الرئيسيثقافة

فنجـــــــان قهوة: رحلة في التاريخ

ثقافة

 

ربّما لم يخطر ببال من اكتشف القهوة أنّ هذا المشروب سيوحد العالم من حيث الإقبال عليها، وربّما لم يحدس حينها أنّ صباحات الناس في كلّ قارّات الأرض لن تمرّ دون لسعة القهوة الساخنة، إنّها بمثابة الإعلان عن ميلاد يوم جديد، وأن يصبح للقهوة أغان وذكريات، وأن يكتب الشعراء عن القهوة مع المقاومة والحنين والذكريات والحبّ والهجر، كيف يمكن أن يحتمل فنجان صغير كلّ هذا الصخب؟ اشربها على مهل وستعلم وحدك إلى أيّ عالم ستأخذك القهوة بعيدا..

يعود اكتشاف القهوة إلى القرن الخامس عشر بشبه الجزيرة العربية، تحديدا باليمن، وارتبطت ببعض المجموعات الصوفية اليمنية “الطريقة الشاذلية” التي تعاملت معها كمنشط طبيعي كما سميّت أيضا بـ”القهوة الشاذلية” نسبة إلى علي بن عمر بن إبراهيم الشاذلي المتوفي في 1419 ميلادي، وقد أثار استهلاكها ضجة كبيرة آنذاك، فذهب البعض إلى تحريمها وذلك بعد وصولها إلى مكة التي شهدت تأسيس أوّل مقهى في العالم في سنة 1500 ميلادي وأصدرت فتوى تحريمها في 1511 ميلادي.

نقل كتاب “الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة” لصاحبه نجم الدين محمد بن محمد الغزي جدل تحريم وتحليل القهوة، فيقول “اختلف العلماء في أوائل القرن العاشر (هجري) في القهوة وفي أمرها، حتى ذهب إلى تحريمها جماعة ترجح عندهم أنها مضرة، … والأكثرون ذهبوا إلى أنها مباحة، وقد انعقد الإجماع بعد من ذكرناه على ذلك – أي على الإباحة”. وقد انتشرت فتاوى التحليل والتحريم لاسيّما في صنعاء ومكة والقاهرة.

 

ذهب المحرمون إلى اعتبار القهوة خمرة مسكرة تذهب بالعقل ومشروبا يحث على الرذيلة، فهي تبعد الناس عن المساجد وذكر الله إلى تجمعات وحلقات لا تنفع المؤمن بل تضرّه، بينما اعتبرها المحللون لها أنّها مشروب طبيعي لا ضرر فيه.

انتشرت القهوة بعد موطنها الأصلي اليمن في دول عربية كثيرة، وقد ساهم تجار اليمن في التعريف بها وقد دخلت أوّل مرّة إلى تركيا في سنة 1517، وذلك بعد فتح مصر، وأصبحت من ضمن السلع الغالية وذات القيمة العالية يتهافت عليها الناس، وقد عرفت الإمبراطورية العثمانية تأسيس 600 مقهى في 1570 ميلادي، وكان أوّل مقهى ملكا  لتاجرين من سورية “حكم الحلبي” و”شمس الدمشقي” اللذان فتحاه في منطقة تاهتا قلعة باسطنبول.

 

 

نقل الرحالة الأوروبي جان دي لاروك في كتابه “رحلة إلى الجزيرة السعيدة” ضمن حديثه عن القهوة، أنّ مدينة تلفاجي التركية كانت معروفة بمضاربات التجار من أجل شراء مادة القهوة من تجار من مصر واليمن وأتراك، الذين حمّلوا هذه المادة من اليمن عبر مراكب حطت على موانئ البحر الأحمر ثم أعيد شحنها من جديد لتدخل ميناء جدّة والسويس ثم يعاد تحميلها على جمال القافلات ليعاد توزيعها في كلّ دول الامبراطورية العثمانية.

 

ومع بداية القرن السادس عشر، شهدت أغلب الدول العربية القابعة تحت حكم الامبراطورية العثمانية بناء المقاهي وتقديم القهوة في أماكن مخصصة لهذا الغرض، وقد جاء في كتاب العمارة الذكورية لشاكر لعيبي، أنّ “أحمد باشا حاكم مصر قد شيّد عند نهاية القرن السادس عشر من بين أشياء كثيرة، المقاهي في بولاق وفي حيّ رشيد، الأمر الذي لم يمنع أنّ المقاهي كانت ملاذا للمدمنين على المخدرات. في القاهرة وحلب كان روّاد المقهى العاديون يدخنون التبغ ويلعبون الدامة والشطرنج، ويتناقشون في الأمور اليومية”.

 

 

كما عرف عن المقاهي أنّها تجمعات للمعارضين، لذلك تمّ إغلاقها في اسطنبول وذلك في عهد السطان مراد الرابع “القرن السابع عشر”، بسبب ظهور جماعات مناهضة لحكمه، أما محمد علي حاكم مصر في منتصف القرن التاسع عشر، فقد أرسل جواسيس لتفقد المقاهي خاصة وأنّها كانت تمثل تجمعا للمواطنين الذين يخوضون في الشأن السياسي.

 

مقهى في الدولة العثمانية

 

عرفت المقاهي في القرن التاسع عشر أنّها مراكز للتسلية والترفيه، يقدّم إلى جانب القهوة وصلات غنائية من أجل استقطاب الزبائن، ومازال مقهى الفيشاوي الأشهر والأقدم بمدينة القاهرة يعتمد على العازفين الجوالين لتنشيط سهرات المقهى وتحفيز المارة على دخوله.

 

مقهى الفيشاوي

 

كما ارتبطت بعض المقاهي في الدول العربية بأسماء المفكرين والكتاب الذين وجدوا فيها ملاذا للتفكير والنقاش وأيضا الكتابة، ومن أشهر المقاهي في التاريخ الحديث مقهى ريش بميدان طلعت حرب، تمّ بناؤه سنة 1908، وكان يجمع أكبر المثقفين والكتاب بمصر كنجيب محفوظ ويوسف ادريس وأمل دنقل وصلاح جاهين، كما احتضن مقهى ريش ندوات نجيب محفوظ الأدبية وندوات توفيق الحكيم وغيرهم من الكتاب المصريين.

 

مقهى ريش

 

واشتهر مقهى الزهاوي ببغداد نظرا لكونه الأقدم، حيث تأسس في 1917، وعرف بإسمه الزهاوي نسبة للفيلسوف جميل صدقي الزهاوي الذي كان أحد رواده، كما كان الشاعر بدر شاكر السيّاب والفنان ناظم الغزالي وعلي الوردي وغيرهم ممن ارتبطت أسماؤهم بهذا المقهى إلى يومنا هذا، والذي مازال محافظا على طابعه الثقافي.

 

مقهى الزهاوي

 

وكتب بعض الشعراء العرب عن القهوة، لعلّ أشهرهم محمود درويش الذي قال:

القهوة لا تُشرب على عجل

القهوةٌ أخت الوقت تُحْتَسى على مهل

القهوة صوت المذاق

صوت الرائحة

القهوة تأمل وتغلغل في النفس وفي الذكريات

 

فلم تكن له القهوة مجرّد مشروب، بل صنع من خلالها كينونته، إذ هي ترمز إلى الأرض تارة، وتذكره بأهله وخاصة والدته “أحنّ إلى خبز أمّي وقهوة أمّي” تارة أخرى.

لقد شكلت القهوة في عرف العرب رمزا للكرم والحفاوة، ولعل أغنية سميرة توفيق تذهب بنا إلى هذا المعنى “صبّوا القهوة .. صبوها للنشامى على ظهور الخيل”، وأيضا مصدرا للإلهام والكتابة، وأيضا للتغزل بالفتيات السمراوات، إنّها القهوة العربية التي اختزلت كل هذا في فنجان صغير.

 

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.