مجتمع

المرأة الفلسطينية بين مطرقة الاحتلال.. وسندان الصورة النمطية

سلسلة فسيفساء فلسطينية (2)

“فسيفساء فلسطينية” سلسلة حلقات تتناول جوانب مختلفة من حياة المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي بأسلوب قصصي مستوحى من أحداث وتجارب واقعية.

 تؤرخ لفترة “ذهبية” في تاريخ النضال الفلسطيني ضد الاحتلال، وخاصة سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، والتي شهدت انطلاق “الانتفاضة الأولى”، وتلتها الانتفاضة الثانية مطلع الألفية الثانية. هي “فسيفساء” بكل معنى الكلمة، لأنها لا تتناول الاحداث بشكل تسلسلي متتابع، أو منظم بطريقة معينة. بل هي حلقات تشكل مجتمعة لوحة حياة المجتمع الفلسطيني في تلك الفترة.

لم تكن طريق النضال معبدة وسهلة، بل تخللتها المعاناة والألم والقمع الاحتلالي، ورغم ذلك كان هناك من يثابر ويواصل المسيرة دون كلل أو ملل، ويزرع الأمل في صخرة المعاناة لكي تنبت شجرة الحرية. لعل في هذه الفسيفساء ما يكفي لكي نربي في أجيالنا الناشئة روح النضال والأمل والتفاؤل بأن الفجر لا بد آت مهما طال الزمن، ومهما تكالب الأعداء.

 

وصلني منذ عدة أيام، وحتى البدء بكتابة هذه المقالة، مئات من الرسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة تحتوي على تسجيل فيديو قصير، تظهر فيه صورة سيدة مسنة تقف وسط مجموعة من الحضور فيما يشبه وقفة احتجاجية أو تظاهرة، وتظهر وسط التجمع يافطة لا يظهر التسجيل كلماتها أو المكان الذي جرت فيه، وإنما يظهر فقط التاريخ، وهو التاسع من كانون أول المنقضي. التسجيل يركز اساساً على السيدة وهي تحمل بيديها ميكرفون وتقوم من خلاله بإطلاق جملة من الشتائم والألفاظ تجاه العرب. ولاحقاً لذلك وصلتني عدة رسائل أخرى تظهر نفس التسجيل وقد تم إجراء بعض التغييرات والمونتاج فيه ليظهر وكأنه حفلة موسيقية، تتكرر فيها نفس الشتائم بطريقة موسيقية.

تفاجأت حقيقة من سرعة انتشار هذا التسجيل وتداوله، الأمر الذي يشير إلى نوع من القبول والاستحسان الشعبي العام لما عرضه التسجيل. وحتى أضع النقاط على الحروف، ولكي لا تضيع الأمور عن مسارها الصحيح، فإنني أود التطرق لبعض الملاحظات السريعة قبل الدخول لفكرتي الرئيسية من هذه المقالة.

اعتقد أن غالبية المتداولين للتسجيل لم يتسنّ لهم التأكد من صحته، رغم عدم صعوبة ذلك، كما لم يجر ايضا التدقيق في السياق الذي جرى فيه، والهدف من اقتطاع هذا الجزء من اجمالي التسجيل للحدث والسياق. كما اعتقد انه لم يقم أحد بالتدقيق في مراعاة قواعد واخلاقيات النشر من حيث موافقة السيدة ومن يظهر معها في التسجيل على عملية النشر بهذه الطريقة.

الأهم من هذا كله باعتقادي، إذا افترضنا النية الحسنة لناشر التسجيل، أن المقصود بالشتائم التي تلفظت بها السيدة هي الانظمة العربية الرسمية، وليس “العرب” عموماً. حيث يبدو في المزاج الشعبي العام الفلسطيني ان هناك احتراماً كبيراً للشعوب العربية التي خرجت بالملايين الى شوارع المدن والعواصم المختلفة للتعبير عن تضامنها ووقوفها الى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته. بعكس الشعور المتنامي تجاه الانظمة الرسمية التي تظهر العديد من المؤشرات على صمتها، إن لم نقل، تواطئها مع السياسة الأمريكية والإسرائيلية تجاه القدس خاصة، والقضية الفلسطينية عامة.

 

 

أما الفكرة الرئيسية لمقالتي هذه، فهي الصورة التي يعرضها التسجيل للمرأة الفلسطينية، هذه الصورة التي تعبر عن الذهن والفكر الجماعي للمجتمع الفلسطيني في نظرته الذكورية السائدة للمرأة الفلسطينية عموماً، والتي تنعكس من خلال وسائل الاعلام والمواد الاعلامية المختلفة. تظهر المرأة في ذلك التسجيل كإنسانة ساذجة، يائسة، لا تملك الوعي والمعرفة للحديث والتحليل واتخاذ موقف علمي وعملي تجاه القضية المطروحة، وتتصرف بانفعال مبالغ فيه، ويسهل استفزازها وجرها للتفوه بكلمات او عبارات وشتائم غير مألوف تداولها على الملأ وبهذه الطريقة. وكأن كل ما تملكه هذه المرأة من رصيد هو قدرتها على بث الحماس والتشجيع لدى الرجال الذين يسمعونها ويثير كلامها استحسانهم وضحكهم.

قد يكون من السهل لأي متمعن ومتابع لوسائل الإعلام الفلسطينية المختلفة أن يلاحظ تلك الصورة الإجمالية التي تشكلها وتعرضها للمرأة الفلسطينية ومشاركتها، حتى في ظل المواجهات والصدامات القائمة حالياً مع قوات الاحتلال. لاحظت خلال الأيام الماضية أن النساء الفلسطينيات يتصدرن ليس فقط الحراك السياسي الرافض لقرار الولايات المتعلق بمدينة القدس، وإنما يتصدرن أيضاً صفوف المواجهات والصدامات الميدانية مع قوات الاحتلال. وهو ما تظهره الصور والبث الميداني لكثير من وسائل الإعلام المحلية والدولية التي تتابع التغطية المباشرة للأحداث الميدانية. وتواجه النساء بأجسادهن واساليبهن المختلفة جنود القمع مثلاً على مداخل البلدة القديمة في القدس. ونرى يومياً أن أعداد النساء والفتيات المشاركات يفوق أعداد الرجال والذكور في أحيان كثيرة.

 

 

وتشارك النساء والفتيات بفعالية في رفع الأعلام الفلسطينية والمواجهات وضرب الحجارة والتصدي لعمليات القمع، وفي العمل الإعلامي الميداني وعمليات اسعاف ونقل الجرحى وغيرها من العمليات الميدانية. وكان لافتاً مثلا صورة نائبة سابقة في المجلس التشريعي وهي تقود إحدى التحركات في مدينة القدس وتعرضها للضرب والاعتداء من قبل الجنود، وصورة فتاة اخرى وهي تتصدى لمحاولات مجموعة من الجنود للاعتداء عليها بالضرب ومحاولة سحب العلم الفلسطيني من يدها، وتسجيل الفيديو لتلك السيدة التي تصدت للجنود الذين حاولوا  الاعتداء على طفلها خلال أحد الاعتصامات على أحد مداخل مدينة القدس ليقوم الجنود باعتقالها لاحقاً.. وغيرها الكثير من الامثلة. ورغم ذلك لم تحظ مثل هذه الصور بنفس الانتشار والتركيز الذي حظي به التسجيل الذي أشرت إليه أعلاه، بل مرّت مثل هذه الصور مرور الكرام إجمالاً.

 

 

تشارك المرأة الفلسطينية بصورة مباشرة في النضال الوطني الفلسطيني وهي تتعرض للضرب والاعتقال والإصابة والقتل وكل اشكال القمع، تماماً مثلها مثل الذكور، هذا الى جانب كونها ام واخت وزوجة للشباب والاطفال والرجال الذين يتعرضون للقمع. ولكنها مع ذلك لم تحظ بالفرصة المناسبة لعرض هذه الصورة في الاعلام كفاعل وعنصر متساو في الفعل العملي والميداني إلى جانب الرجل، وبقيت صورتها تراوح في ذلك المكان الذي وضعتها فيه الثقافة الابوية الذكورية السائدة في المجتمع.

وعلى العكس من ذلك، ورغم هذا الأداء المتميز للمرأة الفلسطينية في مجرى النضال الوطني الفلسطيني، فإننا لا نعدم بعض الشواهد والمؤشرات التي تقلل من أهمية هذه المشاركة وتأثيرها. بل ربما نجد هناك من يجاهر علناً وصراحة بأنه ضد مشاركة النساء وخاصة في المواجهات مع قوات الاحتلال، بدل التقدير والتثمين العالي لهذه المشاركة وتحفيزها. وفي نفس الوقت الذي تتصدر فيه النساء والفتيات ميادين المواجهة، فإن هناك من يُجهد نفسه في مناقشات لا تصلح لان تكون على مستوى الحدث كأن يتحدث أحدهم عن عدم فائدة مشاركة النساء في المظاهرات، أو انتقاد طبيعة  اللباس الذي ترتديه المتظاهرات.

 

 

تقول المقولة الشعبية الفلسطينية “الفعل لزيد والصيت لعبيد”، أي أن العمل الفعلي والحقيقي يقوم به “زيد”، في حين ينال “عبيد” الشهرة والسمعة الطيبة المناسبة على هذا العمل. وفي الوقت الذي تخوض فيه المرأة غمار الميدان الفعلي للحدث بكل تفاصيله، فإنها لا تحظى بنفس الفرصة والتركيز في الظهور في الاعلام كفاعلة ومؤثرة. قلة قليلة من النساء يظهرن في وسائل الاعلام عندما يأتي دور التحليل والتعليق السياسي مثلاً، ويحتل الذكور المساحة الأكبر في هذا المجال، وغيرها من المجالات الاخرى.

سرعة انتشار وتداول التسجيل المشار إليه تشير إلى أن هناك تكريسا لصورة عامة نمطية للمرأة التي يتركز دورها في الخلفية الثانوية للأحداث، والتي لا تملك سوى التعبير عن الغضب من خلال الشتائم التي تنال إعجاب الرجال ويتداولونها بسرعة كبيرة جدا، وتتراجع صورة المرأة القوية المناضلة المشاركة الفاعلة في الميدان إلى هوامش الأحداث والأخبار والتغطية الإعلامية. وحتى يثبت العكس فإنني اعتقد أن الصورة النمطية للمرأة ودورها لا تزال هي الصورة السائدة في وسائل الإعلام، وهو ما يمكننا الاستدلال عليه بالعين المدققة في تفاصيل تلك التغطية.

الوسوم

نبيل دويكات

كاتب فلسطيني

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق