مدونات

أن تكسر قلبَ أنثى

بقلم: نور أبو غوش

من بيتٍ لم يمنحها كثيرَ مالٍ أو جاه، لكنّها كانت تراه غنى العالم كلّه وجاهَ العالَم أجمعه، من بيتٍ منحها الأمان وسطَ عالمٍ يضجُّ بالخوف، من بيتٍ أخبرها فيهِ والدها ذاتَ يومٍ أنّها “روحه” فظلّت تتذكر تلكَ الكلمة كلّما أحزنها أمرٌ أو قسى عليها ظرف، من بيتٍ رأتَ فيه والدتها تنبعُ حياةً وحناناً يكفيها إن نظرت إلى وجهها عن جلسات كلامٍ طويلة.

نور أبو غوش

لم يكن بيتاً مليئاً بالمشاعر أو متميّزاً عن غيره، كان بيتاً يشبه بيوتا كثيرة، يمتلئ عائلةً. من هذا البيت انطلقت للعالم متعلِّمةً فموظفةً، إلّا أن هذا العالم كان مختلفاً عمّا وجدت عليه بيتها، وكان الرجال فيه مختلفون عمّا رأت عليه والدها، وبينَ هذا وذاك كانَت تجزع من أن يرى عليها والداها حزناً، أو أن يملح قلباهما عليها كدراً.

تقول: في اللحظةِ التي أرسلَ لي خبراً بأن علاقتنا قد انتهت وأنّه “مضطرٌ” لاختيار طريق آخر، وأنّي أستحقُ مَن هو أفضل مِنه، وأنّ الظروف “أجبرته”؛ تذكرتُ كلّ ما سبق، تذكرتُ المنعطفَ الذي رضيتُ أن أكمل عمري فيه معه، تذكرتُ دعائي للهِ بأن يكونَ أماناً وسكينةً وقراراً، كنتُ أقرأ ما أرسله ولا أجدني إلّا ألهجُ بدعاءٍ عليه.. نعم! دعوتُ عليه وبحرقة!

أنا التي علمني والداي كيف أتمنى للعالمِ الخير والسلام، إلّا أنّي في اللحظة التي قرأت رسالته تذكرت السنين التي جمعتني به على حلو الأيام ومرّها، تذكرتُ كلماتي له وأنا أطمئنه بأنّي سأصبر على مزيدٍ من الوقتِ خطبةً قبل الزواج حتى يعودَ من سفره وقد حقق طموحه الذي أراد، تذكرتُ استوداعي لهُ في المطارِ بدموعٍ حاولتُ أن أدثرها حتى لا يقلق عليّ في غيابه.

تذكرت الكثير وأنا أقرأ رسالته التي أرسلها لينهي علاقةً كانت بخير إلى أن اشتدّ عوده فشعر أنّه يريدُ شخصاً آخر، ببساطة كان سببه الوحيد “ظروف”، وفعلياً كان سببه أنّه تعرّف في غربته على أخرى، كنتُ – ولا زلتُ – اؤمن بالنصيب وقضاء الله وقدره وأدرك أن الله يختار لنا الخير، لكنّي شعرتُ بكسرٍ لسبب، لم أتمالَك حقيقةَ أنّه تغافل عن وعده وسنيني ببساطة وكأن شيئاً لم يكن وبلا سبب يستحق.

أكملتُ حياتي بعد ذلك قويةً مستندةً على ما ربّاه والداي في قلبي، حاملةً معي بُغضاً لا يعلمُ به أحدٌ إلّا الله لِمَن استهان بأن يكسر قلباً وثق به ووقف معه وصدّق وعده وكلامه. أكملتُ حياتي بعد ذلكَ مُدركةً أنّ الله لا يتركُ مَن ظُلِمَ دون جبرٍ له.

 

أن تكسر قلب أنثى يعني أن تعمَدَ إلى أمانةٍ أوكلكَ الله إياها فتعيث بها فساداً، فأي قدرةٍ لكَ بعدَ ذلك على أن تقف بين يدي الله؟

 

بقيَ يقيني بالله موجوداً حتى رأيته يوماً في أحد الأماكن فجأةً، كان في كاملِ أناقته وانطلاقه، يحدِّث الناس ويكلّمهم بحيويةٍ عجيبة. خسرتُ لوهلةٍ يقيني بالله، كيفَ نجح في عمله؟ كيف تبدو السعادةُ على وجهه؟ كيف يضع الله له هذا القبول في أرضه وبين خلقه؟

بعدَ أيامٍ من الحادثة، وجدتُ رسالةً تصلني على بريدي الإلكتروني منه، يبدو أنها الوسيلة الوحيدة التي لم أحظره عنها، عزمت مسحها قبل قراءتها لكنّ شيئاً حثني على عدم فعل ذلك، تعجُّ كلماته بطلبِ السماح، يخبرني كيف أنّه زار أشهر الأطباء بحثاً عمّا يهدئه ويقلل حالة الأرق التي أصابته، يخبرني كيف يرافقه الشعور بالذنب في كلّ كبيرٍ وصغير، كيف يشعر بأن هناك “خطيّة” إنسان في عنقه.. حقيقةً لم تكن الرسالةَ إلّا طمأنةً لقلبي بأنّ الله لا يكل عباده، وأنّ مَن استطاع كسرَ قلبٍ وثقَ به، فإنّ الله لن يدعه دونَ أن يقتصَّ منه. انتهى إلى هنا حديثها الذي اختلطَ بدموعها منذ ابتدأته.

أن تكسر قلب أنثى يعني أن تعمَدَ إلى أمانةٍ أوكلكَ الله إياها فتعيث بها فساداً، فأي قدرةٍ لكَ بعدَ ذلك على أن تقف بين يدي الله؟ يوصي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – النّاس بالنساء قبل موته، عالِماً أنَ المرأة على مرِّ العصور والأزمان هي المرأة، كالزجاج الذي يحتاج رفقاً عند الحمل أو الحركة حتى لا يُخدَشَ أو يُكسَر؛ فإنّه حتى وإن حاول أحدٌ إصلاح هذا الكسر إن حدث أو تغطية هذا الخدش، فهناك علامة فارقة تبقى.. قد تتجاوز المرأة وقد تكمِلُ عمرها بصورةٍ أقوى، وقد تتعدّى كلَّ المرحلة وتمضي، لكنَّها لا تنسى مَن منحها الأمان ثم سلبه، مَن منحته الثقة فخانها، مَن أرادته سنداً فكان الكسر منه. وهي إن نسيت أو تجاوزت؛ فإنَّ الله لا يدعُ حقاً دون ردِّه، ولا يتركُ ظلماً دون قسمه، ولا يكلُ عبداً دونَ رزقه.

إنّ كلّ فتاةٍ هي طريق الجنةِ لأحد الرجال، أمّاً كانت أو أختاً أو ابنةً أو حبيبةً، فهنيئاً لمن أدرك الطريق فحفظه وصانه وأحسنَ إليه. ويا بؤسَ مَن فرّطَ في حقهنَّ فخابَ وخسِر.

 

نور أبو غوش

مدونة من الأردن، تكتب في القضايا الاجتماعية

الوسوم

رأي واحد على “أن تكسر قلبَ أنثى”

اترك رد