رياضة

الألتراس مجموعات حركت الشعوب ضد القمع

 

ألتراس.. كلمة طالما ترددت في لقاءات كرة القدم، وغالبا ما ارتبط ذكرها بأحداث عنف وصدامات بين المشجعين وأعوان الشرطة.. لكن الألتراس، مثّلت أيضا، فاعلا أساسيا في عالم الساحرة المستديرة، من خلال ما تصنعه من أجواء وطرق تشجيع كشفت الجانب الإبداعي لمحبي كرة القدم، حتى أنها سميت باللاعب رقم 12، بل تحوّلت إلى ثقافة قائمة بذاتها وباتت تحظى باهتمام المجتمعات العربية وساهمت في تحريك الشعوب الثائرة ضد القمع والاستبداد.

كان أول ظهور للأتراس في أوروبا بالمجر عام 1929، عبر مناصري نادي “فرنكفاروش”، ثم مع مشجعي التورسيدا التي برزت في البرازيل مدينة ساو باولو سنة 1939. أمّا أول تسمية للألتراس فقد ظهرت مع مشجعي الأنتر في آواخر سنة 1969.

وسرعان ما انتشرت هذه الثقافة في مجتمعاتنا العربية، والبداية كانت في تونس، وإن اختلفت الآراء حول أول مجموعة ظهرت، فهناك من يقول إنها برزت على يد ألتراس “أفريكان وينرز” سنة 1995، في حين أن “ألتراس لمكشخين” تدّعي أنها السبّاقة، وكان ذلك عام 2002.

وبغضّ النظر إن كان أول ظهور لهذه المجموعات مع مشجعي الإفريقي أو الترجي، فإن تونس كانت أول دولة عربية انتشرت بها هذه الثقافة، لتظهر بعد ذلك بالمغرب ثم الجزائر ومصر فليبيا، وصولا إلى الشرق الأوسط بالأردن وسوريا، حديثا.

رمز المقاومة

بسام بن يونس عضو ألتراس سابق

يعتبر بسام بن يونس، عضو ألتراس سابق، في تصريح لمجلة “ميم” أن فكرة الألتراس المبنية على الإبداع والفن في المدارج، تحولت في السنوات الماضية إلى كابوس لدى السلطات، وشهدنا العديد من الأحداث، أبرزها أحداث بورسعيد في مصر التي راح ضحيتها 72 قتيلا من جماهير الأهلي المصري وقبلها أحداث 8 أفريل 2010 في ملعب المنزه بين الأمن التونسي وجماهير الترجي، وقبلها أحداث ملعب رادس بين الأمن التونسي وجماهير النجم الساحلي، وأحداث ملعب بنزرت بين جماهير النادي الإفريقي والنادي البنزرتي، وهو ما دفع السلطة في تونس على أخذ العديد من التدابير الردعية، منها منع إدخال المجموعات إلى الملاعب وزجّ العديد من زعماء هذه المجموعات “الكابوات” في السجون ومراكز الاعتقال.

وأضاف بن يونس، أن تعامل السلطات أمنيّا، ساهم في انطلاق شرارة جديدة تحت رمز المقاومة، لتعود الحركة بعد الثورة التونسية وتعود معها الروح إلى المدارج، وإن لم تكن بأفضل حال، حسب تعبيره.

وتجدر الإشارة إلى أنّ ألتراس الإفريقي استعرضت “تيفوات” (لوحات) نصرة لقضايا عربية نذكر منها التيفو الشهير ضد دول الحصار على قطر، والتي كتب عليها “كرهناكم يا حكام العرب تحاصرون قطر وإسرائيل في سلام”، وتيفو “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”.

انتصار على السلطة

وفي حديثه عن أبرز الأحداث التي عاشتها البلدان العربية المجاورة لتونس، يقول بسام إنّ المغرب منعت المجموعات المغربية من دخول الملاعب، لتتخذ تلك المجموعات قرارا جماعيا بمقاطعة الملاعب ما عدى مجموعة الرجاء البيضاوي “الغرين بويز” التي رفضت الفكرة وواصلت الحضور بـ”الباش الرسمي” والدخول في حرب طويلة مع الأمن المغربي، وتواصلت القصة إلى أن أعلنت قناة البين سبورت تخليها عن نقل الدوري المغربي إن تواصلت مقاطعة مجموعات الأتراس للمباريات، فتراجعت السلطة وحققت مجموعات الألتراس المغربية نصرا جديدا، وإن كان جزئيا.

 قتل الثوار عار وخيانة

وفي حديثه عن الألتراس في مصر يقول بسام إن الحال لم يكن أفضل، بعد الثورة أو قبلها، فحكم العسكر المهيمن على هذا البلد وترسيخ سياسة الضرب بيد من حديد، تواصلت ما بعد الثورة لتتفاقم الأمور في أحداث بور سعيد التي راح ضحيتها 72 “شهيداً”، كلهم من أعضاء ألتراس أهلاوى وألتراس ديفلز، وأحداث الخندق لجماهير الزمالك التي راح ضحيتها أكثر من 34 قتيلا من أحباء الزمالك فضلا عن سجن “كابو” (قائد) المجموعة التابعة لجماهير الزمالك الذي لا يزال يقبع في السجن بتهمة محاولة قتل رئيس النادي مرتضى منصور.

كما تجدر الإشارة إلى أن أعضاء الألتراس في مصر واصلت النزول في المظاهرات في حقبة المجلس العسكري، واستشهد فيها عضو الألتراس محمد مُصطفى كاريكا، مما أثار غضب أعضاء المجموعة هاتفين ضد المجلس العسكري على أنه القاتل الحقيقي لكاريكا، وذلك في إحدى مباريات الأهلي ضد فريق المقاولون العرب، ومن تلك الهتافات “اكتب على حيطة الزنزانة.. قتل الثوار عار وخيانة”، و”يسقط يسقط حُكم العسكر”.

 تحدّي ترامب والسعودية

يواصل العضو السابق لألتراس الترجي كلامه عن مجموعات العالم العربي، مشيرا إلى أن انتشارها في الجزائر كان هو الآخر بسرعة لم تتوقعها الحكومة، فرغم أن الألتراس في ذلك البلد كانت عرضة للقمع الأمنيّ، إلاّ أنها فرضت نفسها بالمدرجات لترسم أجمل اللوحات ومن أبرزها ذلك التيفو لأنصار عين مليلة نصرة للقضية الفلسطينية، فأحدث ضجة إعلامية غير مسبوقة لتتأزم الأمور بين السعودية والجزائر قبل أن تتخذ السلطات الجزائرية قرارا ردعيا ضد هذا الفريق المغمور.

  انتصار على الحرب الأهلية

أما في ليبيا، البلد الذي لا يزال تحت وطأة الحرب، فتغالب الألتراس من أجل حضور المباريات، رغم غياب الجانب الأمني، وتواصل التشجيع متحدية الظروف الصعبة والتنقل مع فرقها في المسابقات الإفريقية.

ويختتم بسام بن يونس العضو السابق للألتراس، حديثه مؤكّدا أن تلك المجموعات، رغم القمع المسلط ضدها فإنّها تظلّ في عيون الشباب العربي، سلاح الحرية والانعتاق من بطش حكوماتها التي تزجّ بها في السجون، فقط لمطالبتها بأبسط مقومات المواطنة والحرية، وتشجيع فرقها، وفق تعبيره.

 الدور الإنساني

يساهم أعضاء الألتراس في تنظيم مبادرات إنسانية، من خلال زيارة دور الأيتام والعجز وجمع الأموال والملابس لإيصالها للفقراء، فضلا عن تنظيف المقابر والمساجد، وذلك إضافة إلى دورهم في تشجيع فرقهم.

وفي الوقت الذي يرى فيه البعض فقط الجانب العنيف من مجموعات الألتراس، التي كانت في وقت ما  تحمل طريقة تفكير متطرفة، تعتقد بأن كرة القدم عبارة عن صراع بين معسكرين ويجب الفوز فيه باستخدام كافة الوسائل، فإن البحث الميداني يكشف أن شبان الألتراس مبدعون ومثقفون لا يقبلون الظلم، ومقاومون بطريقتهم الخاصة، بغض النظر عن ألوان جميع الفرق، وهي ظاهرة جديرة بالاقتراب البحثي منها، بعيد عن الشيطنة الأمنية والمقاربة الزجرية.

الوسوم

مروى وشير

صحفية متخصصة في الإعلام الرياضي والفن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.