مجتمع

العبودية من أجل الدين والمال والجنس

ليبيا وتجارة الرق

أحمد الأزهري- القاهرة- مجلة ميم 

أعلنت شرطة باريس، خلال شهر نوفمبر الماضي، عن قيام تظاهرة اعتراضًا على تجارة البشر ورجوع العبودية على الأراضي الليبية بشأن المهاجرين الأفارقة القادمين من تشاد والنيجر ودول أخرى قاصدين الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، بعد أن نشرت CNN تقريرًا مصورًا بث مزادًا علنيًا لبيع شباب أفارقة للعمل في إحدى المزارع، وتمت عملية الشراء بأربعمائة دولار للشخصين، مما أثار غضب المنظمات الحقوقية المعنية بالأمر التي انتقدت وبشدة حكومة الوفاق الوطني بقيادة السراج على تلك الأفعال الشنيعة التي تحدث في الأراضي الليبية، ونشرت حكومة الوفاق على لسان نائبها “المعيتيق” بيانًا تؤكد فيه أنها ولت الأمر لعدة جهات لفتح تحقيق لما يحدث على الأراضي الليبية من تجارة للبشر، وأنها تعمل جاهدة للكف عن هذا الأمر ومحاسبة تجار البشر الذين يستغلون الأوضاع الراهنة لكسب أموال طائلة من تلك التجارة.

ويرجع ذلك إلى الانفلات الأمني والفوضى وتقسيم البلاد إلى مناطق تسيطر عليها جماعات تابعة ومحسوبة على الثورة الليبية وحكومة وفاق أممية بقيادة السالف ذكره وبقايا جيش للقائد حفتر وتنظيم الدولة الإسلامية. أما الحال من قبل منذ ما يقارب سبع سنوات في ظل حكم معمر القذافي، فكان يُمنع التدفق الإفريقي بسبب سيطرة الرئيس الليبي على الحدود، فلولاه لهاجر إلى أوروبا مئات الآلاف من الأفارقة بشكل غير شرعي، وكانت الحكومات الأوروبية تقدرُ دور القذافي وتتناسى أفعاله السياسية والحقوقية خوفًا من غضبته فيفتح عليهم سلاح الهجرة غير الشرعية التي باتت الآن مصدر رعبٍ للحكومات الأوروبية.

 

 

وكشف وحيد الزوي لـ CNN بالعربية، أن عملية الهجرة تأتي بالأخص من دولتي تشاد والنيجر باتفاقهما مع جهات من السودان وتجار ليبيين لاستقبال المُتدفقين واستغلالهم ماليًا وجسديًا، وذكرت بعض الحالات التي روت لذات المصدر اعتداءات جنسية حدثت للمُهاجرين من الرجال والنساء، إضافة إلى بيعهم في سوق النخاسة كعبيد ليعملوا عند بعض التجار أو يدفعوا أموالاً تتراوح بين مائة إلى أربعمائة دولار للوصول من أقصى الجنوب الليبي حتى شواطئ الشمال في مصراتة وزوارة، حيث يتم التجمع ثم التسلل عن طريق الشواطئ إلى بلدان أوروبا، ولكن في الفترة الأخيرة كما ذكر تقرير لذات المصدر، أن الشباب الإفريقي يمكُث في الأراضي الليبية ليكمل حياته ويأبى الهجرة بعد أن يقع تحت طائلة استقطاب أفكار تنظيم الدولة الإسلامية، حيث يتم دس أيديولوجية الجهاد في العقول وتشجيعهم على البقاء والقتال معهم مقابل المال والعيش بدلاً من الهجرة التي لا سبيل لها إلا الموت أو السجن والعبودية، وقال محمد الزوي لـ CNN  بالعربية أنه يتم فرز الشباب واختبارهم على حسب الديانة والسن.

وأفاد أيضًا أن المرحلة الأولى تبدأ بجمعهم وإرسالهم إلى مصراتة بعد تدريبهم في الجنوب، ثم يتجه بعضهم في جرافات للقتال في بنغازي، والبعض الآخر يبقى في سرت من أجل استخدامهم للقتال في المواجهات العادية ضد الجيش أو حرس المنشآت النفطية، وذلك من أجل عدم خسارة الفاعلين والقادة في داعش في مواجهات قد تكون سببا فى مقتلهم. وأكمل الزوي أن التنظيم زرع الأفكار في عقول المهاجرين وعندما يصلون إلى البلدان الأوروبية تبدأ محاولاتهم في تنفيذ تلك الأفكار في الشارع الأوروبي والقيام بعمليات انتحارية وهجوم على مدنيين إلى آخره، وكان الاتحاد الأوروبي مشّط عن طريق قوات له موانئ وشواطئ حدوده، مما مكن له القبض على الكثير من المُهاجرين.

 

مظاهرات ضد الإتجار بالبشر في باريس

 

تجار البشر في تايلاند

 في مايو/ آيار، اندلعت الفتنة غربي ميانمار عندما قُتل 10 أشخاص مسلمين بأياد بوذية عندما تعرضت فتاة للاغتصاب ثم القتل من قبل ثلاثة رجال مسلمين قبل ذلك بأسبوع واحد، ومن هنا تحولت ولاية راخين أو أراكان كما عرفت على مدى قرون إلى منبع الفتنة والتحريض من قبل البوذيين ضد مسلمي الولاية، تم التحريض من قبل الرهبان ورجال الدين البوذيين، في المقابل شجعت المساجد شباب الروهينغا للدفاع عن أنفسهم ضد العدوان والتحريض المستمر.

فيما بعد، تدخلت قوات الجيش لتقف بجانب البوذيين ضد الروهينغا وتبدأ بإطلاق النار بطريقة مباشرة لتصيب من لم يصب بسكاكين الشباب البوذي، وبدأت الاعتقالات تطال البيوت التي سلمت من الحرق وأصبح مسلمو الراخين لا حول لهم ولا قوة، وأصبحت حياتهم إما أشلاء مقطعة إربا لم تدفن حتى، أو في سجون ومعتقلات قوات الجيش والشرطة، أو نازحين في حقول سيتوي، أو هاربين إلى تايلاند.

وتبين من خلال فيديو بثه أحد الشيوخ على يوتيوب، بيع الفارين من بلادهم في سوق النخاسة أيضًا من أجل العمل في المزارع، حيث يركبون سفنا صغيرة هاربين من ديارهم التي أُحرقت وعائلاتهم التي قُتلت وحياتهم التي شُردت، متجهين إلى السواحل التايلاندية، وعندما يصلون يكونون إما في قبضة يد الشرطة التايلاندية ليحتفظوا بهم في السجون، أو يسلمون لتجار البشر، فَيُباعون في السوق السوداء للعمالة مقابل 1000 دولار للذكر ونصف المبلغ للأنثى.

 

مصر الأولى تجاريًا في الأعضاء البشرية

أما عن العبودية الجسدية، أو كما يتداولها البعض بالمفهوم الجنسي، ففي تقرير نشرته مؤسسة أمريكية، ذكرت فيه أن مصر تتصدر قائمة بلدان الشرق الأوسط، وأن فيها يُجبر النساء من خلال شبكات غير أخلاقية للبيع إلى السائحين الأثرياء القادمين من دول الخليج في مواسم الصيف، كما أنها الأولى من حيث تجارة الأعضاء البشرية، وكشف التقرير أنها تعتبر طريقًا لتصدير البشر عبر حدودها السيناوية الشمالية الشرقية إلى إسرائيل، ومنها إلى بلدان أخرى حيث يتم تهريب شباب أفارقة من إريتريا والسودان وساحل العاج وإثيوبيا بواسطة شبكات مسلحة. وذكر التقرير أن هناك نساء مصريات أصبحن سلعة أو خزينة تشترى من أجل إنجاب الأطفال وبيعهم لأُسر يهودية غير قادرة على الإنجاب، حيث تقوم شبكة يهودية باستقطاب النساء من أجل العمل بالسياحة، ويتم إجبارهن على الإنجاب، وتقود تلك الجماعة محامية يهودية كما ذكر المصدر.

ليس في مصر فقط، فـفي نيجيريا، استهل زعيم حركة بوكو حرام الإرهابية – على حد وصف المجتمع الدولي – كلماته، قائلاً أنه تبنى مسؤولية اختطاف 276 طفلة، وأنه سيَبيعهن في سوق الزواج والعبودية.

وكانت أكبرهن سنًا لا تزيد عن 12 عامًا، وذلك قبل ثلاثة أعوامٍ فقط، ووفقًا للإحصائيات، يوجد ما بين 670  إلى 740 ألف شخص يقعون تحت سيطرة العبودية في نيجيريا، ونهاية مصير النساء منهم إما الزواج من رجال يستغلونهُن جنسيًا، وفي بعض الحالات الإتجار بهن وبيعهن للدول المجاورة، أو حتى التصدير إلى دول أوروبا، ومن هذه الحالات ما كشفها التقرير، كما قالت رئيسة منظمة “ووك فري” فيونا ديفيد.

وفي عام 2013، كشفت مقررة الأمم المتحدة للإتجار بالبشر “شوي نغوزي” عن قصة فتاة نيجيرية بيعت وانتقلت في عدة بلدان أوروبية كصربيا وتركيا والمجر وسلوفينيا حتى استقرت في إيطاليا، كانت تمر بشتى أنواع العبودية الجنسية إلى أن اضطر والدها في نيجيريا لبيع كل ما يملك لاستعادتها مقابل مبلغ قدره 84 ألف دولار أرسلوها لمشتريها في إيطاليا.

 

 ماذا عن الغرب؟

هذه الظاهرة لا تقتصر على الدول الإفريقية الفقيرة والشرقية النامية فقط، بل في روسيا أيضًا تتضح تلك الظاهرة. “لكن مصيرهن يكون ببيعهن إلى نوادي الجنس وعلب الليل بعد أن يحرمن من وثائقهن وجوازاتهن، بل وحتى ما يحصلن عليه من مال مقابل استغلالهن جنسيا”، هكذا قالت مديرة إحدى الجمعيات النسوية تعقيبًا على دور حوالي أكثر من 43 جمعية نسوية يقمن بإعطاء الوعي الكافي للفتيات الروسيات لاسيما القادمات من الريف الروسي للمدن، ويتم إغراؤهن بالعمل بمقابل مادي ضخم في بلدان الغرب الأوروبي، ثم يتحولن إلى سلعة تجارية جنسية، وكما قالت “جورجا كوفا” مديرة إحدى تلك الجمعيات أن تلك الظاهرة ترجع إلى ما خلفه التراث السوفيتي، وأن الستار الحديدي أدى إلى تجهيل النساء بما يحدث في المجتمعات والبلدان من حولهم، وأصبحت النساء جاهلات بالقوانين الدولية كالهجرة وغيرها، وقالت الأمم المتحدة من قبل أن أرباح التجارة النسائية تصل من سبعة  إلى أثني عشر مليار دولار سنويًا.

 

 

كما أدانت هيومن رايتس ووتش في إحدى تقاريرها عام 2014 اختطاف أُناس يحملون الجنسية الإريترية، وذكرت أن شبكات ومنظمات مسلحة مصرية وسودانية احتجزت مجموعة من الشباب الإريتري في معسكرات في شرق السودان وشبه جزيرة سيناء، حيث سجلت المنظمة 29 واقعة، وقال ضحايا تلك الواقعة بعدما أجروا مقابلات مع المنظمة، إن مسؤولين سودانيين ومصريين قاموا بتسهيل انتهاكات المتاجر البشرية بدلاً من اعتقالهم ومحاسبتهم وإنقاذ المختطفين، وقال بعض الشهود أنه تم تعذيبهم مقابل مبلغ 40 ألف دولار طلب من أهاليهم، كما ذكروا أن الانتهاكات كانت باغتصاب الرجال والنساء والضرب والتعذيب والتشويه والصعق الكهربائي وحرق الأعضاء التناسلية لهم عن طريق الحديد الملتهب والماء الفائق سخونته والتعليق من الأرجل في الأسقف ومنعهم من النوم لفترات طويلة، وشهد آخرون على موت زملائهم جراء التعذيب الذي تعرضوا له.

 

 

وقال “جيري سمسون” باحث في برنامج اللاجئين في المنظمة، أن المسؤولين المصريين ينكرون الانتهاكات المروعة للاجئين التي تحدث على الأراضي السيناوية، وقالوا أن على إريتريا وضع حد للابتزاز على أرضها.

وفي تقرير للأمم المتحدة، صادر في إبريل/ نيسان عام  2015، ورد أن استغلال البشر واستعمالهم كسلعة للإتجار بهم يتواجد في كل دول العالم، وطبقًا للإحصائيات، ففي عام 2011، كان 53% من ضحايا الاستغلال والعبودية الجنسية و40% من ضحايا العمل القسري كالزراعة والبناء وتجهيز المطاعم والمأكولات والخدمات الترفيهية والمنزلية، وتم اكتشاف أسباب أخرى كالتجنيد لأهداف معينة سواء على المستوى الفكري، أو كزواج القاصرات أو تجارة الأعضاء والتبني والإنجاب وغيرهم.

وذكر التقرير أن أسباب تنامي ظاهرة الاتجار بالبشر عاما تلو العام، هي الفقر وعدم المساواة، وبينهُما وبين الاتجار علاقة طردية كلما زادَا زاد الإتجار معهما.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.