سياسة

الإمارات تعترف رسميا بتوظيف أذرع إعلامية وجمعياتية في تونس ضد حركة النهضة

الوثيقة المسرّبة تكشف نوايا التدخل الخارجي قبل الانتخابات البلدية

أنس الخالدي – مجلّة ميم

 

افتتح المتابعون للمشهد السياسي التونسي سنة 2017، بتسريب لوثيقة يطلب فيها سياسي تونسي وأحد مؤسّسي “جبهة الإنقاذ والتقدّم”، دعما إماراتيا إعلاميّا وماليّا لتكوين كتلة “مضادّة للإسلاميين”. وفي شهر جوان من نفس السنة تسرّبت إلى وسائل الإعلام وثيقة من 7 صفحات، لا تحمل توقيع مؤلّف تتحدّث عن “تجذير النفوذ الإماراتي بالبلاد” وحدّدت بوضوح “اللاّعبين” و”الأدوار” و”الوسائل”، أمّا نهاية السنة فقد تحوّل “العداء” إلى ممارسة معلنة بعد “إهانة” الإمارات لنساء تونس. وبات مؤكّدا أنّه “انتقام مؤجّل” من التجربة الديمقراطية الناشئة في البلاد ومن مواقف الخارجيّة التونسيّة بشأن الأزمة الخليجيّة.

وثيقة أولى من داخل السفارة الإماراتية بتونس تليها وثيقة إماراتيّة، دون توقيع رسمي، والثالثة وثيقة رسميّة صادرة بتاريخ 27 ديسمبر 2017 عن “إدارة تخطيط السياسات” في وزارة الخارجية والتعاون الدولي بدولة الإمارات، وموجهة بشكل حصري وسرّي إلى خمسة مسؤولين كبار فقط، على رأسهم وزير الخارجية عبد الله بن زايد آل نهيان، ووزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش.

الوثيقة الإماراتيّة تجاهلت بشكل شبه كلّي طبيعة الأزمة الأخيرة وأكّدت بوضوح أنّ الأزمة متراكمة وليست وليدة اللحظة بل متعلّقة أساسا بمخرجات الثورة التونسيّة والثورات العربيّة عموما وما أتاحته من فرص للمشاركة السياسيّة للإسلاميين، وهو ما تعترض عليه بشكل واضح الإمارات وتضع أجندات لمنع وقوعه أو الانقلاب عليه في صورة حدوثه، وتكشف  الوثيقة الإماراتيّة الأخيرة تلك المساعي بوضوح في تونس.

لن نعتذر

وثيقة “تقدير الموقف” الإماراتي المسرّبة شدّدت على عدم تقديم اعتذار رسمي إماراتي لتونس وذهبت إلى “تكذيب” وزير الخارجيّة خميس الجهيناوي بشأن تصريحاته التي قال فيها إنّ مسؤولين إماراتيين اتّصلوا به للاعتذار وأن تونس تطلب اعتذارا علنيّا.

وزير الخارجية خميس الجهيناوي

التوصية الأولى التي أوردتها الوثيقة الإماراتية المسرّبة أكّدت أن الاعتذار سيسيء لصورة الإمارات، مطالبة مسؤولي البلاد بعدم الالتفات إلى المطالب التونسيّة في هذا الخصوص، وهي توصية تؤكّد الأسلوب الذي تتعامل به سلطات أبو ظبي مع الأزمة الأخيرة.

النهضة وقطر وتركيا

وثيقة “تقدير الموقف” الإماراتية المسرّبة، وُضعت أساسا لتحويل النقاش عن الموضوع الجوهري للأزمة التونسيّة الإماراتيّة إلى نقاش آخر يتعلّق بالتوازنات التونسيّة الداخليّة وبشركاء تونس والدول الصديقة لها، بشكل يفضح كون الخطوة الإماراتيّة الأخيرة لا تتعلّق أساسا بمعطيات “أمنيّة” بقدر ما تتعلّق بموقف “مُعلن” في الوثيقة المسرّبة من الا بينا لإئتلاف الحكومي بين النهضة والنداء في تونس، منذ الحوار الوطني.

وتؤكد الوثيقة، بشكل واضح اعتراض حكّام أبو ظبي على وجود حركة النهضة ضمن مشهد الحكم والمشهد السياسي عموما، واعتراضهم عن طبيعة العلاقات الخارجيّة التي تربط تونس بدول مثل تركيا وقطر التي تعلن الإمارات العداء ضدّهم بشكل واضح.

الوثيقة الإماراتيّة تحدّثت باطناب عن “تثمين” موقف الناطقة الرسميّة باسم رئاسة الجمهوريّة التونسيّة سعيدة قرّاش وهو الموقف الذي بدا “نشازا” في الأزمة التونسيّة-الإماراتيّة، مع تركيز الوثيقة على “تحويل” النقاش من ازمة سياسية مع الدولة االتونسية إلى شيطنة واتّهام حركة النهضة بالإرهاب، في محاولة للربط بين “المبرّر الأمني” الذي قدّمته سلطات أبو ظبي وبين وجود حركة النهضة في السلطة بطريقة تدعو بوضوح لتحويل الصراع بين نساء تونس والإمارات، إلى صراع لنساء تونس مع حركة النهضة التي عبّرت بوضوح وتبنّت بشكل واضح مطالب التونسيّات وحقّهنّ في ردّ الاعتبار لمكانتهنّ وصورتهنّ بالشكل المناسب.

سعيدة قراش الناطقة الرسمية باسم رئاسة الجمهورية التونسية

كما أن الإصرار على تحويل النقاش إلى هذه الزاوية المغلوطة يشير إلى أنّ إشكال الإمارات يتعلّق أساسا بوجود حركة النهضة، لا بغيرها كما تؤكّد الوثيقة.

وفي استمرار لخطابها الذي تناصب من خلاله العداء لـ”الإخوان المسلمين”، حاولت الوثيقة الإماراتيّة مجدّدا اعتماد توصيف “إخوان تونس” الذي بات جزءا من الماضي، لا فقط بسبب حركة التطوّر التي تشهدها حركة النهضة في السنوات الأخيرة، ولكن أيضا بفضل التوصيفات التي قدّمتها تقارير أوروبيّة وعالميّة كثيرة منذ سنتين، نأت بحركة النهضة عن الارتباطات الخارجية واعتبرتها مكوّنا أساسيا من المشهد السياسي والحزبي التونسي.

أذرع مدنيّة وإعلاميّة

 

واحدة من أخطر التوصيات الواردة في الوثيقة الإماراتيّة المسرّبة تحدّثت بوضوح عن “تحريك وسائل إعلاميّة وجمعيات تونسية” لصالح الأجندات الإماراتية في الداخل التونسي، بما يؤكّد وجود اختراق إماراتي للبلاد يمسّ من سيادتها بشكل واضح، اختراق كشفته بعض المؤشّرات سابقا، أمّا اليوم فقد أعلن عنه، باعتراف رسمي إماراتي.

وتأتي الخطوة الجديدة للنشاط الإماراتي في تونس، لتلفت الانتباه إلى خطورة التدخل الخارجي المتآمر على الانتقال الديمقراطي والتجربة التونسيّة، خاصة في مرحلة تقبل فيها البلاد على استحقاق انتخابي مهمّ في تاريخها وهو الانتخابات البلدية.  وبات مكشوفا لدى الرأي العام التونسي والدولي أنّ العداء الإماراتي للتجربة التونسية تجاوز حدود التغريدات وخطابات مسؤوليها، إلى توظيف أذرع بالداخل التونسي يعوّل حكّام الإمارات على قدرتهم على تحويل وجهة الأزمة والنقاش بل وشيطنة طرف سياسي بعينه (حركة النهضة) بتهمة الإرهاب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.