رأي التحرير

عام بأية حال جئت يا عام؟

رأي التحرير

This post has already been read 20 times!

انقضت سنة ميلادية وأعقبتها أخرى استُقبلت بقدر كبير من البهجة والأجواء الاحتفالية. ورغم ان سائر العواصم العربية لاتملك الا ان تساير العالم وتشاركه الاحتفال برأس السنة، إلا أن كل شيء يوحي بان الأوضاع العربية ليست على ما يرام، إن لم نقل إنها مأساوية، وكأن لسان كل عربي يردد : عام بأية حال جئت يا عام..

فحيثما تولي وجهك لا تتراءى لناظريك  غير مشاهد الدمار والقتل ولا يتناهى لسمعك سوى دوي البارود والرصاص وهدير الطائرات وقصف الدبابات..

في سوريا، تستمر اجواء الحرب الأهلية وسفك دماء السوريين،  خراب للبيوت والعمران وتهجير مرير، بعد ٧ سنوات من ثورة مغدورة بالانقسامات الطائفية والإثنية والتدخلات الخارجية.

وفِي مصر اكبر البلاد العرببة وأكثرها ثقلا سياسيا، يتواصل مسلسل العنف والارهاب، سواء في صحراء سيناء أو غيرها، اثر عودة العساكر الى تسلم مقاليد الحكم، بعدما ظن المصريون ومعهم العرب والعالم بأن ثورة ٢٥ يناير المظفرة  ٢٠١١ قد وضعت الشعب المصري في مسار التحرر وإقامة الحكم المدني الديمقراطي والتخلص من إرث الدكتاتورية وتسلط الجيش.

اما العراق المجاور، فما انفك يتقلب بين الصراعات الطائفية والإثنية وحرب الكر والفر مع جماعات الاٍرهاب منذ الاجتياح الامريكي سنة ٢٠٠٣ وتفكيك الجيش العراقي، والى يومنا هذا مازال يتخبط في بحر لجي من الأزمات والصراعات، دون ان يتمكن من استعادة الحد الأدنى من توازنه المفقود.

وفِي اليمن، يمضي مسلسل العنف والقتل بلا هوادة، بعد ان اختلطت ثورة شبابه بالثورة المضادة، وامتزجت اجواء الحرب الأهلية الداخلية بالتدخل الإقليمي والخارجي، في سياق من تقلب المواقف والتحالفات السياسية،  حتى اضحى  عدو الامس حليف اليوم، وربما كان حليف اليوم خصم الغد..

وفِي الجهة الغربية من العالم العربي، تتخبط ليبيا في أتون الفوضى المصحوبة بنزاع مدمر،  في ظل غياب الحد الأدنى من مقومات الدولة وانتشار السلاح على نطاق واسع، مع انقسام باد بين حكومة الامر الواقع في الشرق الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر ودعم من مصر ودول الخليج، وحكومة معترف بها دوليا في طرابلس برئاسة السراج، لكنها تعاني من الضعف والهشاشة بسبب غياب الجيش النظامي ومؤسسات الأمن وتفشي المجموعات المسلحة.

اما في الجوار المباشر للعالم العربي، فقد  انفجرت حركة احتجاج في ايران  على خلفية مطلبية  اجتماعية واقتصادية  واضحة، نتيجة مخلفات الحصار الغربي وفشل الحكومات المتعاقبة في إدارة الملف الاقتصادي والاستجابة لتطلعات الشباب الإيراني.  وإذا كان من المؤكد ان هذه الانتفاضة تتغذى من عوامل الاخفاق والاحباط الداخليين، الا أنه ليس بمقدور احد ان ينكر في ذات الوقت  أن الاعلام الامريكي ومعه الخليجي والاسرائيلي يعمل على سكب الزيت على النار أملا في تأجيج هذه الحركة الاحتجاجية وتعميق الأزمة الداخلية، كل لحساباته واعتباراته الخاصة.

ربما يتأتى بصيص الأمل الوحيد في منطقتنا الواسعة من تركيا المجاورة التي باتت تسجل نجاحات اقتصادية وتنموية ملموسة، رغم الهزات السياسية التي تعرضت لها بعد محاولات الانقلاب الفاشلة صائفة ٢٠١٦، مع تصميم رئيسها على المضي ببلاده قدما باتجاه ممارسة دور فاعل ونشيط في المنطقة، مستفيدا من الفراغ السياسي المريع الذي خلفه تراجع الدول العربية الكبرى الغارقة في أزماتها الداخلية وصراعاتها البينية. وربما تنجح تركيا أردوغان في ما فشل فيه العرب النائمون، العاجزون عن اعادة بعض من التوازن المفقود في مواجهة مشروع التفكيك والهيمنة الأمريكي الإسرائيلي.

الوسوم

سمية الغنوشي

رئيس تحرير مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق