دين وحياة

النسوية الإسلامية والمنطق الثنائي

سلسلة الذكوري والنسوي (2)

 

أثّر الاتجاه النسوي في مجمل التيارات الفكرية نظرا لمجموعة من الأسباب الاقتصادية والحقوقية والمعرفية، ولم يكن الفكر الإسلامي مستثنى من عملية التأثير، ولا أدل على ذلك من تسمية بعض الاتجاهات الفكرية بـ”النسوية الإسلامية”، وصاحَبَ هذا الإطلاق شغف “أسلمة” النظريات الغربية من أجل ترسيخ فكرة المشروعية والبديل الحضاري.

وقد لقيت تيمة “النسوية” صدى واسعا في العالم العربي والإسلامي؛ بدءًا بنقدها باعتبارها منتوجا غربيا وكذا نقد بعض قضاياها، أو تبني بعض أهدافها وقضاياها كما فعلت “النسوية الإسلامية”.

وليس حديثي في هذا المقام عن مطلق النسويات في العالم الإسلامي اللواتي يملن إلى رأي متطرف راديكالي يرى الدين سببا في دونية المرأة وإعاقة تقدمها، ولا يمكن وسم هذا الاتجاه بـ”النسوية الإسلامية” لأنه يرفض المقدس ابتداءً، أما النسوية الإسلامية فتستند على المقدس إما إسقاطا أو تأويلا.

ونجد مصطلحات كثيرة ترتبط بهذا المجال المعرفي، لكن أرى ضرورة التفريق بين مجموعة من الإطلاقات في سياقنا التداولي؛

“أسلمة النسوية” و”النسوية الإسلامية” و”النسويات المسلمات”؛ وقد يرى القارئ أن “أسلمة النسوية” هي نفسها “النسوية الإسلامية”، لكن بينهما فروق منهجية دقيقة؛ إذ أن “الأسلمة” تدلّ على منهج معرفي مخصوص، وإذا أضفنا إليها “النسوية” فيصير المدلول أكثر تخصيصا، ومن ثمّة؛ فإن المقصود بـ”أسلمة النسوية” هو الاستدلال على أفكار النسوية وأهدافها من داخل النسق الإسلامي، وهي على أضرب: فهناك الاستدلال المطلق، وهو الاستدلال الذي يروم تنقيح النسوية، فما وافق نصوص الإسلام أُخذ وما خالفه رُدّ، وهناك الاستدلال الجزئي الذي يروم نقاش مسألة من المسائل الجزئية في قضية المرأة بغية تجديد النظر فيها في ضوء نصوص الوحي، وبعد هذا العمل المنهجي الذي تختلف آلياته وميكانيزماته الفقهية والاجتهادية والعلمية، يمكن أن نتحدث عن “النسوية الإسلامية” مخرجا من مخرجات “الأسلمة”.

وهناك تيار يمكن أن نسميه بـ”النسويات المسلمات”، ويشمل هذا التيار “النسوية الإسلامية” إضافة إلى من تحدث عن أفكار النسوية من الباحثين المسلمين دون أن يربطها بالضرورة بالإسلام، كما يندرج فيه من يتبنى أفكار النسوية كما هي في الغرب، وإن كانت في أقصى درجات الراديكالية، فهذا التيار لا يدخل في عداء مع “الإسلام” ولا يعتبره سببا في تكريس دونية المرأة وعائقا من عوائق تقدمها، لكنه لا يمر عبر منهج “الأسلمة” أو مناقشة القضايا من زاوية “الدين”، لذلك لم يصح وسمه بـ”النسوية الإسلامية” لهذا الاعتبار.

انطلقت بعض النسويات من مناقشة مجموعة من القضايا الفقهية وتجديد النظر فيها انطلاقا من أن الاختلاف الجنسي مسألة ثقافية لا طبيعية، وهذا كان منطلقا رئيسيا عند كثير من النسويات، وفي ضوئه تمّ تجديد النظر في بعض المسائل الفقهية؛ فنجد مثلا أمينة ودود[1]، الأكاديمية المتخصصة في الدراسات العربية والإسلامية والمشهورة بقضيتها عن “إمامة المرأة”، انطلقت مما يمكن أن نسميه بـ”التفسير النسوي” لآيات الأحكام في القرآن من أجل التدليل على المساواة المطلقة بين الذكر والأنثى في الإسلام، معتبرة أن الأنوثة والذكورة هي خصائص ثقافية محددة تنطبق على الإناث والذكور.[2]

 

وقد بلغ إلغاء فكرة التمييز بين الذكر والأنثى، وتكريس التفاضل بينهما حدّا متطرفا جاوز الإنسان إلى الإله، وقد كتبت عفراء جلبي مقالة موسومة بـ: “بسم الله الرحمانة الرحيمة” قائلة فيها: “قد لا يروق للبعض أن يكون الخطاب أو التحدث عن الله بصيغة أنثوية. لكن لماذا؟ سيقولون لك، لأن الله ليس له جنس. تماما، ولذلك من يصر على الصيغة الذكورية لله فإنه هو الذي يرى بأن لله جنسا ويؤكد بأن جنسه ذكوري. فاطر السموات والأرض ليس ذكرا ولا أنثى بل هي خالقة للذكر والأنثى والسموات والأرض والليل والنهار. لا تدركها الأبصار وهي تدرك الأبصار.

عفراء جلبي

إنها الحياة التي دعتنا لنتجلى في بعدها المادي ونفخت فينا من روحها، والحياة ما هي إلا الصيغة المؤنثة للحي القيوم”، وفسرت عفراء توجهها هذا وعللته بالقول إن “الحضارة الإنسانية منذ حوالي خمسة آلاف سنة لعبة ذكورية استبدادية، تضع ثنائيات في مواجهات يكون فيها أحد الطرفين الأقل والأسوأ والأصغر. وهذا لا يعني أن القضية بين الرجال والنساء، وإنما هي منظومة تعظم الخصائص الذكورية ويشارك فيها النساء بدرجات متفاوتة ويقاومها رجال بدرجات متفاوتة، ولذلك هي ليست مسألة امرأة أو رجل وإنما هي مسألة قيم وأفكار، ونظرة عامة للكون والحياة والإنسان”.

 

عموما إن هذا التفسير فيه شطط كبير، لأسباب كثيرة ليس هذا مجال تفصيلها، إذ يستلزم الدخول إلى نقاشات أصول اللغة وفقهها، إضافة إلى أن بسم الله الرحمن الرحيم آية قرآنية صريحة في سورة النمل: “إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ” [النمل:30]، كما أن الخطاب القرآني عن الإله بصيغة “المذكر” ليس علّة لتذكير “الإله”، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، والقرآن موحى لفظا ومعنى، وليس شأنه شأن الكتب السماوية الأخرى التي تمت ترجمتها من لغاتها الأصلية كالسريانية مثلا، وإنما نزل القرآن بلسان عربي مبين معجز مبنى ومعنى، ومن ثمّة؛ فإن تصعيد النقاش ليصل مقام “الجلالة” يظهر لنا تضخم فكرة الهوية الجندرية عند بعض النسويات.

ونلحظ كيف أن المنطق الثنائي يحضر بقوة في هذا التفسير، مع التأكيد على الهيمنة “الذكورية” للحضارة الإنسانية ككل، مما جعل بعض مُتَّبعي هذا النهج يدخل في صراع مع “حضارة الإنسان” لعلة ابتنائها على الهوية الجنسية الذكورية تخصيصا، وعفراء جلبي وإن رفضت المواجهة بين الثنائيات في ثنايا مقالتها، إلا أنها سقطت في نفس الفخ من حيث لا تدري، بتكريسها فكرة الصراع، مما يخيل للقارئ أننا في حرب جنوسية جندرية فيها مقاومة وأخذ ورد، وإن خففت من حدة خطابها لما قالت إن المسألة مسألة “قيم وأفكار!”.

 

 

إن فكرة النسوية عند هذا التوجه ليست مسألة حقوق اجتماعية وحسب، وإنما هي إعادة تفكيك هوية الجندر من منطلق كسبي ثقافي يغيب الفطرة ضمن معاييره المعرفية.

وقد كانت تأويلات بعض “النسويات المسلمات” أداة فعالة بيد التيار المناهض للنسوية الذي يحسب دوما على “الفقه والتفسير”، إذ يرى في النسوية خصما على تأويله للنصوص، وأسهم تبخيس التراث الفقهي جملة وتفصيلا في تكريس هذا العداء، ودوما يضرب المثال بإمامة المرأة والمساواة في الميراث أنموذجًا للخصام مع الفقه، نظرا لاستقرار هذه الأحكام في الوعي الشعبي للمسلمين، مما يكرس الصراع بين فكر النسوية والتوجه الإسلامي التقليدي، ونقل النقاش، أحيانا، من مجال الفكر، وهو الميدان الأصلي، إلى مجال تمحيص العقائد كما يفعل بعض المتشرعة للأسف.

 

ونلمس حدة التقابل “النسوي/الذكوري” في خطابات النسويات المسلمات، وقد أسهم هذا التقابل في إنشاء حقل مصطلحي ضافٍ؛ “المقاربة النسائية مقابل المقاربة الذكورية”، “التفسير النسوي مقابل التفسير الذكوري”، “الفقه النسوي مقابل الفقه الذكوري” وهكذا… وتدل سياقات الاستعمال أن الفقه النسوي: هو الفهم الذي ينتصر للمرأة بإعادة تأويل النصوص، مقابل الفقه الذكوري الذي يكرس دونيتها، ويوسم دوما “الفقهاء” و”المفسرون” بالذكورية.

لذلك نجد أن إعادة تفسير النصوص من أبرز اهتمامات “النسوية الإسلامية”، لتجاوز الفهوم الفقهية التي انتصرت للرجل وللأعراف والتقاليد، إضافة إلى محاولة أسلمة مفاهيم الجندر، واشتهرت “النسوية الإسلامية” بإثارة مجموعة من القضايا الفقهية من منظور “المساواة” بين الذكر والأنثى، ومن هذه المسائل: التعدد- الشهادة- القوامة- ميراث البنت- الإجهاض- إمامة المرأة للمصلين -الولاية الكبرى- زواج المرأة من الكتابي، وغيرها من المسائل الفقهية التي أثارت سجالا واسعا.

وليس هذا التيار على ضرب واحد، فهو على درجات ومستويات، فهناك من يتطرف في الفهم من مقاربة “الصراع بين الذكر والأنثى”، ومن ينظر للتراث بعين معتدلة يسعى للتمييز بين ما وافق الخطاب الشرعي الثابت وما استقر في الفقه والتفسير بسبب العرف المتغير، دون ربط كل القضايا المتعلقة بالمرأة بالتاريخ، خصوصا إذا كانت حكما منصوصا في صريح الآيات وصحيح الأحاديث، وهذا مناط الاعتدال عند الاتجاه النسوي.

 

كما نجد من يعمل على تبيئة مفاهيم النسوية من منظور إسلامي كتبيئة المساواة مثلا، تقول أماني أبو الفضل: “نطالب بالمساواة في إطارها الإسلامي؛ أي المساواة ليس التماثل طبعا، هم يقولون بالتماثل [أي] أن الرجل والأنثى كيانان […] متماثلان ولا بد، وأدوارهم واحدة، نحن لا نقول بهذا، ولكن نقول إن المساواة هي مساواة في الفرص الحياتية، فرصتي في التعليم هي فرصة أخي، فرصتي في الصحة وفرصتي في الغذاء الجيد، فرصتي في تلقي رعاية الأب والأم رعاية المجتمع هي فرصة أخي أو فرصة رجل داخل المجتمع […]”.[4]

 

ويلحق بذلك من يجتهد في تنزيل أهداف النسوية وفق السياق العربي والإسلامي، ويؤكد ذلك ما قالته أماني أبو الفضل: “قضية الصحة مثلا […] : قد نقول إن قضية صحة المرأة، والاهتمام بصحة المرأة، ومشاريع صحة المرأة هي من القضايا المشتركة بيننا، ولكن هم عندما يرون قضية صحة المرأة يرونها من وجهتين قضية الإجهاض؛ أي حق المرأة في الإجهاض وكيف تعامل المرأة مرض الإيدز… وأنا الصحة عندي تعني شيئا آخر، أنا المرأة عندي تعاني من سوء التغذية ومن أمراض متوطنة[…]”[5].

فنلحظ هنا اختلاف تنزيل قضية صحة المرأة بمراعاة هموم المرأة العربية، التي يقع الفقر والأمية وسياسة التجهيل والتسليع على رأس أولوياتها، إذ إن إسقاط هموم المرأة الغربية باعتبارها المرأة “الأنموذج والمثال” يكرس هموم النخبة لا هموم المرأة المتأزمة في الدول “العالمثالثية”، وهنا يلزمنا الحديث عن مساواة مختلفة، وهي مساواة المرأة بالمرأة نفسها!

وعليه؛ فلا يمكن التعامل مع “النسوية الإسلامية” وفق منهج واحد، لأنها تتميز بتعدد المناهج شأن “النسوية الغربية”، لكن تظل حدة التقابل “النسوي/الذكوري” قائمة، وهي تابعة لثنائيات “التراث/الحداثة” و”الأصالة والمعاصرة” وما يستتبعهما، مما يستلزم فهما جديدا للعمل التفسيري برمته؛

فهل إلى خروج من هذا التقاطب الثنائي من سبيل؟!

جميلة تلوت 

باحثة في الفكر الإسلامي

 

[1] – أمريكية من أصول إفريقية، معتنقة للإسلام، وهي أكاديمية متخصصة في الدراسات الإسلامية ومعروفة بكتاباتها عن النسوية، حاولت تأسيس “المقاربة النسوية” في إعادة قراءة القرآن الكريم..

[2] – Qur’an and woman : Reareading the Sacred Text from a Woman’s Perspective, Amina Wadud.

وللأمانة، فإن تقييم فكر المرأة، وهي باحثة أكاديمية متخصصة، لا يتم انطلاقا من الدراسات النقدية، كما نجده في سلسلة من الدراسات، وإنما يلزم الرجوع إلى كتابها هذا لمراجعة الاستدلال في كليته.

[3] – ينظر مقالتها على موقع هنا صوتك

[4] – ينظر لـحلقة النسوية الإسلامية، برنامج الشريعة والحياة، استضافت فيه خديجة بن قنة أميمة أبو بكر وأماني أبو الفضل.

[5] – ينظر الرابط السابق.

كل المقالات المنشورة تعبر على آراء أصحابها، لا عن توجهات المجلة ومواقفها بالضرورة 

الوسوم

جميلة تلوت

باحثة في الفكر الإسلامي من المغرب

مقالات ذات صلة

اترك رد