مدونات

بين الرصد والروك يضيع أمل

في الشرق تتوزع أشلاء البشر وطموحهم وأحلامهم، وفي الشرق يؤدّي العالم ما لذّ له وطاب من أدوار، والشرق مسرح واسع لأطماعهم وأحزاننا.

الشرق مثل القطط، تارة تفترسها الكلاب وتارة تأكل بعضها البعض، وتارة تتغذّى على أبنائها. أيعقل أن يُعشق الشرق لهذا الحدّ؟ ويجوع الشرق لهذا الحد؟ ويجنّ الشرق إلى هذا الحدّ؟ أيعقل أن نموت نحن؟ لأجل أن يعيش في مسمعهم ذاك اللحن! لحن الموت حين يراقص أشلاء السكان وفساتين المدن.

في الشرق كنت أنا وكنت أنت، كلانا لم نكن نعلم أنّنا سننحرف عن المسار الذي تشرق منه الشمس، أجل، لقد كانت الشمس دوما تشرق من الشرق، هذا ما آمنّا به منذ الطفولة وتغنّينا به منذ الأزل وغرّدنا له دونما ملل أو كلل، كنا يومها لا نفقه من الحياة شيئا سوى اللعب هناك في الشوارع حيث المطر يعلّق ثغورنا في الفضاء، هنالك حيث كنّا نسرق الماء من ثغر السحب، هناك بين الشجر حيث عقدنا القران بين شجرتين لتصنعا لنا أرجوحة تتدلّى فيها أرواحنا. لم نكن نتأرجح إلّا لأجل أرواحنا المسافرة في قوس قزح، يوم كنّا نتساءل عن هويّة قوس قزح ونشرح ماهية القوس في مادة دراسة الوسط. ها نحن اليوم ذا قد كبرنا ولا زال العطش للأرجوحة يتملّكنا.

 

لم أكن يوما أتصوّر أنّنا سنغادر حياتنا البسيطة إلى قصر مشيّد بالحزن يدعى الشباب، ولم أكن يوما أدري أو أتصور أنّني في يوم ما سأطارد ظلّ الشرق لأطرد منه شبح العادات البالية والموت البارد.

لم أكن يوما أتصوّر أن يصنع الشرق في روحي تاريخا لا يتطوّر، تاريخا لا يتقدم إلى الحياة ولا هو إلى الماضي الجميل يتأخّر.

كم مرّة قلت لك أنّني رغم قوّتي أخاف، وأنّني رغم خوفي أقوم كالساعة ولا أتراجع أبدا، ولا أخلف وعدا قطعته نفسي على نفسي. كم مرّة قلت لك أنّني كثورة أوّل نوفمبر لا أنتظر من “مصالي الحاج” أن يصادق على اندلاعي، ثورة أنا كالشباب لا أخسر إن أنا واجهت، ولا أتراجع إن أنا اندفعت وسأفوز كما فاز شباب الفاتح من نوفمبر.

 

الناي منّي والألحان منّي والقصيدة، هم يتوزعون كالعادات والتقاليد على الغجر وعلى الحضر وعلى الشجر وينشرون الأحاديث وينشرون الآيات على الرفوف ثمّ يغادرونها.

 

كم مرّة أخبرتك أنّنا في الشرق متمردون بأحلامنا، وأنّنا سنقضي ما تبقى من عشريناتنا وأعمارنا غجرا، وأنّ الحياة ستهدينا بدل الشجرتين أربعة فصول والآلاف من المواسم نتأرجح فيها حسب الرفض والنفي والحزن، واخترنا الغربة والحزن، فقد علمني علماء الغرب أنّ الحزن يحقق الاتّزان الانفعالي، وما كنت أتخيل أن في الشرق لن يحقق الحزن إلّا الأمراض العضوية والألم.

كم مرّة أعلمتك أنّني امرأة تشدّ يد الوهم لتقوى، وكم مرّة نهيتك أن تشدّ يد الوهم فتنكسر وحدك، كم مرّة نبّأتك أنني كالطفل المتوحّد إذا ملّكتني شيئا تعلقت به ورفضت عنه بديلا واختل تفاعلي الاجتماعي وتواصلي اللفظي والعيني، وكرّرت حبّ الشرق في روحي، وإذا لزمت مكانا صعب عليّ مفارقته وكم يصعب عليّ الآن أن أرى الشرق في داخلي يشرق من الغرب، كم مرّة أخبرتك أنّه سيأتي يوم عصيب على الفلاح ويوم كئيب على الزرع في شرقنا الجميل حيث لا تشرق الشمس بفرح ولا ينير القمر بسرور، حيث لا يطلع كلّ واحد منهما إلّا وعلامة الحزن مرسومة في وجهه كوجهينا نحن وكقلبينا نحن.

 

في الشرق حيث نحن، توجد الكثير من النسخ التي لا تشبه بعضها ويوجد الكثير منها تشبه بعضها البعض، البعض يتشاجر والبعض يتآخى والبعض الآخر يُنفى وها نحن بأحلامنا ننفى، وها أنا بين سطوري أشرّد.

ولأنّ هذا القلب يعزف موسيقى الأحزان التي تعصرها العقلية الشرقية يعتقدون أنّه مصنوع من الخيزران، وتتخلله تسعة ثقوب يبني بها كل واحد للجرح هوية، لا هي إلى بابل انتسبت ولا إلى مصر ولا حتى أصفهان، لأنّ هذا القلب استقرّ على مقام البيات و رسى إيقاع نبضه الهادئ لدى الشجن يجمعون له ما لم يتّعظوا به من الأحاديث والآيات ليبعدوه عمّا خلق له. ناي من لحم ودم تماما مثل البشر يجوع ويتألّم. الناي لي والنغم لمسمعي وبقايا الشجن يوزعها كالسعادة الوهمية في أوراق الحلفاء عليهم هذا الزمن.

الناي منّي والألحان منّي والقصيدة، هم يتوزعون كالعادات والتقاليد على الغجر وعلى الحضر وعلى الشجر وينشرون الأحاديث وينشرون الآيات على الرفوف ثمّ يغادرونها. اليوم ينطق آباؤهم الأولون، اليوم يتربّع على عرشه القانون ليأمرنا بهذه المادة وذلك البند. بالله عليك أعطني الناي واتركني مع فيروز نرتشف النهاوند. الناي منّي وشجني من الناي يغنّي، أعطني الناي ودعني مع زرياب في غرناطة وقرطبة أدندن موشحات الأندلس وأصعد سلّم الموسيقى الصغير الذي يفصلني عن الشجن، هناك حيث أنا وهم نناقش تمردّي في صحن دار فؤادي.

 

لا المقام عندهم مقام رصد ولا هو نهاوند، ليس لديهم غير صخب الروك يرفع ضغط ووجع الحجاز على سلّم الشرق الموسيقي، شرقيون لم يرثوا عن البيات والنهاوند والرصد والحجاز أنغام قلبها ورصانة عقلها وهدوء طبعها، شرقيون هم لم يورّثوا عدا موسيقى الروك الصاخبة التي أبحرت إليهم على متن سفن العم سام والعم جون، شرقيون هم كالطبل والدف وكالجرس والبوق، كلّ منهم طبل يدّعي أنه بطل، نعم أبطال هم في حفلات الجهل التي يحييها أهالي القرية عند عتبة زاوية رجل صالح وضريح شيخ راشد، صاخبون هم كأنغام متصاعدة هناك في ليالي مدينة “ميلانو” وكليالي “براديزو” الهاربة إلى شوارع أمستردام.

مخيفون هم كأفلام توب موفيز وكمغارات إدنبرة وكليلة هالووين. مزعجون هم كالساكسوفون يمارسون هواية النفخ على قلوبنا بعشرين مصيبة يحكمها مفتاح العادة الشرقية الخاطئة، وغاضبون هم كالدرامز يمارسون الصراخ دونما كلل أو ملل ويكسرون بعصيّهم أبواب الأمل، ويحطّمون بها أحلامنا.

 

والآن يا أبناء العادات البالية، يا من تلوثون بحضوركم روح الشرق، الناي منّي وشجني من الناي يغني، فدعوني مع فيروز أرتشف النهاوند بعيدا عن صخبكم، الكمان مني وشجني من الكمان يغني، فدعوني ووتري على سلّم قلبي أرصف أصابع همّي وأصعد وأهبط كما الدرجات النغمية، كما نوتات لحني وكما أوكتاف قلبي، أعود لأغني مع فيروز قصائد شجني.

الناي مني والكمان مني والربابة مني والكلمات منكم والعَروض أنتم، فابتعدوا عنّي ودعوني وحدي مع الأنغام أعزف شيئا من الرصد لأملي الذي هدهدتم مهده بكفوف العادة وراحتي التقليد فنام دونما إرادة.

حياة بن بادة

كاتبة جزائرية، مترجمة، أخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

الوسوم

حياة بن بادة

- كاتبة جزائرية ومترجمة وأخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

اترك رد