ثقافة

الدراما التركية: القوة الناعمة لتركيا الجديدة

انتشرت الدراما التركية في مختلف أنحاء العالم من الشرق إلى الغرب. ووفق الأرقام الرسمية التي أوردها لتلفزيون التركي فإن 30 فى المائة من المحتويات التلفزيونية فى جميع أنحاء العالم كانت إنتاجات تركية.

وبيّن إبراهيم أرين المدير العام لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية لوكالة الأناضول أن مستويات التصنيف العالي لمسلسلات “تي آر تي” كانت أكثر أهمية من الناحية الثقافية مقارنة بالعائدات الاقتصادية التي بلغت 18 مليون دولار في عام 2016، وفقا لما ذكرته هيئة إذاعة الدولة التركية.

وأضاف: “أولويتنا في هذا المجال هي جعل الثقافة التركية جزءا من الثقافات المهيمنة في تلك الدول”.

وأشار إلى أن شعبية الدراما التركية في ازدياد في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، بالإضافة إلى عدد من الدول الإفريقية، حيث تشاهد برامج “تي آر تي” في أكثر من 100 دولة.

وتعد بذلك القناة التليفزيونية الأكثر شعبية خاصة من خلال بثها لمسلسل “قيامة أرطغرل” وهي دراما تاريخية عن مؤسس الدولة العثمانية. ووفقا لتقرير من جمعية المصدرين التركية، قاربت أرقام الصادرات الإجمالية 250 مليون دولار، بداية من 2015.

وأفاد معهد الإحصاء التركي في عام 2015 أن 94.6 في المائة من الأتراك يقولون إن مشاهدة التلفزيون هو النشاط المفضل لديهم. وذكر المجلس الأعلى للراديو والتلفزيون أن المواطنين الاتراك يشاهدون فى المتوسط ​​5.5 ساعة يوميا مما يجعلهم أكبر مستهلكين للعروض التلفزيونية فى العالم.

من الاستيراد إلى التصدير

بلغ معدل إنتاج الدراما التركية أرقاما قياسية مع منتصف العقد الأول من القرن العشرين، فبعد أن كانت تستورد أفلام سينما ودراما تلفزيونية، وجميع أشكال برامج الترفيه والمنافسة تقريبا في الخارج، أصبحت اليوم ثاني دولة مصدرة للدراما في العالم بقدرة تنافسية عالية الجودة.

ووفقا لبيانات وزارة الثقافة والسياحة، تم بيع الدراما التركية في بدايات تصديرها بسعر يتراوح بين 35 و50 دولارا لكل حلقة، ومع التطور الحاصل تراوحت بين 500 و 200 دولار لكل حلقة.

وهو قطاع تبث منتجاته في أكثر من 70 بلدا، بعد أن غزت الدراما الأسواق الأوكرانية والباكستانية والروسية والصينية. وبحلول نهاية 2013، جلب 150 مليون دولار في مدخلات التصدير إلى البلاد.

كما أصبحت الدراما اليوم الوسيلة الأبرز لتسويق صورة تركيا بالخارج كأداة هامة من “القوة الناعمة”.

ووفق إحصائية لقناة “آبنا” فإن الحلقة الأخيرة من مسلسل نور، الذي تصدر قائمة الدراما التركية الأكثر مشاهدة في جميع أنحاء العالم، تابعها حوالي 84 مليون شخص في الشرق الأوسط.

وقد أدركت تركيا أهمية محتويات الدراما قبل سنوات، وبدأت الاستثمار في هذا المجال عن طريق “خلق نجوم التلفزيون”، ويمنح القانون التركي للملكية الفكرية امتيازات أكثر من غيره لقابلية الشراء بالمقارنة مع العديد من البلدان الأخرى في جميع أنحاء العالم. فبعد التوقيع على اتفاقية البيع لا يلزمك العقد بإجراء دفعات منفصلة تتعلق بالمبيعات وإعادة البث والدخل الإضافي للمسلسلات التلفزيونية إلى أصحاب الحقوق.

الرئيس أردوغان في حضرة أرطغرل

خلال لقاء تلفزيوني في مارس/آذار 2017 سألت الصحفية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن رأيه في دراما “قيامة أرطغرل” الذي عبر عن إعجابه به في العديد من المرات، فقال:” إنه مسلسل تتابعه أمتنا وشعبنا، رغم ما قيل إننا لا يمكن أن ننتج مسلسلا كهذا، ولكن في الأصل أرطغرل كان جوابا صارما، فعندما يستوحي الإلهام من تاريخنا نؤمن أن مستقبلنا سيكون مليئا بالحرية”.

أردوغان وزوجته في حفل زفاف بطلة مسلسل قيامة أرطغرل

ودعا الرئيس التركي في العديد من المرات إلى العمل على إنتاج أعمال درامية تنظر للتاريخ وتتمعن فيه لأنها تمنح الثقة للشعب التركي، وهو أمر مهم، حسب رأيه.

كما زار موقع التصوير رفقة زوجته وقام بجولة تعرف من خلالها إلى الفريق وشجعهم على المواصلة والمثابرة، كما حضر حفل زفاف بطلة المسلسل “إسراء بلجيتش”، التي أدت دور “السلطانة حليمة”.

وخلال حفل توزيع الجوائز في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، سخر مقدم العرض من المسلسل وأبطاله، مما أثار جدلا واسعا خاض فيه الرئيس التركي قائلا: “حين يبدأ الأسود في كتابة قصصهم الخاصة، فإن صياديهم سيكونون دائما الأبطال”.

ويتناول مسلسل أرطغرل الذي بدأ عرضه على شاشة تلفزيون “تي آر تي” سنة 2014، قصة الغازي أرطغرل بن سليمان الشاه والد عثمان الأول مؤسس الإمبراطورية العثمانية في القرن الثالث عشر، الذي شن حملات ضد الصليبيين والمغول وأعاد للعثمانيين كرامتهم وقوتهم.

ووفق صحيفة النيويورك تايمز فإن “هذا ينسجم مع روح العصر بعد أن جعل أردوغان الاستفتاء الدستوري في أبريل /نيسان صراعا ضد أعداء الأمة التركية والخونة المحليين”.

وبينت أن قياس المزاج الوطني في تركيا أصبح يقدر بشعبية بعض البرامج التلفزيونية. إذ كان ارتفاع الثقة بالنفس رمزا للنجاح الرائع لـ”القرن العظيم”، استنادا إلى حياة السلطان سليمان، الذي قاد الإمبراطورية العثمانية في ذروة سلطتها في القرن السادس عشر.

كما يرى البعض أنه منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة فى عام 2002، أصبحت المسلسلات التليفزيونية أهم صادرات تركيا، التي تعمل على تسويق مشاعر قومية، في بلد يعيش على وقع محاولات اختراق آخرها الانقلاب العسكري الفاشل.

ووفق التايمز فإن المسلسلات التركية تعكس المناخ السياسي في البلاد، وعززتها محاولة الانقلاب في العام الماضي، وفي خضم العمليات العسكرية ضد تنظيم “داعش” وحزب العمال الكردستاني هناك موجة من الأعمال الدرامية تضم الجنود ونشطاء المخابرات بصدد القتال مع الأعداء بالداخل والخارج.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.