ثقافة

الشاعر التونسي أنيس شوشان: خيّب هشام الجخ ظنّي لأنه خان نفسه وخاف

هو شاعر جنوبي يرفض القوالب الجاهزة والتكرار، خلق لنفسه توجها فنيا وأبدع فيه، كانت البداية بـ”السلام عليكم”، وواصل بـ”بلا عنوان” و”يا ابن آدم”، وغيرها من القصائد التي لاقت جماهيرية عريضة.

تميز بطرحه أسئلة من عمق المجتمع التونسي، فكان من أشد المناهضين للعنصرية بجميع أشكالها، داعيا إلى ضرورة قبول الاختلاف والتنوع من أجل الاثراء. جمعنا بالشاعر أنيس شوشان حوار لمجلة “ميم”، حول ظهوره بعد الثورة التونسية، ورسالته، وجدلية السيد والعبد في المجتمعات العربية، وعن التسامح والاختلاف.

أنت شاعر منذ نشأتك أم شاعر وليد الثورة؟

أنا من الجنوب التونسي، وهي منطقة مشهورة بالشعر، والدي يقول الشعر، والنساء أيضا يقلن الشعر أكثر من الرجال بكثير، والتراث الشعري التونسي في الأصل لدى النساء، وتعودت أذني على ما تقوله أمي وخالاتي.

لم يكن لدينا التلفزيون أو الراديو، فيخرج الرجال للسهر والنسوة يجلسن مجموعات ويتفاعلن عن طريق الشعر في شكل سجالات. وجدت نفسي أكتب الشعر منذ صغري وأقلد الكبار.

كان اكتشافي الحقيقي للشعر، مع ديوان “إرادة الحياة” لأبي القاسم الشابي الذي تأثرت به وأصبحت أكتب لأثبت وجودي ولم أعرف حتى أن ما أكتبه قد يعجب الناس. ثم انطلقت المسألة صدفة، بعد الثورة، حيث دعتني إحدى الصديقات للقاء فني، وطلب مني أحد الحاضرين إلقاء الشعر، وكان حينها باللغة الفرنسية، ولاقى إعجابهم.

ومنذ ذلك الوقت بدأت أكتب باللهجة العامية التونسية، بعد أن كنت متأثرا بالشعر الكلاسيكي لجميل بثينة وامرؤ القيس وعنترة، والشعر الحديث مع نزار القباني ومحمود درويش. وعكست اللهجة العامية شعور الخصوصية والهوية لديّ، وعندما مزجت اللهجة العامية بالعربية كان هناك تداخل ومزيج جيد، خاصة أني لا ألتزم بقاعدة شعرية معينة، فأنا أكتب لأثبت أني موجود.

وبعد ظهوري الإعلامي في إحدى الفضائيات التونسية سنة 2014، أصبحت معروفا أكثر لدى الناس.

عندما ظهرت لأول مرة في التلفزيون كان نقاشا حول موضوع العنصرية، فهل نحن عنصريون؟

مشكلتنا لا تتلخص في اللون فقط والتي تعرضت لها، إشكالنا أعمق ويتمثل في الهوية، نحن لا نعرف من نحن، هل عرب درجة ثالثة أم أفارقة منسلخون عن جلدنا؟ نحن لا نقبل الاختلاف والتنوع، وعلينا أن نعي بأهميتها ونستغلها لإثراء المجتمع ولا نسعى لإلغاء المختلف واستهدافه بكل العبارات المهينة.

أريد المساهمة في معالجة داء عدم قبول الاختلاف، فنحن لا نملك نفس البصمة ولم نعش في نفس البيئة ولا نفس الطريقة، ولا يمكن أن تفرض رأيك علي مهما كان.

بعد تونس، كان لك حضور إعلامي عربي مهم، هل ساهم ذلك في نشر رسالتك؟

وجودي منطلقه مجتمعي، رغم حضوري في منابر عربية مختلفة، أدافع عن قضايا أساسية داخل المجتمع التونسي بالأساس، لأني تونسي، حتى إن تشابهت الوضعيات مع دول عربية أخرى. وأحاول المساهمة في ارتقاء المجتمع والحديث عن القضايا الإنسانية وإيصال صوتي ورسالتي لأكبر نسبة ممكنة من الناس، وتجاوز الإشكال المتعلق بقبول الاختلاف.

قناعتي أن هناك هوية تجمعنا وهي الهوية البشرية، أما الباقي فهي تفرعات لا تعنيني.

قدمت مشروعا لوزارة الثقافة التونسية ولكنه لم ينجز، لماذا؟

اقترحت مشروعا على الوزارة في 2015 حول استراتيجية تعليم الأجيال الجديدة بأساليب تحترم ذكاءهم وقدراتهم. ولم يتم النظر فيه، لأني لا أعتمد أساليب الوساطة والمحاباة ولا أذعن لأحد مهما كان، فقررت وبإمكانياتي البسيطة أن أقوم بدوري عن طريق منصات الميديا الاجتماعية.

أقترح أن نؤسس مجمعا ثقافيا يتم من خلاله انتداب مواهب رائدة وذات قدرات كبيرة، يتم دعمها، لا أن نكلف أشخاصا عاجزين عن مواكبة التطورات والنهوض بالأجيال الجديدة.

ولكن أقول إنّي كنت محظوظا قليلا لأني اليوم أعمل خارج هذه الدوائر وعائداتي المادية من خارج تونس، حتى أني لا أريد الحضور في الإعلام التونسي لأن بلدنا لا يقدّر المبدعين. وعندما تحصلت تونس على جائزة نوبل للسلام لم تتم دعوتي لحضور التسليم، رغم أن الشهرة الواسعة لقصيدة “السلام عليكم”، التي بلغت 25 مليون مشاهدة ونقلتها صحف أسترالية، كما ترجمت للإسبانية والألمانية.

هل يتحمل الإعلام التونسي دورا في ذلك؟

نعم فعندما أكون حاضرا في أكبر البرامج العربية ومغيبا في الإعلام التونسي الذي يروج للابتذال، يكون له دور في إقصائي. وأنا أرى أنّ الإعلام التونسي يحب الرديء ويعمل على تتفيه الذوق العام من خلال برامج لا علاقة لها بالثورة.

هل تعنيك المقارنة مع شعراء مثل هشام الجخ؟

هشام الجخ

لا أهتم بذلك، التقيت بهشام وهو شاعر جيد، لكنه خان نفسه ولم يكن شجاعا ليكمل، حتى في مصر لم يعد له جماهيرية مثل السابق، شعبه كان يحتاج أن يستمر ولكن توغلت الدكتاتورية في مصر وخاف على نفسه.

انبهرت به في البداية ولكنه خيب ظني، عكس أحمد فؤاد نجم، شاعر كبير لم يخن نفسه مع مختلف الأنظمة التي تعاقبت في مصر.

يلومك البعض على المباشراتية في أشعارك، ماهو تعليقك؟

هناك كلام يجب أن يقال، رموز المجتمع تغيرت، نحن نمثل جيلا جديدا والإيحاءات لم تعد مجدية وعلينا اليوم أن نقول الحقيقة، خاصة إذا كان النص ذا قيمة وليس مبتذلا.

ولّى زمن الإلقاء في بيت الشعر، الذي تشعر فيها أن الشاعر بحد ذاته لا يفهم ماهو بصدد قوله، لأن خريطة العالم تغيرت، وهناك أجيال جديدة لن نترك لها شيئا، يوجد استنزاف للثروات وتغييب للشعوب وطمس للحضارة.

منعت من دخول فلسطين، فهل يخيف شعرك الكيان الصهيوني؟

منعت مرتين من دخول الأراضي الفلسطينية حيث كانت لي أمسيتان شعريتان في رام الله ولم أحصل على تصريح لإقامتها.

ومنعت قبل ذلك من الدخول لمصر بعد وصول نظام السيسي للحكم، ومنعت من إقامة أمسية مع شربل روحانا في إطار جولتنا في الكويت، حيث لم أمنح تأشيرة على غرار الباقين، ولم أحصل على تأشيرة لإقامة أمسية شعرية في دبي، مؤخرا.

هل أصبح التونسي اليوم مستفزّا للأنظمة الاستبدادية، خاصة بعد حادثة منع التونسيات من دخول الإمارات؟

نعم، وهذا جيد ويحسب لنا، وردّة فعل المرأة التونسية تجاه القرار الإماراتي جيدة وتثلج الصدر، ويجب المواصلة لأنهم يخافون منا، رغم تواطؤ البعض في تونس. ولكنّ الديمقراطية الناشئة التي تحبو، ستتقدم.

ماهي أعمالك وبرامجك القادمة؟

أنا بصدد نشر عمل جديد “طبول الحرب” سينزل قريبا، يتناول الوضع العام في المنطقة من القوى الخارجية إلى الحكومات المتواطئة، قمت بتحضيره خلال الاحتفال بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وهناك قصف آخر قادم، وسأواصل دون خوف.

كتبت قصيدة من أجل فلسطين بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير، وسيصدر ديواني في 2018، الذي كان منتظرا أن يصدر في 2017 ولكن بسبب إشكالية مع دار النشر تم تأجيله.

وأحضّر لعمل شعري مسرحي يبدأ من تونس ويجول دولا عربية أخرى، وهناك مشاريع مستقبلية مع شربل روحانا وفايا يونان وأميمة الخليل التي فاجأتني يوم التقيتها، حين قالت إنها تحب أن تغني من أشعاري.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الشاعر التونسي أنيس شوشان: خيّب هشام الجخ ظنّي لأنه خان نفسه وخاف”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.