء آخر في الرواية، فهو يمجد الأسرة ويعتبرها النواة الصالحة لبناء المجتمع، وعليه فإن آنا قد حطمت هذه النواة و ألقت بأسرتها مقابل نزوة عشق لم تكلل بالنجاح في النهاية، فالتضحيات التي قدمها زوجها والكرم والنبل الذي قابل به خطيئتها كان مثالاً رائعاً للزوج الصالح الحامي للأسرة ولكنها لم تقدر كل ذلك.

فنيا

تحولت تلك الرواية لحوالي 15 عملا فنيا، أبرزهم عربيا فيلم “نهر الحب” بطولة عمر الشريف وفاتن حمامة وزكي رستم، تتضمن نفس أحداث الرواية مع تغيير طفيف في بعض أحداثها.

 

 

وأخرجت عالميا في فيلم “انا كارنينا”، عام 2012، بطولة كيرا نايتلي، جود لو، أرون جونسون وكيلي ماكدونالد.

 

الوسوم

اترك رد