مجتمع

الأنثى المدمرة والأنثى الأكثر تدميرا!

مدونات

 

تحدث الكثيرون عن دهاء الأنثى المدمر عبر التاريخ، ولعل كتاب “أسوأ النساء في التاريخ” لسلمى مجدي يصب في هذا الاتجاه؛ و غيره من الكتب التي تناولت النساء الجاسوسات عبر التاريخ, فهذا النوع من النساء هن بحق نساء مدمرات!

عمر السطي

منهن من دمرت دولا و أنظمة بكاملها؛ لكن صنف  النساء الأكثر تدميرا قلما يلتفت إليهين، إنهن صنف من النساء يقمن بعمل أشد وطأة من عمل الجرافات! بما يمتلكنه من وسائل تجرف عمل سنين من التربية والتعليم وغرس القيم.

ذلك أن بناء إنسان متوازن يتطلب عمل المدرسة والأسرة والمجتمع.. كل يتعهد هذا الإنسان من جانبه، كل يقوم بغرس القيم النافعة وتشكيل منهجية الفكر الصحيحة في عقله وتوضيح الرؤية الحضارية، من أجل توجيه الطاقة في قنوات مدروسة تهدف إلى بناء النهضة وإزاحة المعيقات الحضارية، فهذا الإنسان الذي تم بناؤه بهذه الطريقة، بمجرد أن يعي هذه الأمور ينطلق في العمل الدؤوب! فليس ثمة وقت والحياة قصيرة، فهو إنسان مدرك لحقيقة الإنسان وحقيقة الكون وحقيقة الحياة (عناصر الحضارة).

 

هذا عن بناء الإنسان بشكل مختصر؛ أما عن هدم الإنسان، فإن الأمر مختلف ولا يحتاج  إلى تلك المؤسسات العظيمة، فقد أدرك المستخربون الجدد أن المعركة الآن أصبحت تتطلب آليات جديدة للعمل، فبعد أن كانت عملية الاستخراب تتم عبر استخراب الأرض بالجيوش الجرارة، وفرض الأمر الواقع بالقهر،والسيطرة بالقوة، مما كان يسبب خسائر كبيرة للمستخربين؛ لأن القهر الذي أخضع الأرض لا يخضع النفوس، فكانت تبرز حركات المقاومة الشرسة  التي كانت تكبد هذا المستخرب الخسائر الفادحة، مما يدفعه إلى أن يرجع القهقرى مذموما مدحورا، كما يعبر فريد الأنصاري رحمة الله عليه بقوله: “لقد تمكن الاستعمار القديم من الأوطان، فقامت عليه بعثة تجديد مجاهدة، مناسبة لفجوره وبجوره! فحاربت وجوده العسكري والاديولوجي بعد ذلك بشتى الوسائل”.

إذا فالمعركة الآن أصبحت تتطلب آليات جديدة، أي أنها تحولت من احتلال الديار إلى احتلال الإنسان!

 

قد يتخيل البعض أن تأثير هذه المرأة التي تتم صناعتها في مصانع الأسلحة العولمية المدمرة؛ على الرجل فقط  لأنه الجنس الطبيعي الذي من المفترض أن تتحرك شهوته تجاهها، كما يبرز حينا في فيلم أكشن، أو تتجلى حينا في فيلم إباحي، أو تظهر حينا في فيديو كليب.

 

يصف الدكتور فريد الأنصاري هذه الحالة أيضا بقوله: “بيد أن الاستعمار الجديد تمكن من الإنسان قبل أن يتمكن من الأوطان! فاقتحم جسور البلاد بالشهوات قبل أن يقتحمها بالمدرعات والدبابات! ففقدت الشعوب الإسلامية قوتها على الصمود أمام الإغراق العولمي، وفقدت نمط عيشها وطرائق استهلاكها، واحتوتها الفلسفة الأمريكية الشهوانية احتواءً كليا إلا  قليلا”. تلك الآلية الأكثر نفوذا وأكثر تدميرا هي “المرأة المدمرة”، التي تدمر عمل السنوات الطوال من العمل المضني في التربية، لأنها ببساطة تتجاوز قنوات التربية والفكر، تتجاوز خطاب العقل والضمير، إلى خطاب الجسد، وإذا تحدث الجسد ونطقت الشهوة، خرست كل الألسن المعقلنة!

قد يتخيل البعض أن تأثير هذه المرأة التي تتم صناعتها  في مصانع الأسلحة العولمية المدمرة؛ تؤثر على الرجل فقط  لأنه الجنس الطبيعي الذي من المفترض أن تتحرك شهوته تجاهها، كما يبرز حينا في فيلم أكشن، أو تتجلى حينا في فيلم إباحي، أو تظهر حينا في فديو كليب، أو تمر أمامه في الشارع، أو تدخل عليه مكتبه في صورة ينطق فيها الجسد الشهواني وحده! لكن تأثير هذه المرأة المدمرة يتعدى الرجل إلى الأنثى! وذلك بخلق “الأنموذج” عبر ترسانة من النظم المتضافرة التي تحول هذه الأنثى إلى الأنموذج والمثال الذي ينبغي أن يقتدى به، فتُستكمل الحلقة إغلاقا: امرأة تخرب الرجل، رجل يسعى من أجل هذه المرأة، وامرأة أخرى تقلد تلك الأولى، لتحقق نزوات ذلك الرجل الذي خربت ذوقه تلك الأولى، والكل يظن نفسه بطلا، والعولمة تنتشي بما حققته من نتائج على مستوى الأرباح المادية والعنوية.

إذا ومع هذا الحال؛ يكون رهان المستخربين قد ربح، فاستطاعوا تحويل إنسان يدافع عن الأرض ويروي أرض التحرير بالدماء، إلى إنسان مُستخرَب الجوف والوجدان، يسلم الأرض ويزيد من عنده البقشيش. فتدور كل الطاقات والجهود في حلقة مفرغة، وداخل هذه الحلقات حلقات صغيرة مفرغة أيضا، كذلك الصراع المفتعل مثلا بين الرجل والمرأة وغيرها من الدوائر الصغيرة المفرغة… وللقارئ أن يتخيل كم الصراعات التي تنشب في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وكم الطاقة التي تبددت جراء هذه الحالة، التي لم يسعفنا المقال لوصفها ولا  لتفسيرها.

هذا الذي لمحنا له ليس استنقاصا من قيمة المرأة، وإنما هو دق ناقوس خطر يهدد الإنسانية جمعاء، يستوي فيه المرأة والرجل، تكون المرأة التي وصفناها بـ”المدمرة” مجرد وسيلة عولمية طالتها “الحوسلة” بتعبير المسيري، أو قد نضيف بأنها “حوسلة مركبة!” على وزن جهل مركب، فهذه المرأة التي تتم حوسلتها؛ أي تحويلها إلى وسيلة؛ يتم إقناعها وبما لا يدع مجالا للشك عندها؛ بأنها ملكة وليست أَمة! (خذ مصطلح ملكة الجمال مثلا فإنه يحمل من الإيحاءات ما يفوق الخيال!) أي أنه تم تحويلها إلى آلة وإقناعها بأنها غاية.

وكذلك الجهل المركب، إذ يكون المرء جاهلا، وهو يعتقد بأنه عالم. وإنما الهدف الذي ننشده هو أن يرتقي كل من الرجل والمرأة في هذه البقاع العربية والإسلامية إلى إدراك حقيقة  الصراع؛ الذي ارتقى إلى مسخ الإنسان، بدل الانشغال بتلك المعارك التي تكون أشبه باللعبة التي تعطى للطفل ليلتهي بها، ريثما تشتغل أمه في المطبخ، فحقيقة الوطن العربي ومعاركه الإعلامية كلها “معارك دمى” يلتهي بها الإنسان العربي، بينما تشتغل الأم العولمية في مطبخها! نعم تلك المعارك التي تفتت الجسد الواحد تكون تارة باسم الجنس أو باسم العرق أو باسم القومية وهلم جرا..

 

الوسوم

عمر السطي

مدون مغربي

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق