مجتمعالرئيسيغير مصنف

مراسلة الجزيرة نجوان سمري ل”ميم”: بــالقدس مزيج من حزن وجمال وعِناد

حوار مجلة ميم مع مراسلة قناة الجزيرة في القدس، الإعلامية المتميزة نجوان السمري

 

هديل عطا الله- فلسطين- مجلة ميم

لم تكن القدس جزءًا من طفولتها، ومع ذلك كانت صورة البلدة القديمة بأسوارها وبيوتها وقبة الصخرة المشرفة تسحر صاحبة “الإسم الفارسي” الجميل، إذ لم تكن  القدس مدينتها المفضلة، بل مال قلبها في تلك المرحلة إلى عكا وحيفا حيث نشأت في الجليل شمال فلسطين.

اقتطعت مجلة “ميم” ساعةً من وقت مراسلة قناة “الجزيرة” في “زهرة المدائن” المزدحمة هذه الأيام بمتابعة الأحداث المتتابعة؛ لنخرج بحديثٍ شائقٍ معها، تبدأه بالقول: “اعترف أنني وبعد أن انتقلت للعيش في القدس خلال دراستي الجامعية، في البداية لم أتعلق بالمدينة، فبعد أن أنهيتُ الثانوية العامة في قريتي بالجليل؛ انتقلتُ “للجامعة العبرية” لأدرس الصحافة والإعلام في القدس.

في البداية لم أتأقلم وشعرت أنها مدينة صعبة للعيش؛ لم أدرك في حياتي من قبل معنى الصراع مع الاحتلال؛ فقد عشت في القرية حياةً بسيطة وطبيعية بعيدةً عن نقاط الاحتكاك؛ وحين انضممتُ إلى الحركة الطلابية العربية في الجامعة؛ أخذت اكتشف ماذا يعني أن يعيش المرء في القدس حيث الحواجز العسكرية؛ والمعاناة التي لا تنتهي؛ في تلك الأثناء بدأت الانتفاضة الثانية وصار للقدس معنى مختلف؛ لقد أحببتها إلى درجة أني لم أعد استطيع أن أعيش في مدينةٍ سواها؛ حتى أنها صارت بيتي الأول رغم أني لم أولد فيها”.

وفي إطلالة سريعة على السيرة المهنية لضيفتنا نجوان سمري، فقد انضمت إلى طاقم الجزيرة عام 2003 وكانت بداياتها في كواليس العمل؛ لتؤدي دور “المنتجة” في برنامج “فلسطين تحت المجهر”؛ وفي تلك الآونة لم يكن من مكتب للجزيرة في القدس؛ وحين تم افتتاحه عملت منتجة للأخبار في الداخل الفلسطيني لفترةٍ طويلة؛ وفي عام 2009، عملت كمراسلة اقتصادية؛ إلى أن بدأت عملها كمراسلة إخبارية تحديداً في عام 2014 إبان الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة.

 

 

هي الأقوى والأعنف

“تقاريرك من القدس لها نكهة خاصة.. أليس كذلك؟”؛ تغلف نجوان جوابها بابتسامة ناصعة: “دعيني أقول يا هديل أني أحب كل قصة فلسطينية؛ لكن للقدس مكانة خاصة في قلبي، أولاً هي المدينة التي أعيش فيها؛ ناهيك عن أنه يقع بها ظلم كبير؛ هي ليست محتلة فحسب كمدن الضفة الغربية؛ بل أن الفارق المهم هو أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية هنا هي من تدير حياة الناس اليومية مما يضاعف من ظلمهم؛ لأنهم يضطرون أن يتعاملوا مع المؤسسة الإسرائيلية التي تفرض سيادتها، وفي هذه الحالة تكون هي القاضي والجلاد”.

يتسلق الأسى أحبالها الصوتية وهي تتابع الحديث: “لا تتخيلي كم يعاني المقدسي في حياته اليومية كطرفٍ محتل من قبل الدائرة التي تدير حياته؛ تقاريري من القدس استمتع بإعدادها لاسيما إن كانت داخل أسوار البلدة القديمة، هناك كانت بداية تقاريري عن كعكها وبائعات الخضراوات في أزقتها وعن مهرجاناتها؛ ما أحاول أن أوصله للمشاهد العربي أنه ليس من السهل أن يعيش الإنسان هنا، وأن صموده وبقاءه هو وجه آخر للنضال”.

ولعل المواطن العربي يتساءل عما يميز المقدسي عن غيره من الفلسطينيين؛ تقول: “هو صامد وصابر شأنه شأن البقية؛ لكن ثمة ميزة تجعله مختلفًا؛ المقدسي عنيد جدًا؛ عناده إيجابي أي أنه لا يتنازل أبداً ولديه “روح الجكر”- كلمة فلسطينية تعني التصدي بقوة- ؛ ويتحدى بطريقةٍ جميلة؛ لا يطأطئ رأسه أمام المحتل مهما حدث؛ وعلى ما يبدو أن تعامله مع المحتل في أدق التفاصيل جعله يقترب منه إلى درجة أنه فهمه جيدًا وصار يتصرف معه بندية، وبالمناسبة أرى أن كل شعب واقع تحت احتلال لديه الحق في مقاومته”.

حين سألتها مراسلة “ميم” عن خصائص المرأة المقدسية؛ تحدثت على هذا النحو المشرّف: “لا أحب هذا التمييز بينها وبين الرجل، المرأة الفلسطينية قوية جدًا وقادرة على مواجهة الاحتلال بل كونها “أم” يزيدها عنفوانًا. المقدسية تخوض كل يوم نضالاً لمجرد أنها باقية بالقدس؛ إنها جبارة في قوة تحملها؛ تتعامل مع المحتل بإباءٍ دون أن تظهر أدنى ضعف”.

أم سامر العيساوي

ومن النساء اللاتي تؤثرن في نجوان “أم سامر العيساوي”؛ ترسم ملامحها بهذه الطريقة: “بالنسبة لي هي امرأة ذات طابعٍ خاص؛ كلما تحدثت مع الخالة أم سامر شعرتُ بخجل أمام تضحياتها الكبيرة؛ فقد قضت عمرها بين السجون تزور أبناءها؛ أعتقد أن كل أم في القدس مميزة؛ فلو نظرنا إلى الأسيرة إسراء جعابيص التي ألصق الاحتلال بها تهمة ادعى فيها أنها حاولت تنفيذ عملية؛ وعن نفسي أنا لا أثق بالرواية الإسرائيلية؛ لكنها إمرأة جبارة وتحتمل اليوم في سجون الاحتلال أوجاعًا ما كان ليحتملها أحد، كذلك السيدة خديجة خويص، أعتبرها إمرأة ملهمة ومثالًا للقوة والتحمل وحب القدس”.

 

صورة المرأة الفلسطينية في الإعلام تستفزها بشدة؛ فغالباً ما يتم الترويج على أنها فاقدة للجانب الإنساني؛ وهذا مجحف بحقها وفقاً لرأيها؛ الذي توضحه بالقول: “يظهرونها باستمرار تزغرد فرحةً عند تلقي خبر استشهاد ابنها؛ وهذا يخفي جزءا كبيرا من الحقيقة؛ الأم الفلسطينية تبكي وتتألم وتشتاق لإبنها سواء كان أسيراً أو شهيداً؛ إنها كبقية الأمهات تحزن كثيراً على فراق أحبتها وهذا لا يتعارض أبدًا مع كونها إمرأة قوية صابرة ومؤمنة بعدالة قضيتها؛ فهذا الحزن جزء من الطبيعة الإنسانية ومن الضروري إظهاره.. حقيقةً لا أتذكر أني قابلت أم شهيد أو أسير ولم أرَ قلبها يحترق”.

ومن واقع معايشتها، تؤكد نجوان سمري أن الأمر يمتد أيضاً للآباء: “أتذكر والد الشهيد بهاء عليان حين أجريت معه مقابلة كنت أسمع بكاء قلبه من شدة شوقه لابنه، وكذلك والد الشهيد ليث الخالدي الذي لم تتوقف دمعته لحظة واحدة، وغيرهم كثر”.

 

 

ولعل ما يميز مراسلة الجزيرة أنها تعتمد منهجية تركز فيها على التفاصيل الصغيرة البسيطة؛ توضحها: “لا أحب أن أغرق في الشعارات؛ وإنما أميل لإظهار تفاصيل الحياة التي تبرز الجانب الإنساني دون ابتذال؛ صحيح نحن الفلسطينيون نعيش تحت احتلال، لكن أيضًا لدينا تفاصيل حياة جميلة نعيشها ونسعى للحفاظ عليها، لدينا ثقافتنا وحفلاتنا وأكلاتنا ومهرجاناتنا؛ وأيضًا دمعتنا التي نصنع منها نقطة قوة”.

 

نجوان برفقة زميلتها شيرين أبو عاقلة

 

فرحة اليوم التاريخي

من منا لا يتذكر فرحة نجوان حين تقافزت بعد انتصار المقدسيين في يوليو/ تموز الماضي حين أرغموا الاحتلال على فتح بوابات الأقصى؛ لتغدو تغطية حصاره من أهم ما يميز مسيرتها العملية بعد ظهورها على الشاشة.

 

 

نجوان التي يعني اسمها في اللغة “مانحة الحب”؛ فخورة لأبعد حد وهي تتطرق إلى ذلك الحدث العظيم؛ وتقول : “كانت تغطية طويلة ومضنية و صعبة على المستوى الإنساني حين رأيتُ الناس غير قادرين على الدخول للأقصى؛ ليُحرموا من حق العبادة وهم على بعد أمتار من المسجد الأقصى؛ كانت تلك هي المرة الأولى التي يُغلق فيها منذ احتلال القدس”.

لا تتوقف نبضات قلبها عن الخفقان أثناء استحضارها المشهد: “كيف لي أن أنسى رؤيتي لأناس في جيل أبي وأمي وجدي يصلون على الأرض في أشد شهور السنة حرارة؛ أتذكر إمرأة مقعدة بكت بحرقة؛ فهي تسكن بجوار الأقصى في “باب حطة” ومشتاقة لأن تدخله؛ ومع أن الاحتلال أعلن السماح لكبار السن بالدخول بدون تفتيش إلا أن إصراراً عجيباً من كافة المقدسيين أن يلتزموا بقرار المرجعيات الدينية ألا يدخلوه طالما استمر قرار وضع البوابات الالكترونية”، وتضيف: “من المشاهد التي لا أنساها ما حييت؛ التعاضد الجميل بين المقدسيين حين وقفوا وقفةً واحدة حتى في طعامهم وشرابهم؛ رأينا الفلسطيني بتجلياته العظيمة في تلك الفترة”.

وتتسلل “ميم” إلى أعماق نجوان؛ التي تعترف في ثنايا الحديث الدافىء: “أشعر بروحانية لا متناهية حين أتواجد في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة؛ في أكنافهما سكينة لا يمكن ان أشعر بها في أي مكان بالعالم ولا حتى ببيتي؛ أحب أيضاً أن أتردد على جبل الزيتون في ساعات المساء؛ فمن فوقه استمتع برؤية القدس والبلدة القديمة، كذلك منطقة باب العامود”.

لمعان في ابتسامتها يتوهج؛ لتضيف: “في الأقصى أحب أن أنزوي في زاوية لأتأمل المسجد القبلي أو مسجد قبة الصخرة التي تأسرني؛ فيه جمال حتى القصائد من الصعب أن تصفه؛ وما أن أجلس في باحاته حتى أشعر أن الكون كله بين يدي؛ أدعو الله أن يمن عليكم بزيارته حتى تدركوا هذا الشعور”.

ظهرت نجوان مُنفعلة وسعيدة على شاشة الجزيرة عند لحظة الإعلان عن فتح البوابات؛ ترنّ ضحكتها معقبة: “أدهشني أن الجزيرة بثّت تقريراً على هذا الغرار يُظهر فرحي الشديد وإن كنت لا أخجل منه”.

ماذا تتذكرين من هذا اليوم التاريخي؟.. لا تحتاج لأن ترتب كلماتها في إجابةٍ مفعمة بالحب: “دخلت المسجد يومها مصادفة؛ ولم يكن الأمر مخططا له، حتى أني لم استعد تقنياً أو ارتدي زياً مناسباً؛ دخلت انا وزميلي المصور خلسة بين المصلين كي نصور اللحظات الأولى لدخولهم بعد أسبوعين من إغلاقه؛ وحينها اقتحمت قوات الاحتلال المسجد بطريقة وحشية تعمدوا فيها إرهاب الناس لينغّصوا عليهم فرحهم؛ حتى نحن الصحفيون لم نسلم منهم فقاموا برش الغاز في أعيننا؛ لم أكن أتوقع هذا السيناريو أبداً؛ أخذوا يلاحقوننا وركضنا من ركن إلى آخر محاولين أن نبقى لنواصل التغطية؛ لم يكن معنا جهاز بث كي نخرج على الهواء؛ والانترنت كان ضعيفا؛ فحاولنا إيصال الصورة لوقت قصير عبر فيس بوك؛ أنا لا أنسى ولا للحظة وكأن كل شيء يحدث الآن؛ كنت سعيدة بانتصار الكبار والصغار والشباب الذين بكوا لمجرد أنهم دخلوا الأقصى وقبّلوا ترابه”.

وتعتبر أن نصراً كهذا يستحق أن يكون أنموذجاً لكثير من النضالات العالمية؛ “لأنه نضال شعبي سلمي صمم فيه المقدسيون أن يواجهوا العالم كله؛ لأن (إسرائيل) مدعومة من العالم أجمع؛ ومع ذلك نجحوا في إجبارها على التراجع عن قرارها بشأن “البوابات الالكترونية”.. هكذا تشرح السبب.

 

يوم انتصار المقدسيين في تموز الماضي

 

سيحمون مدينتهم

حديثٌ متشعب كهذا لا يجوز أن يفّوت رأيها في إعلان الرئيس الأمريكي “القدس عاصمة لــ(إسرائيل)”؛ تعبّر عما يعتمل بداخلها: “النقاش بحد ذاته حول حقنا في القدس قاهرٌ؛ كصحفية تغطي الأحداث وكفلسطينية أقول إنه إعلانٌ غير قانوني وغير عادل؛ ترامب ليس صاحب القدس كي يعطيها لأحد؛ للقدس أهلها، ويجب التصدي لهذا الإعلان بكل الطرق الممكنة؛ ومع الأسف أرى أن التحرك الدولي والعربي والإسلامي على المستوى الرسمي لم يرتقِ حتى الآن لهذا التحدي الكبير؛ كان يتوجب التعامل مع هذا الحدث بمستوى أكبر بكثير”، مضيفة: “ما رأيناه من ردة فعل الشارع العربي في عواصم عربية عديدة “برفع الراس”؛ ما يؤكد أن أمتنا لا زالت تحتفظ ببوصلتها “القدس”؛ آمل أن يفعل العرب كل ما يجب فعله من أجل إلغاء القرار لأنه مخالفٌ لكل القرارات الأممية، تقع المسؤولية على الجميع لإثبات أنه ضد عدالة التاريخ وخلاصتها: “القدس عربية”.”

لا تغطي “بسمة” نجوان ألمها وهي تصف حال القدس اليوم: “إنها جميلة إلى درجة أن كبار الشعراء لن يفلحوا في وصف بهائها؛ عليكم أن تمشوا في شوارعها حتى تدركوا ما أعنيه؛ وفي المقابل هي حزينةٌ ومُغيبة لأن العالم لا ينتبه لها إلا إذا ما اشتعلت بالأحداث؛ أقولها بمرارة يشعر المقدسيون أنهم منسيون؛ لكنهم صامدون رغم كل ما يعيشونه؛ كانوا في الماضي يقولون: “شو فايدة الحكي!” بسبب الصمت العربي؛ أما اليوم هم عاجزون عن التعليق أمام هذا التواطؤ العلني من بعض قيادات الدول العربية؛ لقد أدركوا أنهم يجب أن يحموا مدينتهم بأنفسهم دون أن يعوّلوا على أي طرف؛ أتوقع أنهم سيكملون طريقهم لأنه ليس لديهم خيارات أخرى؛ نعم القدس حزينة لكن ما يطمئن قليلاً أن فيها تصميما وثباتا وإصرارا على مواصلة حمايتها”.

 

تغطية نجوان للانتخابات الألمانية

 

وعن مستقبل مكتب الجزيرة في القدس بعد التطورات الأخيرة؛ تقول نجوان: “لم يحدث يوماً أن توقفنا عن التغطية تحت أي ظرف؛ سنكمل بذات النَفس إن شاء الله بالرغم من المحاولات الإسرائيلية الحثيثة لإغلاق مكتب الجزيرة؛ حيث يُتهم بالتحريض لاسيما بعد أحداث الأقصى في الصيف الماضي؛ إلا أن (إسرائيل) لم تنجح لأنها لا تملك أي حجة قانونية؛ نحن نتحرى وننقل الحقيقة بأعلى درجات المهنية؛ سنغطي كل الانتهاكات ولن نتوقف أبداً بصرف النظر عن استمرار القرار أم إلغائه؛ وإن من دواعي اعتزازي بالجزيرة هو دعمها الشديد لكل ما يتعلق بالقدس لأنها جزء منا”.

سافرت نجوان إلى بلدان عدة في العالم؛ وقبل ثلاثة أشهر شاركت من برلين في تغطية الانتخابات الألمانية؛ لكنها تؤكد أن كل البلاد لا تشبه مدينتها؛ لتختم حديثها مع “ميم”: “حين أقوم بواجبي المهني في القدس أشعر أنها قصتي وقضيتي؛ ولذلك ورغم أنني أبذل قصارى جهدي لتغطية الأحداث دون إقحام مشاعري الخاصة، لكنني ومع حفاظي والتزامي بالقواعد المهنية، فإنني أشعر أن “نجوان” موجودة في كل قصة تكتبها”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.