منوعات

ابن العوام الإشبيلي.. رائد علم الفلاحة

الطيب صياد- الجزائر- مجلة ميم 

تقول الضَّيْعةُ لصاحبها: “أرِني ظِلَّكَ أعْمُرْ”، كان هذا المَثَلُ العربيُّ ضمن المقدِّمة الرائعة التي سطرها ابنُ العَوَّام الإشبيليُّ (نحو: 580هـ/ 1185م) في كتابه “الفلاحة” الذي يُعَدُّ من الكُتُب العربية الرائدة في التأصيل لهذا العلم الذي يُعرف حاليًّا باسمه اللاتينيِّ (Agronomy)، وقد كَتَب ابنُ العوَّام في موسوعته العلميَّة هذه عن أكثرَ من 580 نبتةً طبِّيَّةً وغذائيَّة بالتفصيل، كما أنه سبق إلى آليَّاتٍ تطبيقيَّة في هذا العلم من بينها: الرَّيُّ بالجِرار (وهو ما يُعرَف اليومَ بالريّ بالتنقيط)، والمَشارِق المُكَنَّة (ويعنَى بها في عصرنا البيوت البلاستيكية).

أما عن صاحبنا ابن العوَّام، فليست هناك ترجمة مفصلة عنه، وما يتوفر لدينا من مصادر يُتيح معلومات قليلة عن هذه الشخصية العلمية، فهو يحيى بن محمد أحمد بن العوَّام الذي عاش في القرن السادس الهجري بمدينة إشبيلية (Sevilla) إحدى أهم المدن الأندلسية، وتسمى عروس الأندلس.

كانت ولادة ابن العوام خلال بدايات القرن السادس للهجرة، تلك الحِقبة كانت مريرة جدا على إشبيلية التي فُتحت على يد القائد موسى بن نصير سنة 94 هـ أي بعد سنتين فقط من دخول الجيش الإسلامي شبه الجزيرة الإيبيرية، واتخذها عبد العزيز بن موسى بن نصير عاصمة لدولته بعد وفاة والده، ثم نُقلت العاصمة إلى مدينة قرطبة بعد ثلاث سنوات من ذلك، لتبقى إشبيلية محافِظةً على ذلك الرونق الأول للفتح وباتت عاصمة للثقافة الأندلسية، وتزيَّنت ببناء أحد أكبر المساجد بالأندلس عام 214 هـ على يد القائد الأموي عبد الرحمن الأوسط، ولكن ما لبث ذلك المسجد حتى أُحرق على أيدي الغزاة النورمان الذين تلقوا هزيمة ساحقة بعد ذلك من طرف الجيش الإسلامي في ناحية شمال مدينة إشبيلية تسمى طُلياطة، بقيت عروس الأندلس ناعمة تحت ظلال المسلمين رغم تعاقب كثير من الدول عليها كدولة المرابطين ثم الموحدين، إلا أنها خلال القرن السادس للهجرة بدأت تتعرض للضعف مع وفاة الأمير يعقوب الموحدي الذي كان يلقب بالمنصور، مما جعل أطماع الغزاة المسيحيين تتزايد صوب المدينة حتى سقطت عام 646 هـ بعد حصارٍ دام أكثر من عام من طرف الملك فرديناند الثالث المسيحي، الذي دخلها بعد ذلك مُنْهِيًا الوجود الإسلامي بها وفاتحا لصفحة أخرى من الاضطهاد الذي لحق السكان الأصليين، والذي صار سمة غالبة على حياة الناس هنالك..

 

في تلك المرحلة من الضعف والهوان، كانت حياة كثير من أعلام وشخصيات الأندلس تتعرض لإهمال كبير بسبب الحروب والهزائم، حيث صُرفت هِمم غالبية الناس بما فيهم النخبة إما إلى الجهاد ضد الغزو المسيحي أو الهجرة إلى مناطق أكثر أمنًا سواء جنوب الأندلس حيث غرناطة أو شمال إفريقيا وصولا إلى مصر وبلاد المشرق، ولا شك أن صاحبنا ابن العوَّام، الذي هو شخصية علمية كبيرة لن يكون استثناءً من حالة الإهمال تلك، فرغم أهمية كتابه هذا ودراساته في مجال الفلاحة والزراعة وعلم النباتات، إلا أن المعلومات عنه جد شحيحة، لذا لا يمكننا أن نتعرف عن كثب على مجمل شيوخه وأساتذته الذين أخذ عنهم أو حتى مراحل دراسته وتعليمه، لكن من خلال الاطلاع على كتابه هذا، يمكننا أن ندرك جيدا الثقافة الواسعة التي كان يتمتع بها أبو بكر ابن العوَّام، فقد تميز كتابه هذا بالتجديد والتجريب، إضافةً إلى استفادته من الموروث العلمي المتعلق بميدان الفلاحة وما يرتبط بها من علوم، حيث نجد أنه يعرض ويؤصل لهذا العلم بلغة سهلة ميسورة على غالب القرَّاء حتى غير المتخصصين، كما كان له الفضل في تأسيس كثير من النظريات وتسجيل معلومات قيمة جدا تحصل عليها من خلال مطالعاته الواسعة أو من خلال تجاربه الشخصية في البستنة والزراعة، فهو يُعَدُّ أول من وضع تفصيلا علميا لأنواع التربة حسب خصائصها التركيبية، وبيَّن أن اختلاف أنواع التربة عامل كبير في اختلاف أنواع النباتات من منطقة لأخرى.

 

ويُعدُّ ابن العوام مبتكِر طريقة الرَّيِّ بالتنقيط التي لاقت رواجا كبيرا في عصرنا الحالي، بل باتت هي الطريقة الأكثر استعمالا كما يقول المتخصصون في الري والفلاحة، وقد سمى ابن العوام طريقته هذه بـ”الرَّي بالجِرار” لأنه كان يستعمل جِرارا صغيرة مصنوعة من الفخار يضعها قرب الأشجار والنباتات المُراد سقايتها ويثبِّتها بالتربة المحيطة بتلك النبتة أو الشجرة، وكان الداعي لابتكاره هذه الطريقة هو توفير أكبر كمية من الماء، وفي وقتنا هذا توفر طريقة الري بالتنقيط ما يعادل 70% من المياه، والفضل في كل ذلك يرجع لعبقرية ابن العوام.

كما يحتوي كتابه هذا دراسة تفصيلية لنحو 585 نبتة ذاكرًا لأسمائها وخصائصها وطرق غراستها وكل ما يتعلق بها، وكان له الفضل في وضع مصطلحات خاصة بعلم الزراعة والبستنة، كما أنه سجَّل فصولا أخرى ضمن كتابه تُعنى ببيان العوامل المؤثرة في الزراعة والكلام عن الطاقة الشمسية وعلوم البستنة والتقويم الزراعي وغير ذلك، ومن المؤسف جدا أن كتابه الرائع هذا لم يُطبَع طبعة عربية بل ولا توجد له إلا طبعة وحيدة نشرها الراهب “خوسي أنطونيو بانكيري – Josef Antonio Banqueri” سنة 1802، توجد بالمكتبة الوطنية بمدريد، حيث عمِل بانكيري على تحقيق الكتاب وترجمته إلى الإسبانية، وهو عمل عظيم جدا بالمقارنة مع إهمال المحققين العرب لإعادة نشر هذا الكتاب وإخراجه في طبعة قشيبة تليق بأهميته وبمكانه مؤلفه.

الوسوم

رأي واحد على “ابن العوام الإشبيلي.. رائد علم الفلاحة”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.