مجتمع

فضيحة رئيس تحرير شهير.. أسرار التحرش الجنسي في صحف مصر

نادية محمد- القاهرة- مجلة "ميم"

 

الصحفيات في مصر والوطن العربي، لا يواجهن متاعب مهنية فقط، بل يمتد الأمر بهن إلى متاعب إنسانية وأخلاقية، تتمثل في تعرضهن إلى التحرش الجنسي؛ اللفظي والجسدي.

هذه المعاناة حقيقية، لا تحدث في عالم موازٍ، تعيشها الصحفيات العربيات يوميا، بعضهن قد يصرخ بينما لا أحد يسمع، وهناك من تختصر الطريق وتلتزم الصمت حتى لا تخسر وظيفتها.

آخر الدراسات التي أعدتها “الشبكة العربية لدعم الإعلام”، والتي حملت عنوان “رؤية الصحفيات المصريات لأنفسهن من واقع ممارستهن المهنية”، كشفت عن صدمة كبيرة، وهي أن أكثر من 35% من صحفيات مصر يواجهن التحرش خلال العمل، واحتل التحرش اللفظي نسبة أكبر من التحرش الجسدي.

الدراسة التي أجريت على 100 صحفية، كشفت عن أمر آخر وهو رغبة 14% منهن على ترك الصحافة والبحث عن وظيفة أخرى؛ إذ أنّ مدى قبول المحررة الصحفية للتحرش من عدمه، بات يتحكّم في قرار النشر الذي يملكه المسؤول عن التحرير، فإذا تقبَّلت يمكن أن تجد موضوعًا لها منشورًا على صفحة كاملة، وإذا رفضت، ربما تجده ملقى في سلة المهملات باعتباره موضوعًا تالفًا.

 

ماذا يحدث في صالات التحرير؟

فجرت الصحفية منى يسري قصتها مع التحرش داخل إحدى المؤسسات الصحفية القومية الكبرى في مصر؛ إذ قدمت بلاغا إلى النائب العام ضد رئيس تحريرها، ونشرت تفاصيل الواقعة على صفحتها الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”.

 

 

ذكرت “منى” أنها ذهبت إلى رئيس تحرير الصحيفة الكبرى بعد أن عرض عليها العمل وأن تأتي له بأفكارها الصحفية لتقدمها إليه، لكنها فوجئت بمعاملة غريبة، ومبادرة بالأحضان منه رغم أنه يراها للمرة الأولى.

قالت منى إن مبادرته بالحضن والقبلات حملت طابعا جنسيا، ما اضطرها إلى أن تدفعه، وأحست بفزع شديد، لكنه حاول تهدئتها، ووعدها بالتعيين بمرتب مجزٍ، وعندما همت بالخروج كرر ما فعله في بداية المقابلة، وحاولت أن تصرخ، لكنه كتم صراخها.

وأكدت الصحفية الشابة بعد ذلك، أن هذه الحادثة قد عرضتها إلى صدمة واكتئاب أودعها المنزل لعدم الرغبة في رؤية أحد لأيام حتى تعافت من الصدمة وقررت التقدم ببلاغ للنائب العام بعد أن حاول الاتصال بها وإغراءها فيما بعد.

 

 

التحرش يطارد أحلام الصحفيات

لم تكن نتيجة الدراسة التي أعدتها “الشبكة العربية لدعم الإعلام” بعيدة عن الواقع؛ إذ أن ما تتعرض له الصحفيات يوميا، يقتل أحلامهن، ورغبتهن في الاستمرار والتحدي.

تقول منى يسري، إن هذه الصحيفة كانت تحلم دائما بالعمل بها، لكنها لم تتخيل في لحظة من اللحظات أن يتحول هذا الحلم إلى كابوس بمجرد أن تدخل بقدميها إلى المكان.

ليس فقط ذلك، بل إن الأمر قد يصل عدم الترقية داخل المؤسسة إن لم تقدم الصحفية نفسها لرؤسائها أو أن تتساهل معهم في المعاملة وتعطي لهم ما يريدون.

الصحفية أمنية جمال، تقول إن هذه الظاهرة منتشرة بشكل كبير داخل الصحف في مصر، وهناك صحفيات عديدات معروفات داخل كل جريدة بالخط الأحمر الذي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه، لأنهن قريبات من رئيس التحرير بشكل خاص، كما أن قدراتهن الخاصة – غير المهنية – تجعلهن دائما في مقدمة أي صورة أو إنجاز يتم تحقيقه داخل المؤسسة، بينما المجتهدات لا يجدن أنفسهن ولا التنفيس عن الموهبة الحقيقية.

وأضافت “أمنية”، أن أغلب الصحفيات في مصر يواجهن التحرش إما من داخل المؤسسة أو خارجها أو خلال التعامل مع المصادر، ما يؤثر بشكل تلقائي على نشر الحقيقة الكاملة.

التحرش الجنسي قبل النشر

تحكي سهام سعيد، وهو اسم مستعار لعدم الإضرار بالمصدر، قصتها مع التحرش الجنسي، لتكشف كيف يمكن أن تكون الرغبات الجنسية لدى البعض مؤثرة في عملية النشر الصحفي والتشويش عليها.

قالت سهام إن رئيس قسمها في الجريدة، كان دائم التلميح بإيحاءات جنسية لها، واعتاد أن يلمس جسدها بدافع المزاح بشكل غير مريح، وكان إذا صافحها يستمر في الإمساك بيدها لمدة طويلة، ما أصابها بتوتر شديد، ودفعها لتتحدث إلى رئيس تحريرها.

أضافت “سهام” أن رئيس التحرير حذره بالفعل، ووبخه لما يفعله، وطمأنها، لكنها فوجئت بعد ذلك بأن رئيس قسمها المتحرش يعاقبها برفض كل ما تقدمه، وتضييق الخناق عليها، لدرجة أنها قامت بتنفيذ تحقيق خطير عن المواد السامة في أحد مصانع المنتجات الشهيرة، فعاقبها برفضه بسبب شكواها لرئيس التحرير، كما أنه كان يتلاعب ويحرّف بعض موضوعاتها لتظهر بشكل غير لائق؛ تشكيكًا في مصداقيتها ومهنيتها.

ولفتت الصحفية الشابة، إلى أن رغبات رئيس القسم عطَّلت طموحاتها، فمن وجهة نظرها أن “الصحفية في مصر لا بد أن تعاند شهوة المصدر الصحفي وشهوة رئيس العمل وشهوة القارئ أحيانًا!”.

وتروي قصة أخرى عن طلب غريب تقدَّم به أحد مصادرها، وهو أن تذهب إلى بيته لتتسلَّم منه ورقا مهما.

قالت “منى” أنها علمت بأن هذا المصدر لديه معلومات عديدة عن أحد المواضيع المهمة، ولديه ما يثبت ذلك، لكن بشرط أن تأتي وتأخذهم منه في البيت. أصابها ظنها بقلق بالغ، وبالفعل كان ظنها في محله؛ إذ بدأ يطاردها في التليفونات ويضع بين كلماته تلميحات جنسيَّة، وعندما وبخته، قال إنه لن يعطيها ما لديه من معلومات.

نصائح للتغلب على التحرش

ما يواجه الصحفيات ليس أمرا هينا، بل معركة تقودها المرأة بنفسها، لا أحد أمامها أو وراءها وإن كانت هناك بعض منظمات حقوق الإنسان وحقوقيون، إذ قال أحمد حجاب، مدير وحدة المساحات الآمنة بمبادرة التحرش، إن الوحدة تذهب إلى مختلف المؤسسات ومنها المؤسسات الصحفية لتعليم  الصحفيات التصدي للتحرش ووضع أسس ومعايير للتعامل في مثل هذه الأمور والتغلب عليها.

يرى “حجاب” أن الصحفية يجب أن تضع حدا فاصلا وسدا منيعا بين الجميع حتى لا يطمعوا فيها ويخشونها ويسود الاحترام المتبادل العلاقات، وطالب الصحفيات بأن يسلكن الطرق القانونية دون خوف، لا لتنقذ نفسها فقط، ولكن لتخدم مثيلاتها.

وقال “حجاب” إن بعض المصادر التي تتعامل معها الفتيات قد يجد نفسه مضطرًا لعدم التجاوز، إذا ارتدت دبلة ذهبية وهمية حتى يعرف أنها مخطوبة أو متزوجة فيبتعد عنها.. وهي حيلة دفاعية مبتكرة، وفق قوله.

وأضاف أن الصحفية يجب أن تمتنع عن وجود أي مساحة لأي كلمة متجاوزة حتى لو مع طرف آخر حتى لا يمتد إليها.

بينما ذكرت فاطمة الزهراء، مدير مركز المصري للدراسات والمعلومات، أن المركز قام بدراسة عام 2012، عقب ثورة يناير، كشفت أن 11% من العاملات في الحقل الإعلامي ككل تعرضن إلى تحرش جنسي، وأن نسبة كبيرة من الفتيات إن لم يكن كلهن يصمتن خوفا الفضيحة.

وطالبت “فاطمة” الفتيات بالإبلاغ عن أي تجاوز، لتجعل لنفسها مخلبا كالقط تهاجم به من يقترب منها أو يستغلها، متابعة: “كيف لصحفية أن تخاف؟.. الصحفيات جريئات”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد