ثقافة

أحمد فارس الشدياق.. اللغوي الذي اعتنق الإسلام في تونس

يعتبر أحمد فارس الشدياق، أحد أركان التجديد اللغوي في القرن التاسع عشر، وقد تخرج من مدرسة عين الورقة وتعلم اللغة والفقه من شيوخ الأزهر حين استقر بمصر، سنة 1825، قبل أن يعتنق الاسلام، خلال زيارته لتونس سنة 1875، أين سمّي بأحمد ولقب بالشيخ وكني بأبي العباس.

ولد أحمد فارس الشدياق، لأسرة مارونية في قرية عشقوت اللبنانية، وقد تضاربت الآراء حول تاريخ ولادته الحقيقي، فمنهم من قال إنّ ولد سنة 1801 ومنهم من ذكر أنه ولد سنة 1805.

درس في مدرسة عين الورقة، وهي المدرسة المسيحية، التي تعلم فيها أقرانه من المجددين اللغويين، مثل بطرس البستاني، وارتكز تعليمه على العربية واللاهوت واللغة السريانية، التي كانت منتشرة بكثرة، في المجتمع العربي آنذاك، إلى جانب علوم البلاغة والمنطق.

كما تعلم الشدياق علوم اللغة والنحو، على يد شقيقه الأكبر أسعد الشدياق.

الفقه واللغة على يد شيوخ الأزهر

سافر أحمد فارس الشدياق سنة 1825 من لبنان إلى مصر، أين استقر بالقاهرة، وكان يبلغ من العمر حينها 20 سنة. وقد ساهم تشبعه بأصول لغة الضاد وعلوم البلاغة والنحو على سرعة الاندماج في المجتمع المصري، أين قضى قرابة تسع سنوات، تعلم فيها علوم اللغة والصرف والنحو والأدب والبلاغة، فضلا على تعلم الفقه والشعر، على يد الشيخ محمد شهاب الدين، وقرأ ديوان أبي الطيب المتنبي، وصحاح الجوهري، كما اشتغل مصححا لغويا بجريدة الوقائع المصرية، مستفيدا بذلك من تجربته السابقة في مجال نسخ الكتب عند الأمير حيدر الشهابي قبل رحيله إلى مصر.

أدب الرحلة عند الشدياق

تميز الشدياق بأدب الرحلات، وقد برز هذا الأسلوب عند بداية زيارته إلى أروبا، أين ألف عدة كتب تصف البلدان التي زارها وعاداتها وتقاليدها، ومنها:

  • الواسطة في معرفة أحوال مالطة

سافر الشدياق سنة 1843 إلى مالطة، أين درس في كلية فاليتا وقام بتصحيح الكتب العربية، الصادرة من مطبعة المرسليين الأنجيليين، وهناك، ألف أول كتاب له في أدب الرحلة، بعنوان “الواسطة في معرفة أحوال مالطة“،  الذي تحدث فيه عن جزيرة مالطة، ووصف ديمغرافيتها وعادات سكانها وتقاليدها وفنونها وآدابها.

  • كشف المخبأ عن فنون أوروبا

سافر الشدياق إلى بريطانيا سنة 1848، بدعوة من جمعية ترجمة الأسفار المقدسة، ليعمل بمجال الترجمة، ومن ثمة قصد فرنسا، حيث تعرف إلى عادات وتقاليد أهل أوروبا، وقد سجل ذلك في مؤلفه الثاني حول أدب الرحلة وهو “كشف المخبأ عن فنون أوروبا“، الذي حلّل فيه الكاتب أسباب نهضة أوروبا، وكان عنوان تأثر الشدياق بالنهضة الأوروبية ودعا إلى تطبيقها في البلدان العربية.

  • الساق على الساق فيما هو الفرياق

يندرج كتاب الساق على الساق فيما هو الفرياق، الذي ألفه الشدياق سنة 1855 وكان حينها ما يزال مستقرا بأوروبا، ضمن أدب الرحلات، ولكنه يتميز بطابعه النقدي، حيث لا يكتفي الكاتب بنقل الظواهر الاجتماعية والثقافية، بل يقوم بنقدها بأسلوب أقرب إلى السخرية.

الشدياق الشاعر

كتب الشدياق ديوانا تضمن 22 ألف بيت،

ومن أشهر قصائد الشدياق إلى الله أشكو ما تكن ترائبي، التي عكست إبداعاته في كتابة العربية الفصحى، وتمكنه من علوم البلاغة والنحو والصرف.

وفي سنة 1853، كتب الشدياق أول قصيدة مدحية للسلطان العثماني عبد المجيد، وقد نظمها في 130 بيتا، كما كتب قصيدة مدحية في الباي التونسي، أحمد باي، تقديرا لأعماله الخيرية، التي شملت فقراء مرسليا وباريس عند زيارته لهما.

وكانت مدحيات الشدياق، بداية منعرج جديد في حياته، حيث انتقل من الأجواء الأوروبية إلى شمال القارة الإفريقية، بدعوة من الباي التونسي، أحمد باي، الذي دعاه، لزيارته والإقامة في تونس.

اعتناق الإسلام

زار أحمد الشدياق تونس سنة 1875، بدعوة من الباي، واستقر بها لفترة من الزمن، أين اعتنق الدين الإسلامي، وغيّر اسمه إلى أحمد فارس الشدياق ولقب بالشيخ، كما كني بأبي العباس. ولم يلبث مدة طويلة، إذ أنه قرر السفر إلى الآستانة، تلبية لدعوة السلطان العثماني، أين استقر بها إلى آخر أيام حياته وقد توفى بها في 20 أيلول 1887.

إرث لغوي وأدبي

رغم أن أحمد فارس الشدياق قد قضى أكثر من نصف حياته في الترحال والتنقل، إلا أنه ساهم في إثراء خزينة المجددين اللغويين المسيحيين، في القرن 19، ومن هذه المؤلفات نذكر، كتابه في اللغة، “سر الليال في القلب والإبدال” وكتاب “الجاسوس على القاموس”، الذي رد فيه على القاموس المحيط للفيروز أبادي، وكتاب “غنية الطالب ومنية الراغب في علوم الصرف والنحو” و”كنز اللغات”، وهو معجم يشمل اللغة العربية والفارسية والتركية، فضلا على عدة عناوين أخرى.

أسس الشدياق سنة 1860 جريدة الجوائب في الآستانة، التي عرفت انتشارا واسعا في العالم الإسلامي وقد ساهمت في إحياء التراث العربي كما تميزت بجمال حروفها وحسن إخراجها ودقة تصحيحها.

كما كانت صفحات الجوائب، ميدان المناظرات الأدبية، بين فرسان التجديد اللغوي من المشارقة، على غرار اليازجي والبستاني والأحدب والصابوني وغيرهم، إلى أن خمد صداها بعد وفاة صاحبها، خادم اللغة العربية.

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.