ثقافة

المسرحي التونسي إكرام عزوز: مسرحية “سيلفي” دافعت عن الفقراء وفنّدت اتهامهم بحاضنة الإرهاب

فاضل الجعايبي فشل في "تسونامي" لأنه تسرّع في الحكم على مسار كامل

 

احترف إكرام عزوز المسرح وعاش فيه، ومن خلاله تمكن من إثبات قدراته الفنية الكبيرة. وهو يؤمن باستقلالية المثقف من أجل رؤية مختلفة للأوضاع. ويرى أنّ المثقف باعتباره صوت الصدق والحقيقة داخل المجتمع، أصبح عملة نادرة في تونس.

تحدث إكرام عزوز، العائد مؤخرا بجائزة دولية من المغرب عن مسرحية “سيلفي”، في حوار مع مجلة “ميم” عن الوضع الثقافي في تونس ما بعد الثورة والحلول التي يجب اتخاذها لاستثمار مناخ الحريات وإحداث النقلة المطلوبة.

 

توجت مسرحية “سيلفي”، مؤخرا، بجائزة أفضل عمل في المهرجان الدولي لمسرح المنودراما، بآيت ملول بالمغرب، ما هو ملخص هذا العمل؟

مسرحية “سيلفي”، نص أحمد عامر، اقتباس وإخراج طاهر عيسى بالعربي، وتمثيلي، وهي عمل مونودرامي يحكي قصة عامل نظافة وجدوا تحت عربته قنبلة موقوته، اتهم بالإرهاب وتم التحقيق معه. فتناولنا معاناة هذه الفئة، التي تعتبر نفسها تحت الصفر، وبلغت بعد الثورة مرحلة الصفر فاستكثر عليها الناس ذلك.

ومن خلال يومياته نكتشف أنه لا يمكن لعون النظافة، “مرغاد”، أن يبيع وطنه رغم الحاجة المادية. وفنّدنا القول إن الفقر هو الحاضنة الشعبية للإرهاب في تونس.

وأثبتنا أن الفقراء هم الفئة الأكثر وطنية، ولا يمكن أن يكونوا حاضنة شعبية، ومن يمثل هذه الحاضنة هي بالضرورة فئة باعت ذمتها، ولا علاقة لها بالوطن ولا بالأخلاق ولا الدين ولا الانتماء.

الآراء متعددة حول مسألة الإرهاب، وتناول كثيرون هذا الموضوع، ولكن أين الحلول التي على المثقف أن يقدمها؟

الأطروحة التي قدمناها في المسرحية مختلفة عن أطروحات السياسيين، لأن السياسيين يستعملون قراءة معينة لخدمة مصالحهم تقوم على أن الطبقة الفقيرة هي حاضنة للإرهاب. والمثقف الذي لا يملك انتماء سياسيا سيحكم وفق ما يشاهده، إضافة إلى كونه شخصا ملاحظا للحياة الاجتماعية بشكل مكثف.

وعلماء الاجتماع أيضا لم يدلوا بدلوهم كما ينبغي بعد الثورة، فكل ما طرح كان في شكل تخمينات وراءها أهداف لمحاربة فئة على حساب أخرى، لذلك إن لم يكن المثقف مسيسا سيكون طرحه مختلفا. وأحلم أن تقع لقاءات حقيقية، يتم خلالها تدارس الظاهرة لأنها متشعبة ومتداخلة.

أنت إذن ضد انخراط المثقف في السياسة؟

أنا ضد تسييس المثقف، وخاصة المثقف الفنان، لأنه صوت آخر خارج السرب، يساعد المجتمع على المراجعات، وإذا اصطف مع الأحزاب سوف لن نجد الصوت المختلف، فمن الأفضل أن يبقى صوت الصدق وصوت الحقيقة داخل المجتمع، وهذه عملة نادرة في تونس.

اليوم، هناك بعض المتسلقين في مجالات ثقافية لا يفقهونها مما جعلنا نتساءل، من هو المثقف الفنان في تونس؟ وحتى في صفوف الأدباء يوجد أشخاص لم يقرؤوا يوما ولديهم منشورات ودواوين شعرية ودراسات، ومثلهم لدينا مسرحيون، حيث كنت في لجنة مشاهدة تابعة لوزارة الثقافةـ وشاهدت أعمالا يندى لها الجبين.

مشهد من مسرحية سيلفي

ما سبب غيابك عن الدراما في تونس؟

بل غيّبونا عن الساحة، ارتبط وجودي في الأعمال الدرامية قبل الثورة مع بداية قناة 21 (القناة الوطنية التونسية الثانية حاليا) التي أعطتنا مجالا من الحرية من أجل الإبداع، فظهرت أعمال على غرار “عم فرج، والسانية…” وكنا نصنع ربيعنا بأيدينا.

ثم جاءت مرحلة الكاستينغ، بالتنافس على مشروع تلفزي، يقع خلاله دعوة الممثلين أين يصبح المخرج “فرعونا آخر”، باختيارات غريبة، وفق ميولات معينة دون مراعاة جانب أخلاقيات المهنة. وأضحى الاختيار أشبه بأهواء شخصية لمؤسسات ومخرجين ذوي رؤية معينة.

وفي غياب حركة درامية بأتم معنى الكلمة، كثر الحديث عن مشاكل الشباب بما تحمله من إثارة، وتم تغييب جيل كامل وصورة درامية مكتملة.

 هل أثر ذلك في هوية المثقف الفنان؟

في السابق لم يؤثر مقارنة باليوم، إذ كانت لنا حركة سينمائية أجنبية هامة جدا في تونس، بأثمان مرتفعة وقيمة فنية كبيرة. من بينها فيلم، “حرب النجوم”، الذي أدخل إيرادات بمئات المليارات للبلاد.

على السياسيين البحث وإيجاد حلول لهذا الإشكال، بعد أن عزفت الشركات المنتجة عن المجيء لتونس، خلال فترة عرفت فيها البلاد مشاكل أمنية، ووجب العمل على إعادتهم وفتح فضاءات ثقافية تونسية أمامها على غرار مهرجان قرطاج السينمائي الذي يجب استثماره لاستيعاب هؤلاء المنتجين وإنعاش الحركة الثقافية.

هل عجزت الثورة عن تقديم الجديد؟

الثورة لم توجد لتقدم الجديد، هي إنذار استفاقة لشعب حقق العديد من الأشياء بفضل الحريات، حتى الذين يتحدثون بسوداوية في بعض الشاشات، يكفي أن هناك فضاءات وفرت لهم ليعبروا عن ذلك.

حققت الثورة كل أهدافها نحو المعنى، يبقى تكريس مفهوم المواطنة وكيفية استثمار الحريات، نحن الان في مرحلة صعبة وإذا لم نع ذلك، لن نصل إلى الطفرة النوعية. وهذا ليس ذنب الثورة ولكن ذنب المواطنين الذي عليهم التخلي عن الألوان السياسية والقوالب الجاهزة.

انتقد العديد من المثقفين المركزية الثقافية في تونس، هل تعتبر أن مشروع مدينة الثقافة في العاصمة قادر على تقليص الهوة وتكريس التمييز الإيجابي بين الجهات؟

التميز الإيجابي قبل الثورة قد يكون أفضل، لأن الشعارات لم تحدث قرارات، الدخول إلى مهرجان قرطاج أو الحمامات اليوم باتا منحصرا في مستوى طبقة الأغنياء الذين يتمتعون بحقوقهم كاملة، دون الالتفات إلى الطبقات المتوسطة والفقيرة العاجزون عن المساهمة في ميزانية هذه المهرجانات التي تقتطع من رواتبهم.

وبالنسبة إلى مدينة الثقافة، هذا أقل ما يمكن أن ننجزه اليوم في تونس، لا يجب أن نركز على هذا المشروع فقط، يجب أن يفكر كل محافظ داخل الجمهورية في أن ينجز مشروعا مشابها للارتقاء بمدينته، وهو شيء بسيط جدا مقارنة بما يحصل في دول، على غرار المغرب وغيرها، فالحياة الثقافية في تونس فاقدة للفضاءات وهذه المدينة وردة داخل مستنقع يجب تثمينها وتعميمها.

حسب رأيك، هل تجوز المقارنة اليوم بين تونس والمغرب على مستوى الحركة الثقافية؟

الحياة الثقافية في تونس متطورة والإنتاج من أروع ما هو موجود ولكن يجب استثماره لأننا لم نقم بأي شيء على مستوى المنتجين والدولة لاستثمارها، والعكس في المغرب، لديهم مهرجانات ومواعيد ثقافية ويجيدون التنظيم بعقلية تنموية.

 هل تحتاج تونس اليوم ثورة ثقافية؟

نحتاج دوما ثورة ثقافية، وتطور الشعوب يتماشى وتطور الجانب الثقافي والتعليمي، لأن الثورة الثقافية تستطيع أن تصنع مواطنا واعيا قادرا على اتباع خطوات الإنجاز في بلاده، وفي غيابه لن نستطيع التقدم حتى وإن حضرت الإرادة السياسية.

الإنتاجات الفنية ما بعد الثورة،  هل عكست حدث الثورة أم كانت مجانبة لها؟

هناك من تعامل بشكل سلبي من خلال السرعة في الحكم على المسار، وهناك من استغل الحريات من أجل كسر التابوهات وأنتجت أعمال رائعة، لكن ظهرت أعمال أخرى موجهة سياسيا وحتى طرحها كان رديئا، مثل فاضل الجعايبي القامة المسرحية الذي أخرج “العنف” و”الخوف”، فشل في “تسونامي”، وهو عمل لا يرتقي إلى مستواه لأنه تسرع في الحكم على مسار كامل، وأراد اتخاذ موقف من سلطة معينة في تلك الفترة فسقط في الاستسهال.

ولكن هناك أعمال فنية مشرفة، في المجال الثقافي والدرامي، القادر على إدخال أموال طائلة للبلاد، بالعمل الجدي والاستثمار فيها.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.