مدونات

كذبُ المنجمِ وتصديقُ الجاهلِ

بقلم: سومية زدروني

لا يحتاج التنجيم إلى جهد عضلي، ولا حتى إلى مخزون معرفي أو تفكير منطقي، كل ما تحتاجه عزيزي المترقب رسالة تحمل اسمك ولقبك وسنك، وبعد ثوان قليلة يصلك الحظ على طبق من ذهب، فرح مرتقب، عمل في الأفق، زواج عند الباب، حب يكاد ينفجر، وسعادة ترابط عند قلبك فقط لو تتخلى عن التمنع وتتركها تلج.

سومية زدروني

كان المنجم في القديم، يحمل البعض من الدهاء، يبسط كفك ويمعن في الخطوط المتقاطعة، يشعرك للحظة أنه يرى مستقبلك من هذه المساحة الصغيرة، يحمل فنجان قهوتك، يقلبه بطريقة معينة، ليفسر لك تضاريس القهوة المنسدلة، يوهمك أن الإنحدار عقبات، والفراغ مسرات ستبلغها، فيحبس حاضرك في ملعقة من البن مذابة بالماء لا تحسن حتى تعديل مزاجك، لكنها ستغير حياتك.

ساهمت التكنولوجيا في ترقية التنجيم، لكنها أفقدته مذاق الخصوصية الذي كان يصنع الفروقات بين الناس، فاليوم أصحاب البرج الواحد ياختلاف ألوانهم، وأجناسهم، وأديانهم، يلتقون في مصيبة واحدة، ويحققون النجاح نفسه، فالحادث الذي سيكون في الوطن العربي بسبب حفرة لم تردمها البلدية، سيكون نفسه في ألمانيا بسبب حفرة مخصصة لزينة، والزواج الذي حدث في أوطاننا بناء على وساطة عائلية، سيحدث عندهم أيضا، المحزن أنهم سيحظون بنفس مصيرنا، لمجرد أننا نتشارك الشهر أو اليوم.

في هذه الأيام ومع نهاية السنة، ستتربع نخبة التكهن القنوات، بفساتين وبدلات أنيقة، يحملون الورقة والقلم، يتحدثون بكل ما هو علمي، سيقولون ما قالوه السنة الماضية، والسنوات التي سبقتها، المخجل ليس في الكاهن نفسه، بل في جمهور المتتبعين، أغلبهم من المتعلمين، أصحاب الشهادات، ورواد الجامعات، ومن يشهد لهم بالثقافة والفكر، من طبقة نكاد نجزم بثباتها، ورجاحة عقلها، لكن في هذه المعتركات يكاد يعريها الغباء الذي ظل قابعا بمخيلتها.

كم كنا سنتعب لو علمنا بالموت والحياة مازالت تدب بشريان القلب، بالفشل وسط فرحة النجاح، بالمرض ونحن ننعم بالصحة، بالصحبة قبل الخذلان، وبالمحبة وسط الفراق، كنا سنرهق ونحن نترقب السيئ. 

الحرب لن تنتهي، ككل يوم سنقوم وعدد القتلى يغزو الأخبار، رؤساء سيذهبون وآخرون على أهبة المجيئ، لا علة لذهابهم سوى الأوامر الفوقية من راعية السلام، بين مخلوع، ومقتول، و مقال، لا يختلف الجمع في الطريقة، فقد تعودنا عليهم وعلى النهايات التي تحاك للكراسي، البراكين والزلازل ستعود، فالطبيعة ليست ساكنة كما نتخيل، ربع شباب الكرة الأرضية سيتزوج، والربع الآخر سيطلق، وهذا ليس اكتشافا جديدا، أما ثالث الأرباع سينجح، والباقي سيفشل، في الفن العديد من الفنانات سيتزوجن، عامل السن والمال ومن قدم أكثر، أما الموت فهو الدائرة الطبيعية للحياة، أحدهم سيلمع، وآخر سيبهت، وتلك هي دورة الشهرة.

هذا ما سيضمنه لكم المنجمون بعد أيام قليلة، نحن الذين حجب الله علينا علم الغيب في قوله “قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله”، كم كنا سنتعب لو علمنا بالموت والحياة مازالت تدب بشريان القلب، بالفشل وسط فرحة النجاح، بالمرض ونحن ننعم بالصحة، بالصحبة قبل الخذلان، وبالمحبة وسط الفراق، كنا سنرهق ونحن نترقب السيء، ننتظره وسط أفراحنا، كنا سنفقد ذوق الاستمتاع، لهذا، كذب المنجمون ولو صدقوا أو صدفوا.. حمدا لله حين أبقى حياتنا في كنف الغيب الذي لن تطوله كاميرات الزاعمين بمعرفته. 

سومية زدروني

مدونة جزائرية، مهتمة بقضايا الوطن العربي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.