مدونات

فتيات الحلم المجهض

بقلم: منة التلاوي

“لا ينتحر إلا المتفائلون الذين لم يعودوا قادرين على الاستمرار في التفاؤل. أما الآخرون، فلماذا يكون لهم مبرر للموت وهم لا يملكون مبررا للحياة”.. إميل سيوران

منة التلاوي

 

في السابع من يونيو عام 1997، ألقت الكاتبة والمترجمة المصرية أروى صالح نفسها من الطابق العاشر، أرادت أروى موتًا مدويًا صاخبًا ضاربًا على وجه من أسمتهم المبتسرين، أروى صالح أو “هيفاء إسماعيل” الاسم الحركي الذي رافقها طيلة سنوات العمل في الحراك الطلابي خلال سنوات الحلم الآسر.

 

 

وفي الثالث عشر من نوفمبر عام 2014، شنقت الفتاة الطيبة ذات الوجه الصبوح والضحكة الطفولية زينب المهدي نفسها لتلقى حتفًا وحيدًا صامتًا تغيب عنه الضجة والاهتمام بعد أن عزلت نفسها عن كل وسائل التواصل وحالت العزلة بينها وبين الجميع.

زينب المهدي

لم يكن حتف الفتاتين هو الملمح الوحيد المشترك بينهما، بل تشاركتا الحلم والصبر والبشاشة والقوة والانطلاق والأهم من ذلك كله القدرة على الحلم حتى الفناء فيه والرغبة في تشكيل واقع يشبه ما أمن به.

 

وقفت أروى بشعرها المتماوج وعينيها المتقدتين بالشغف تهتف بين حشود الطلاب مطالبة بإعلان الحرب على إسرائيل ومعاقبة المتسببين في النكسة، بينما كانت زينب بلفة خمارها المميزة وعينيها الوديعتين تهتف من قلب الميدان بإسقاط النظام.

 

وفيما انغمست أروى في الحراك الطلابي حتى النخاع، نذرت نفسها للسيل الجارف المؤمن بقوة الطلبة وعظمة تأثيرهم. صدق الطلاب حراكهم لدرجة أعمتهم أن يروا إمكانية كسر انتفاضتهم تلك، راهنوا على شعب لم ينصرهم ليس لأنه لا يملك لهم نصرًا وحسب، بل لأنه لم يفهم تمامًا حقيقة مطالبهم، ونذرت زينب نفسها للحراك الثوري، وجدت ضالتها في الثورة وتنامى يقينها بقوة الشعب ورفقة الميدان.

بينما تهتف أروى ورفاقها بكرامة الوطن، يحاول النظام  تسفيه المعركة، فيغدو مطلب الطلاب هو إستعادة كرامة النظام لا الوطن، فالوطن الذي طالب رفاق أروى بإستعادته هو الوطن الكبير، والانتصار الذي استعاد به النظام كرامته هو انتصار سياسي باهت دحرته معاهدة السلام حتى أن أروى في كتابها “المبتسرون” تذكر نصر أكتوبر كصفعة تلقتها الحركة الطلابية، فالشعب الذي خاض الحرب ليكون ندًا لأمريكا انتصر ليكون معاهدًا لإسرائيل.

 

فقد الحراك الطلابي بوصلته وأعمل فيه القمع وتفرق الرفاق ولم تعد تجمعهم غاية واحدة واضحة، وبدأ الحراك الكبير في التفتت مخلفًا محاولات تكتل صغيرة لأيديولوجيات بعينها، وتفرق رفاق زينب وورث الميدان قوم وتخلف عنه آخرون، وأعقب المطلب الكبير المُتفق عليه مطالب أيدها البعض وأنكرها غيرهم، حتى أصبح رفاق الأمس أعداء اليوم وتفتّتت الكتل والتحمت معركة إثر معركة وتساقط الرفاق وأعيتهم المعارك.

آثرت أروى الإنعزال وقعدت مقاعد المتفرج وهي ترى سطوة النفوذ وأمارات الإنفتاح على وجوه وقلوب رفاق الأمس، ومغنمًا يتبع مغنمًا، أصبح مناهضو الترف هم متبعوه ومتحدّي الفساد هم مريدوه، واختارت زينب بطلها الذي تخوض المتبقي من المعركة تحت لوائه، فانضمت إلى الحملة الرئاسية للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح.

أخلت أروى الساحة السياسية مقرة بهزيمتها والتحقت بالمعترك الثقافي ككاتبة ومترجمة، ولأنها آمنت أن ما مر به جيلها حري بالتسجيل والتوثيق، وأن التاريخ ملك للأجيال اللاحقة، فراحت تدون كتابها “المبتسرون” موثقًا لمسارات الحركة الطلابية من النشوء والفتوة حتى الهزيمة والشتات، وكان المبتسرون كتابا صداميا من الطراز الأول، كان بمثابة زفرة تزفرها أروى في وجه كل خلل عاشته.

 

كانت حكايتهما أشبه ما يكون بانتحار الياسمين أو موت النجمات التي تتساقط من سمائنا ومازلنا محتاجين إلى ضوئهن، كانتا أنبل من أن يستمرا، ولكننا أضعف من أن نتحمل فقدًا بعد فقد.

 

أما عن زينب، فقد تركت “الجمل بما حمل” وانكبت على نفسها وخاضت معاركها الشخصية الخاصة التي لا يعلم عن مغانمها ومغارمها إلا القليل، اعتزلت زينب العمل العام لوقت ليس بالقليل، ولأن نبل قلبها لم يطغ عليه شيء ولم ينجح أمر في تدنيسه، نذرت زينب نفسها من جديد للعمل الحقوقي على ملف حقوقي يوثق حالات الإعتداء على الفتيات بالاعتقال والسحل والاختفاء القسري وغيره من الأمور.

تشاركت الفتاتان محاولة النجاة ذاتها ما بين العزلة والاختفاء والحديث الذي يرد فيه التفكير في الانتحار، وحتى المبالغة في التزين في حالة أروى وخلع الحجاب ثم إعادة إرتدائه في حالة زينب.

شبت عداوة رفاق أروى لها بسبب ما ذكرته عنهم فيما كتبت، واحتدت ألسنتهم في سبابها والوشاية بها، وتخلت رفيقات زينب عنها حين خلعت الحجاب ولم يشفع لها عندهم أنها عادت إليه لتبقى أمنيتها الأخيرة أن تحضر درسا دينيا كما كانت تفعل في السابق، وأن لا تسمع اتهاماتها المتكررة بالكفر.

ودّعت كل منهما الحياة بالطريقة نفسها تقريبًا، تشابهت أقوالهما الأخيرة ورسائلهما، وربما حملتا من الشبه ما لا نعلم، فكان آخر ما أوردته أروى في مكالمة هاتفية لصديقة لها: “موتي سلاحي الأخير ضد المبتسرين وناقصي التكوين”، وآخر ما كتبته زينب: “تعبت.. استهلكت.. ومفيش فايدة! كلهم ولاد كلب واحنا بنفحت في مايه، مفيش قانون خالص هيجيب حق حد بس احنا بنعمل اللي علينا، اهه كلمة حق نقدر بيها نبص لوشوشنا في المرايه، من غير ما نتف عليها، مفيش عدل وانا مدركه ده و مفيش اي نصر جاي.. بس، بنضحك على نفسنا عشان نعرف نعيش”.

 

كانت حكايتهما أشبه ما يكون بانتحار الياسمين أو موت النجمات التي تتساقط من سمائنا ومازلنا محتاجين إلى ضوئهن، كانتا أنبل من أن يستمرا، ولكننا أضعف من أن نتحمل فقدًا بعد فقد. وما نملك إلا أن نحكي سيرتهن ونقول كانتا هنا وهزمتا بالأمل، أرادتا إشعال المصابيح فاحترقتا في ضوئها، علّ رحمة الله أن تدركنا وإياهما.

منة التلاوي

كاتبة مصرية وقارئة تملك أجنحة من حبر وورق

 

كل المقالات المنشورة تعبر على آراء أصحابها، لا عن توجهات المجلة ومواقفها بالضرورة 

مقالات ذات صلة

اترك رد