مجتمع

مواطنون سقطوا من السياسات العربيّة

من دوار السلاطنية إلى مقابر القاهرة وطوابير الفقر أمام منازل أمراء السعودية

توفيق الخالدي – مجلّة “ميم”
صورة المجتمعات العربيّة التي يتمّ ترويجها عبر وسائل الإعلام الرسميّة، وحتّى الخاصّة، والتي يتمّ الحديث عن مقوّماتها وخصوصياتها على المنابر الإعلاميّة وغيرها، تكاد تكون صورة “مرغوبا فيها من طرف المتحدّث نفسه”. أمّا في الواقع فالمشهد مختلف كثيرا، خاصّة إذا التفتت الكاميرا وآلات التصوير إلى تلك المساحات الاجتماعيّة الواسعة التي تعيش على هامش الدولة.
على اختلاف الوضعيّات الماليّة وثروات الدول العربيّة، فإنّ مشاهد الدراما الإنسانيّة متواجدة في كلّ مكان تقريبا، معلنة “ضحايا” السياسات والمقصيّين اجتماعيا واقتصاديا، وحتى ثقافيا وسياسيّا، مجتمعا “موازيا” للمجتمع الذي يجتهدون في ترويجه بصورة نمطيّة تصارع الزمن لإثبات تطوّر لا يتجاوز حدود الصورة وفئات قليلة من المجتمع بخلفيات متناقضة أحيانا.
وعلى طول الوطن العربي توجد أمثلة ناجزة على الأرض تعكس معاناة حقيقيّة لضحايا عقود من الحيف والإقصاء بأنواعه المختلفة. ففي مصر مثلا تعمّر مئات العائلات المقابر لعدم إمكان حصولها على مسكن بسبب ظروف الفقر. وفي تونس اكتشف غالبيّة “المشاهدين” قبل نحو سنتين قرية “دوّار السلاطنيّة” عندما تحدّث أحد شبابها باكيا لإحدى التلفزات الخاصّة قائلا: “لا شيء يربطنا بالدولة سوى بطاقة التعريف الوطنيّة”. أمّا في المملكة السعوديّة فطوابير المحرومين طويلة أمام مبنى الوليد بن طلال قبل إيقافه وغيره من الأثرياء لطلب مساعدة.

سكّان المقابر في مصر

في مصر لم تقدر حتّى الأحياء القصديريّة عن استيعاب من هم بلا سكن، بسبب غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار ومعها معدّلات البطالة والفقر، وأضحت المقابر مدن الأحياء، بعد أن كانت مدنا للموتى.
ليس الأمر مجرّد عشرات “لاجئون” إلى المقابر ينامون فيها، بل الحديث يدور عن مئات العائلات، وربّما الآلاف، التي أصبحت تعمّر المقابر.
شيوخ طاعنون في السنّ وأبناؤهم المتزوّجون وأحفادهم الصغار الذين يلهون بين القبور، مشهد قد يكون أقرب إلى رواية من نسج الخيال ولكنّه حقيقة ثابتة في مقبرة السيدة نفيسة أو في مقبرة الإمام الشافعي ومقابر أخرى، كلّهم هاربون من “الموت” إلى “الموت” بسبب عدم قدرتهم على دفع الإيجار أو الحصول على وظيفة أغلب الوقت.
سكّان المقابر المصريين لم يأتوا بمحض إرادتهم، فعلى الرغم من اعتراف سلطات البلاد بالارتفاع المتزايد لأعدادهم، إلاّ أنّهم سقطوا من حسابات الحكومات المتعاقبة التي عجزت عن وضع حلول كفيلة بتجاوز الإشكاليات الاقتصادية والاجتماعيّة منذ عقود، سكّان “مدن الموت” صورة أخرى مختلفة عن الصورة النمطيّة التي يتم إشهارها لمصر.

“لا شيء يربطنا بالدولة”

في الأيّام الأولى لهروب الطاغية التونسي زين العابدين بن علي فارا إلى السعوديّة إثر ثورة تفجّرت في البلاد، عجّت شبكات التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزات بصور المدن المهمّشة والمنسيّة التي ظلّت لسنوات تعاني من الحيف والفساد الذي نخر البلاد ومن السياسات التي تناستهم.
نفس المشهد التي تمّ بسرعة محوه من ذاكرة التونسيين لغايات مختلفة في وسائل الإعلام، عاد ليطلّ مجدّدا أيّاما قليلة بعد إقدام مجموعة إرهابية غادرة على اختطاف الشاب مبروك السلطاني وقطع رأسه في منطقة “دوّار السلاطنيّة” المحاذية لجبل المغيلة في وسط البلاد.
نسيم السلطاني، ابن عم الشهيد مبروك، حضر إلى إحدى التلفزات الخاصّة واختلطت دموعه بمأساة قصّة سكّان المنطقة صارخا: “لا شيء يربطنا بالدولة سوى بطاقة التعريف الوطنيّة”.
ما ورد على لسان نسيم، صحيح فعلا، وينسحب على عدّة مناطق أخرى، ففي “دوّار السلاطنيّة” نحو 25 عائلة تعيش تحت سفح جبل “احتلّه” الإرهابيّون، بلا ماء ولا كهرباء، ولا حتّى طريق معبّدة. أمّا عن المدرسة وبقيّة المرافق فصاحب الحظ من تمكّن من وصولها مرّة.
هناك في دوّار السلاطنيّة تغيب الدولة في الواقع، وتغيب حتّى عن أذهان السكّان الذين لم تقبلهم المدن ولا تركتهم عصابات الإرهاب يعيشون بعيدا عن الكاميرا التي زارتهم مرّة وعادت لتتجاهلهم بسرعة وهم الخطّ الأوّل في مواجهة الإرهابيين.

طوابير الفقر في السعودية

في بلد الذهب الأسود المملكة العربية السعوديّة، ورغم التكتّم الشديد للسلطات على نسب الفقر إلاّ أن مؤشّرات كثيرة ظهرت بشكل من الأشكال لتكشف مفارقة رهيبة أكّدها المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان فيليب ألستون الذي تحدث خلال زيارته السعودية في أفريل 2017 عن مشاهدات “صادمة”.
على شبكة “يوتيوب” عدد من الفيديوهات تظهر أن محافظات مثل “عسير” و”جازان” و”نجران” تعاني من ارتفاع نسبة الفقر مقارنة بمحافظات أخرى، وهو ما يشير إلى وجود فوارق كبيرة في التنمية بين المناطق في المملكة.
الفوارق كشفها بشكل غير مباشر “وثائقي” أعدّته إحدى القنوات التلفزيّة الفرنسيّة عن حياة الملياردير السعودي الوليد بن طلال وعرضت القناة طابورا طويلا أمام منزله ينتظر الحصول على إعانات ومساعدات مختلفة بسبب ارتفاع معدّلات الفقر في البلاد.
طوابير الفقراء حول قصور الأثرياء والأمراء في بلد الذهب الأسود مشهد مريع فعلا وهو ليس الوحيد الذي يكشف “المفارقة” السعوديّة، فالأحياء القصديريّة موجودة أيضا في السعوديّة أين تعاني عائلات من شظف العيش ناهيك عن الأحياء التي يقطنها العمّال الأجانب.
الوسوم

اترك رد