سياسة

تركيا تتقدم سياسيا واقتصاديا على الدول النفطية

توفيق الخالدي – مجلة “ميم”

تشهد السنوات الأخيرة تنامي المؤشرات على وجود صراع على تزعّم العالم الإسلامي، صراع يتّضح جليّا في بعض المحطّات المهمّة لعلّ آخرها القرار الأمريكي بشأن القدس الذي قابلته دول معسكر “محور الاعتدال العربي” بزعامة السعودية بالصمت، في الوقت الذي احتضنت فيه إسطنبول قمة إسلامية تغيّب عنها زعماء دول المعسكر المذكور، قبل أن تنجح تركيا نفسها في تمرير قرار مناصر للقدس بأغلبية ساحقة تحت قبة الجمعيّة الأممية وردّ عليه المعسكر بتصريح إماراتي: “تركيا لن تتزعّم العالم الإسلامي” في امتداد للصراع المعلن مؤخرا بين البلدين.

الصراع على الجغرافيات العربية بين دول وقوى إقليمية عظمى، وإن بات مكشوف المعالم وواضح الخطط والأجندات، فإنّه يؤكّد ضعف هذه الجغرافيا بفعل طبيعة النظم الحاكمة وخياراتها وتموقعاتها وعلاقاتها البينية التي تشوبها الصراعات وتنخرها المؤامرات في الغالب، وبذلك تحوّلت قوى إقليمية كبرى مثل تركيا وإيران إلى “أعداء” لا للشعوب بل للأنظمة الحاكمة في المنطقة على رأسها النظم الخليجيّة.

في نهاية القرن العشرين كانت الدول النفطيّة تشهد أوج ازدهار حجم الإيرادات بالتزامن مع أزمة خانقة كانت تمر بها تركيا، وهي معادلة انقلبت بشكل كبير بعد سنوات قليلة، ففي النصف الثاني من العقد الأول من القرن الواحد والعشرين بدأت تركيا ترسي دعائم إعادة هيكلة وإصلاح الاقتصاد بالتزامن مع إصلاحات سياسية كبيرة تلت وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، أمّا الدول النفطيّة فقد دخلت نفق العجز عن التخطيط لما بعد النفط، دون إصلاحات سياسيّة.

المدرعة كوبرا نموذج لتطور الصناعات العسكرية التركية

وفي ظرف وجيز تمكّنت تركيا من سداد ديونها وتقليص نسب الفقر والرفع من مستوى المعيشة ومن الدخل الأدنى المضمون، في الوقت الذي تتجه فيه اقتصاديات الدول النفطية الخليجيّة إلى التذبذب بفعل أسعار النفط وبفعل قرب انتهاء المخزون واتّجاه الاقتصاد العالمي نحو البحث عن موارد وثروات جديدة.

ويتحدّث كثيرون بعد نحو عقد ونصف من وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عن “معجزة اقتصاديّة تركيّة” تعكسها الأرقام والإحصائيات. وتمكّنت من تجاوز عقبات كثيرة من أبرزها انهيار الليرة بعد المحاولة الانقلابية الأخيرة وقبلها أزمة اللاجئين السوريين. ولكنّ الاقتصاد التركي لا يزال رغم ذلك يعاني من بعض الإشكاليات الهيكلية الكثيرة، أمّا سياسيّا فقد تمكّنت تركيا من قطع خطوات كبيرة نحو إرساء ديمقراطيّة صلبة تجلّت بشكل واضح في وقوف الشعب والأحزاب المعارضة صفا واحدا ضدّ الانقلاب العسكري صائفة 2016.

وغير بعيد عن تركيا، مازالت الدول النفطية الخليجيّة تجرّم الانتخاب وتناصب ثورات الشعوب العربية العداء، واعترف بعض قادتها إبان اندلاع الأزمة الخليجيّة بأن الديمقراطيّة فكرة غريبة عليها من الأساس، أمّا اقتصاديّا فقد وصلت هذه الدول إلى مرحلة التقشّف والحديث عن رفع الدعم والترفيع في الأسعار والضرائب.

الصادرت التركية تغزو أسواق العالم

وقد حمل اليوم الأوّل من السنة الجديدة 2018، مفارقة في القرارات، الأولى مقارنة بين تركيا والدول النفطية الخليجيّة، ففي الوقت الذي أعلنت فيه أنقرة زيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 14% في البلاد، افتتحت الدول النفطية الخليجية عامها بزيادات في المحروقات وبالترفيع في الضرائب، ضمن ما تسمّيه هذه الدول مسار إرساء اقتصاد مابعد النفط.

وإذا كانت التجربة التركيّة تحتاج، رغم ما حققته إلى حدّ الآن، إلى المزيد من الإصلاحات على المستوى السياسي والاقتصادي، فإنّ الدول النفطيّة الخليجيّة تعيش أزمة مآلات الخيارات الاقتصاديّة والسياسية الفاشلة معا.

الوسوم

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.