دين وحياة

الدكتورة بثينة الجلاصي: “الوعي هو السبيل الوحيد لفهم النص الشرعي وإدراك معانيه”

تعتبر الدكتورة بثينة الجلاصي، أول امرأة تونسية، تترأس مؤسسة دينية، في تونس والعالم العربي سنة 2016، وقد استطاعت أن تكون مثالا بارزا للمرأة الناجحة والآخذة بزمام القيادة.

تمكنت في فترة وجيزة من تحقيق عدة انجازات في مجالها، الذي لم يسبق لامرأة تونسية، كانت أم عربية القيام به وهو تكوين الوعاظ الأئمة والخطباء  بما يتلاءم ومتطلبات العصر وأهمّها التركيز على العلوم العقلية إلى جانب العلوم الشرعية.

تكوين شمل النساء كما الرجال، حيث قالت الدكتورة بثينة، في حوارها لمجلة ميم للمرأة العربية “أكاد أجزم بأنّ عدد النساء من مؤدبات وواعظات أكثر من عدد الرجال”.

 

من هي الدكتورة بثينة الجلاصي؟

هي  خريجة دار المعلمين العليا بمدينة سوسة سنة 1993 وأستاذة مبرّزة من كلية الآداب منوبة سنة 2002 وهي الآن أستاذة محاضرة بالمعهد العالي لأصول الدين بجامعة الزيتونة وناشطة بالمجتمع المدني وعضو منتخب بالهيئة المديرة لرابطة تونس للثقافة والتعدّد، وعضو قار بوحدة بحث : الظاهرة الدينية بتونس  بكلية الآداب  منوبة.

 

في سنة 2016، ترأست المعهد الأعلى للشريعة، بتونس وهوما مثل سابقة في تونس والعالم العربي، لو تحدثنا الدكتورة عن هذه التجربة؟ فيم تتمثل مهام رئيس المعهد الأعلى للشريعة؟

في الحقيقة كانت هذه التجربة تكليفا لشخصي وتشريفا للمرأة التونسية باعتبار أنّ رئاسة المعهد الأعلى للشريعة كانت فعلا سابقة في العالم العربي،  وليست المرة الأولى التي تكون فيها تونس سباّقة لتشريف المرأة والثقة في شخصها سواء في مجال الطب وأذكر هنا توحيدة بالشيخ أول طبيبة في العالم العربي أو في مجال النقل الجويّ واستحضر كذلك هيدا عبد النبي، وأرجو أن يكون إسهام المرأة التونسية في هذا المجال الحساسّ متواصلا ومتجدّدا، أماّ فيما يخصّ هذه التجربة فقد استفدت منها شخصياّ إذ مكّنتني من الانفتاح على عالم الوعاّظ وفهم دورهم  الفعّال في الشأن الديني وفي تحييد المساجد ومراقبة الخطاب الديني داخلها والإحاطة بنشاط الأئمة وخطبهم.

 

منذ توليك رئاسة المعهد، ماهي أبرز الانجازات التي تحققت في المعهد؟

 لقد تحققت في المعهد عديد الانجازات بشهادة القائمين  بالشأن الديني وعلى رأسهم موظفو المعهد الأعلى للشريعة وموظفون من وزارة الشؤون الدينية ، ومن أهم هذه الإنجازات، تنويع مواد تكوين الأئمة والخطباء والوعاظ بما يتلاءم ومتطلبات العصر وأهمّها التركيز على العلوم العقلية إلى جانب العلوم الشرعية ومن هذه العلوم، أذكرعلم النفس، وعلم التواصل، والتنمية البشرية، وفنون الخطابة، وعلم الاجتماع، والإعلامية، وغايتي من ذلك هو تجديد الخطاب الديني لمواكبة مستجدات العصر وفهم النص الشرعى فهما ينأى به ما تبنوه عن كل توظيف وتأويل من شأنهما أن يشوّها صورة الإسلام والمسلمين.

ونظمت يوما دراسيا بمناسبة العيد  الوطني للمرأة شارك فيه العديد من الأساتذة الجامعيين من كليات مختلفة و تحت عنوان، “مواقف الأديان وعدل الإسلام”، هذا بالإضافة إلى دورة صيفية تكوينية  للمؤدبين شملت جميع ولايات الجمهورية وقد أشرفت على أعمال خمس ولايات وقد لقيت هذه الدورة نجاحا بين صفوف المؤدبين والوعاظ.

 

 

رئاسة امرأة لمؤسسة دينية قد أثار العديد من الردود

 

 

كيف تقبل الوسط الديني، التونسي رئاسة امرأة؟

إنّ أمر التقبّل أمر معقد حسب ما يذكره المهتمون بنظريّة التقبّل لأنه يرتبط من ناحية بقراءة المتقبل وما تقتضيه من تأويلات واستحضارات لمرجعيات ثقافية وحضارية مخصوصة ومن ناحية أخرى لما يستشرفه المتقبل من آفاق ترتبط بعوامل ذاتية نفسية واجتماعية ولذلك فإنّ تقبّل رئاسة امرأة لمؤسسة دينية قد أثار العديد من الردود حسب الاعتبارات التي ذكرتها وهو أمر عاديّ بالنسبة إليّ لاني لا أتعامل مع ردود الآخر إلا بوصفي أكاديمية واعية بملابسات التقبّل في المجتمعات ومدركة لأهميّة الاختلاف في إفراز الحركية الاجتماعية، ولايماني أولا وأخيرا أنّ الديمقراطية تقتضي حرية الرأي سواء أكان سلبيا أو إيجابيا.

 

كيف كانت ردود الأفعال  وما هي أهم الانتقادات التي واجهتك؟

صدقيني لم يكن عندي الوقت لأهتمّ بردود الأفعال كان رهاني هو أن أقدّم الإضافة إلى هذه المؤسسة  وكان هو الطاغي على تفكيري ووقتي ومهما كانت هذه الانتقادات فأنا أؤمن بحرية الرأي على ألاّ يكون  تجريحا  أو إساءة مغرضة لأن الحرية تقتضي آدابا وأخلاقيات وليست فوضى أو رعونة، وفي النهاية يتحمّل كل إنسان مسؤوليته التاريخيّة، وخاصة بعض المواقع أو الحوارات الصحفية التي حاولت تأويل حديثي لتصنع الحدث ويحقق أصحابها النجومية الزائفة وأتوجه هنا برسالة إلى وسائل الإعلام والقائمين عليها وأذكرهم بضرورة النزاهة والترفع عن الضغائن والحسابات الخاصة.

 

هل يقتصر التكوين الديني في المعهد الأعلى للشريعة على الذكور دون الاناث؟ أم أنه شمولي؟

يشمل التكوين الديني في المعهد الأعلى للشريعة الرجال والنساء على حدّ سواء ولا يذهبن في أذهان البعض أنه حكر على الرجال فنحن في دولة مدنية قطعت أشواطا مع المكتسبات الحضارية وراعت في قوانينها منذ استقلالها روح الشرع الإسلامي المبني على القيم الانسانية بما فيها تكريم المرأة وتشريكها في شتى مجالات الحياة ومنها المجال المعرفي وقد برهنت المرأة التونسية على كفاءتها و ذكائها في إدارة المؤسسات وضمان حسن سيرها ولعلي لا أبالغ إذا قلت أنّ نساء كثيرات في البلدان العربية يحسدنها على منزلتها في المجتمع وعلى الحقوق التي تتمتع بها  سواء في الماضي أو الحاضر.

 

ما مدى حظوة المرأة في المعهد بالتكوين الديني؟

للمرأة كلّ الحظوة كما للرجل ليس هناك ميز بينهما والمعهد مفتوح على مصراعيه للجنسين بل أكاد أجزم بأنّ عدد النساء من مؤدبات وواعظات أكثر من عدد الرجال، وددت لو كان السؤال حول فاعلية المرأة في التكوين وأثرها في النهوض بالشأن الديني في تونس.

 

تفتقر الساحة التونسية الى الواعظات والمرشدات؟ ما تفسيرك لذلك؟

ليس صحيحا ولعلّ إحصائية من وزارة الشؤون الدينية بخصوص عدد الواعظات من شأنها أن تبيّن كثرة الواعظات وثراء الساحة التونسية بوجودهن وقد كن يتوافدن على المعهد الأعلى للشريعة في المناسبات العلمية ويحضرن بجدية أثناء التكوين.

“المرأة الداعية”، ماتزال غائبة في المشهد التونسي، لماذا؟

نحن في حاجة أوّلا وقبل كلّ شيء إلى المرأة الواعية قبل المرأة الداعية عسى أن نحظى بالمرأة الساعية إلى التغيير والتجديد، فالوعي هو السبيل الوحيد لفهم النص الشرعي وإدراك معانيه ووصلها بمشاغل الواقع والكشف عن عمق المقاصد فيها واستقراء العلل الكامنة وراء الأحكام، إنّ  كيفية قراءة النص والواقع هي الكفيلة في عصرنا الحاضر بحلّ جلّ المشاكل التي نتخبّط فيها ومتى كانت  هذه القراءة رصينة وعميقة تنشد الائتلاف وتجذر القيم سنكون عندها مطمئنين على أوضاعنا التنموية والاجتماعية والسياسية وغيره.

 

ماهي معوقات العمل الدعوي النسوي في تونس؟

ان ايّ عوائق هي  انعكاس لإعاقة في سبل التفكير وتبن لانسداد الآفاق وشعور بالإحباط، إنّ أيّ عائق في أيّ مجال يرجع إلى طبيعة التفكير أي العقلية التي يفكر بها أفراد المجتمع والتي تمثل في النهاية المخيال الجمعي بإحالاتها ومرجعياتها، ولذلك لا بدّ من مراجعة جديّة لطرائق التفكير عندنا اليوم وللآليات التي نفكر بها وللمرجعيات التي نستند اليها ولا بدّ ان ننصت لقضايا الواقع بأذن حكيمة لا مدينة ولسان قويم لا مشين.

ماهي الحلول، الممكنة من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين في العمل الدعوي؟

أظنني أجبت عن هذا السؤال مع العلم انني لا أرى ميزا بين الجنسين

 

 

تطورات جديدة في القضية الفلسطينية ما موقفكم من قرار ترمب نقل سفارة امريكا الى القدس المحتلة والاعتراف بها كعاصمة لإسرائيل؟

طبعا هو قرار عنصري أهوج لا حكمة فيه ولا رصانة وسيحاسبه التاريخ حتما على ما أقدم عليه ولولا تخاذل القائمين على الأنظمة العربية و تهافتهم ونفاقهم ما كان لهذا القرار أن يكون ولكن كما قال المتنبي:

من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميّت إيلام

 

هناك حملات ضد التطبيع  من بينها حملة عربيات ضد التطبيع اطلقتها مؤسستنا، ماهو تقييمك لهذه الحملة النسوية؟

هذه حملة لا تحتاج إلى تقييم لأنها ضرورة أكيدة أفرزها الواقع المهترئ للعالم العربي والإسلامي  وهي أضعف الايمان لما يمكن أن يقدمه العربي والمسلم للقدس والقضية الفلسطينية والحقيقة كان يفترض ان تتعمق هذه الحملة من زمن وأن تعاضدها حملات أخرى من جهات كثيرة فالتطبيع هو أصل البلاء وهو الذي أوصلنا إلى قرار ترامب على كل أشدّ على أيديكن وأنضمّ إليكن وارجو من الله صلاح الحال للبلاد والعباد.

 

ماهي رسالة الدكتورة بثينة الجلاصي الى القدس؟

لن تكون إلا تذكيرا بما أنشده سلطان الشعراء نزار قباني :

يا آل إسرائيل… لا يأخذكم الغرور

عقارب الساعات إن توقفت

لا بدّ أن تدور

إنّ اغتصاب الأرض لا يخيفنا

فالريش قد يسقط عن أجنحة النسور

والعطش الطويل لا يخيفنا

فالماء يبقى دائما في باطن الصخور

هزمتم الجيوش… إلاّ انّكم

لم تهزموا الشعور

قطعتم الأشجار من رؤوسها

وظلّت الجذور…

 

كلمة ختام

أرجو أن تكون هذه السنة طالع خير على الأمّة العربية والإسلاميّة وأن تتحقق على الأقل بعض المشاريع التنموية في بلدان الربيع العربي وأن تحظى الشعوب العربية بمكاسب الديموقراطية والعدالة الاجتماعيّة ولا يتأتى هذا الأمر إلا متى تصالحت الذوات مع نفسها ومع واقعها.

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد