مجتمع

في أكبر حي شعبي بتونس العاصمة.. فراغ ثقافي تتمدد فيه الجريمة والإرهاب

32 % من المتهمين بالإرهاب بأحياء العاصمة يقطنون أحياء دوار هيشر والتضامن والمنيهلة

نشأ حي التضامن التابع لمحافظة أريانة، في الضاحية الشمالية الغربية لتونس العاصمة، بطريقة غير قانونية، منذ السبعينات، وقد بدأ في التمدد والاتساع بعد موجة النزوح التي شهدها الحي من المناطق الداخلية. ويصنف حي التضامن كأكبر الأحياء الشعبية في تونس، غير بعيد عن وسط العاصمة على مسافة 15 كلم.

وتشير إحصائيات المعهد التونسي للإحصاء لسنة 2014، إلى أن عدد سكان الحي بلغ 84 ألف ساكن، يتوزعون على مساحة 400 هكتار. ورغم محاولات السلط التونسية احتواء هذا الحي وإعادة تهيئته، إلا أنها اقتصرت على بعض الحلول الترقيعية، خاصة بعد أن خرج الحي عن السيطرة من حيث البنية التحتية والبنايات العشوائية، وارتفاع عدد السكان، فاحتارت الدولة اعتماد المقاربة الأمنية للتعامل مع المنطقة.

 

وحسب تقرير معهد الإحصاء، فإنّ نسبة البطالة في صفوف أصحاب الشهائد العليا، بهذا الحي، تبلغ حوالي 28 بالمائة، في حين بلغت نسبة التمدرس في الفئة العمرية بين 19 و24 سنة 40 بالمائة، وتجاوزت نسبة الأمية نسبة المعدل الوطني لتبلغ حوالي 18 بالمائة.

 

إعادة تهيئة دار الشباب التضامن

الاستقطاب في غياب مؤسسات الشباب

لم تنشط دار الشباب بحي التضامن، منذ أحداث الثورة في جانفي/ كانون الثاني 2011، وذلك بعد أن تعرضت للحرق والإتلاف. وأفاد فوزي بن هلال رئيس مصلحة دور الشباب بوزارة الشباب، في تصريح لـ”ميم”، بأن دار الشباب بحي التضامن تشهد إعادة تهيئة منذ سنة 2011 بعد أن تعرضت للحرق والإتلاف، إلا أن هذه الأشغال تعطلت بسبب عدة إشكاليات، لتستأنف من جديد في أوت/ أغسطس 2016، ومن المبرمج أن يقع فتح هذه المؤسسة بداية السنة الجارية.

فوزي بن هلال: رئيس مصلحة دور الشباب

وغير بعيد عن حي التضامن توجد مؤسسة شبابية في معتمدية المنيهلة وهي المؤسسة اليتيمة في تلك المنطقة، إلا أنه “من المستبعد أن يتحول شباب حي التضامن إلى دار الشباب المنيهلة للنشاط هناك”، حسب بن هلال، الذي أضاف متحدثا عن الفراغ الثقافي: “نحن نعول على أنشطة المنظمات والجمعيات التي تساهم بشكل كبير في سد غياب دور الشباب بهذه المنطقة”.

وأثنى فوزي بن هلال على الدور الكبير الذي تقوم به الجمعيات والمنظمات في ظل غياب دور الشباب الحكومية، إلا أن هذه الأنشطة المناسباتية لا تفي بحاجة أحد أكبر أحياء تونس الشعبية، حسب قوله.

 ويشير كمال هنيد مدير المؤسسات الشبابية بالإدارة العامة للشباب بوزارة شؤون الشباب والرياضة، في تصريح لمجلة “ميم”، إلى أنّ هناك مناطق وأحياء، وخاصة تلك التي التي تنتشر فيها السلوكيات المحفوفة بالمخاطر، كالجريمة والإرهاب، تغيب فيها المؤسسات الشبابية تماما، وإن وجدت فإن دورها يكون غير فاعل، حسب قوله، إذ يهجرها الشباب لقلة تجهيزاتها وضعف بنيتها التحتية”.

 

 

وفي هذا السياق، أظهرت دراسة قامت بها منظمة “إنترناشيونال ألارت”، أنّ غالبية شباب المنطقتين الشعبيتين حي التضامن ودوار هيشر، يتعاطفون مع التنظيمات المتشددة دينيا مثل التنظيم المحظور “أنصار الشريعة”. 

وأضافت الدراسة التي أنجزها باحثون ميدانيون سنة 2014، أن ظاهرة السلفية المتشددة تنامت في هذه الأحياء بنسبة 35.2 بالمائة.

ومن نتائج هذه البحث، أن 44 بالمائة من شباب المنطقتين أكدوا أن أوضاعهم لم تتغير، وعبروا عن خيبة أملهم من انتظاراتهم من الثورة ومؤسسات الدولة. في حين يعتبر 46 بالمائة من الشباب أن أوضاعهم زادت تدهورا.

ومن جهته أكد المركز التونسي للبحوث والدراسات حول الإرهاب (التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية)، أن حوالي 32 بالمائة من المتهمين بالإرهاب في منطقة العاصمة التونسية، متواجدين أساسا في الأحياء الشعبية مثل دوار هيشر وحي التضامن والمنيهلة، وغيرها.

 

 

2018 تنفيذ خطة مكافحة التطرف

وقد سعت مختلف مؤسسات الدولة لتصدي لظاهرة الإرهاب التي تهدد مستقبل الشاب التونسي من خلال العمل على تنفيذ خطط تهدف إلى مكافحة خطر التطرف.

ويعتبر مختصون في هذا المجال أن تونس من الدول العربية الأولى التي وضعت خطة وطنية لمكافحة التطرف والإرهاب، حيث عملت مختلف الوزارات بالحكومة الحالية على إعداد خطط، تهدف للحد من خطر الإرهاب.

وفي هذا الإطار يؤكد السيد كمال هنيد، أن “وزارة الشباب كانت من أولى الوزارات التي وضعت خطة تنفيذية في إطار الإستراتيجية الوطنية لمجابهة ظاهرة التطرف والإرهاب، وتم عرضها على اللجنة الوطنية لمكافحة التطرف والإرهاب، وهي خطة جاهزة سيتم تطبيقها مع بداية سنة 2018.”

وتابع محدثنا: “في الوقت الذي يتم فيه إعداد الخطة الوطنية لمكافحة الإرهاب، نفذت وزارة الشباب برنامجا وطنيا تحت عنوان “نحن الشباب حماة الحماة” والذي يهدف إلى إبعاد الشباب على كل مظاهر التطرف والسلوكيات العنيفة”.

أزمة قوانين

أكد كمال هنيد أنّه لا يوجد قانون ينظم دور الشباب في تونس منذ 1963، إلى أن تم إصدار أول مرسوم يؤطر المؤسسات الشبابية سنة 2011، بعد الثورة التونسية، لكن يبقى هذا المرسوم  غير كاف لتأطير النشاط الشبابي،”ونحن نعرف الحجم الكبير من الجمعيات والمنظمات التي أولت اهتماما كبيرا بالشباب، دون رقابة على عملها، لذلك من الضروري أن يكون النشاط الثقافي والشبابي مؤطرا وله أهداف وغايات واضحة، ويخضع إلى استراتيجيات واضحة”، حسب هنيد.

وقد نظمت وزارة الشباب بداية في 25 نوفمبر 2017 ندوة، بحضور 500 مدير مؤسسة شبابية تم خلالها تباحث الإستراتيجية الجديدة لعمل مؤسسات الشباب، ومن المنتظر أن يقع إدراج مخرجات هذا اللقاء في نصّ قانوني.

وبعيدا عن فضاءات النقاش الإدارية والوزارية، يمتد الفراغ داخل الأحياء الشعبية الفقيرة، بين فئات عمرية هشة قابلة للاستقطاب لمختلف النزعات السلبية ولتوجيه أحلامها نحو أجندات تدميرية للذات وللمجتع. كما تمتد الأجندات والمشاريع الثقافية والفكرية الخارجية التي تنفذها المنظمات، دون رقابة، كما أوضح السيد كمال هنيد.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

اترك رد