ثقافة

عالم ايزابيل الليندي السّاحر

 

الكتابة تفحص طويل لأعماق النفس، رحلة إلى أشد كهوف النفس عتمة، وتأمل بطيئ، إنني أكتب متلمسة في الصمت

بهذه الكلمات القليلة تعرّف ايزابيل الليندي عملية الكتابة المجهدة والممتعة في آن واحد، وتمنحها ذلك الطابع الداخلي الذي يخاطب النّفس قبل أن يخرج للعلن، وبذلك يصل مباشرة للقلب لانّه بضعة من قلب آخر.

 

كان يوم سعدي حين وقعت على سيرتها الذّاتية “حصيلة الأيّام”، وبالفضول اللذيذ الذي ينتابنا حين نتعرف الى

مريم تولتش

حيوات الآخرين المختلفين جدّاً عنّا في الخلفية والثقافة، تابعت قراءة ما كتبت، وسرعان ما وقعت أسيرة لجمال وحميمية ما دوّنته بلغتها العذبة وخيالها الذي تسبغه على وقائع الحياة الرّوتينية والجافّة، فتتحول بقدرة ما لتجربة لا تنسى وتصلح أن تروى.

 

في صدارة  كتّاب أمريكا اللاتينية يرد إسمها، تلك الروائية  التشيلية السّبعينيّة التي حوّلت أصعب التجارب الإنسانية لقطعة أدبيّة تجوب دروب الأرض شهرة وانتشارا كما فعلت في روايتها “باولا “، وتتحدث فيها عن الأيام الثقيلة التي رافقت غيبوبة ابنتها باولا بسبب مرض وراثي نادر، وكيف كان هروبها من الألم بالكتابة، الكتابة عن تاريخ العائلة وتاريخها الشخصي الحافل بالغرائب والترحال ومقاومة الديكتاتورية.

 

بينوشيه

يصنّف أدبها ضمن الواقعية السّحريّة، وهو النوع الادبي الذي يمزج السرد الواقعي للاحداث بالتخيلات  والأساطير بحيث يصعب الفصل بينهما، وتتناول الأحداث السّياسيّة وفساد السّلطة في سياقها العام، وقد عانت الليندي من ديكتاتورية بينوشيه الذي قام بانقلاب عسكري على الرئيس المنتخب سيلفادور الليندي أحد عمومة ايزابيل، وبناء على ذلك صنّفت تلقائيّاً كأحد المعارضين، واضطرت بسبب ذلك الى الهرب خارج البلاد، وبقي هذا الحنين لبلدها تشيلي جليّاً فيما تكتبه، وفي وصفها الدقيق لنمط حياة الناس هناك وعاداتهم.

 

ما يثير في رحلة الإبداع الأدبي لدى الليندي، أنها سارت رحلة طويلة قبل أن تبدأ كتابة الرواية وهي في الأربعين من عمرها، إذ أنها عملت في التّرجمة والصحافة وفي التلفزيون والتعليم قبل أن تكتشف موهبتها عند وفاة جدّها، حين جلست تكتب رسالة طويلة له تحوّلت لروايتها الأولى “بيت الأرواح“ التي تحوّلت لفيلم سينمائي.

 

 

مفتاح شخصيّات روايات وقصص الليندي هو الشّغف، إذ أن الأبطال والبطلات يكونون مدفوعين بشغف لا يقاوم نحو مبدأ سام كالحرية أو عاطفة الحب، فمثلاً في “جزيرة تحت البحر“ تعيش البطلة حالة التوق للحرية رغم أنها تحيى واقع العبودية القاسي الذي ساد الأمريكيتين حتى منتصف القرن الثّامن عشر، بينما في “ابنة الحظّ” تمضي البطلة الزا في رحلة نحو المجهول في قارة امريكا الشمالية بحثا عن حبيبها الذي هاجر ليكسب قوته.

نلمح في  بعض  كتاباتها أجزاء من سيرتها الذاتية كما في “بيت الأرواح“ و“باولا“ و”حصيلة الأيام“ و“بلدي المخترع“، وبسرد مدهش محكم، حافظت فيه على التّشويق وطلاقة الخيال وجرأة التّعبير عن الآراء التي ربما كانت صادمة في مجتمعها التشيلي المحافظ، خصوصاً فيما يتعلّق بحقوق النّساء، ونلمح من خلالها الدّور البارز الذي تلعبه الأسرة بشقيها الصغير والممتدّ في إلهامها وفي تكوين نمط حياتها الحريص على التّواصل ولمّ الشّمل والإحتفال بفرح الحياة، وتدين بالفضل لأسرتها في تنمية موهبتها، حيث تقول: “أنا محظوظة لأنّني أنتمي لأسرة غريبة الأطوار، فكثير من المجانين هم من يشكِّلون سلالتنا الطّريفة. هؤلاء المجانين أوحوا إليّ كتابة جلّ رواياتي تقريباً، روايات استغنيت فيها عن الخيال، لأنّ في وُجودهم لن أحتاج إليه أبداً، ففيهم كلّ مكوّنات الواقعيّة السّحرية.”

 

اعتادت الليندي في تاريخ محدّد بداية كل عام أن تكتب الجملة الأولى في روايتها الجديدة، وهذا الطقس يجري لديها بكثير من الإحتفاء والتّحضير النّفسيّ، وتعيش عالمها الخاصّ الذي يوحي لها بمسار الأحداث وتطوّر الشّخوص، وتعلّل حاجتها للكتابة: “اكتبُ لأجلو الأسرار القديمة في طفولتي، ولتحديد هويتي، ولأخلق أسطورتي الخاصة، وهذا الالتزام لديها جعلها تنتج خمسة وعشرين عملاً أدبياً حتى الآن، وهي من أكثر الروائيين الذين رشّحوا لنيل جائزة نوبل للآداب، حصلت على العديد من الجوائز، كان أبرزها في نوفمبر 2014، حيث قلدها الرئيس الأميركي باراك أوباما وسام الحرية الرئاسي في البيت الأبيض.

 

 

 

أمّا الفنّ الخالص في أدبها، فنلمحه حين تغوص في الحبّ وأسراره، تقود القارئ إلى مساراته ومتاهاته صعوداً وهبوطاً، فيشعر انه يعيش مع الشّخوص عشقها، ويدرك تفاصيله الدافئة بحواسّ تهبها له رهافة تصويرها للمشاعر، وتفاؤلها الدائم بمصير الحب الحقيقي الذي لا يعرف الكلل والخوف، وتعبّر عن فلسفة حياتها الحريصة على عيش الحياة لأقصى الحدود بعبارتها: “إننى أتألم مثلك، ولكنني أقل خوفا من الموت وأكثر أملا بالحياة”.

 

مريم تولتش

صحفية متابعة للشؤون الأوروبية ومتخصصة بالبوسنة والهرسك 

الوسوم

مريم تولتش

صحفية متابعة للشؤون الأوروبية ومتخصصة في البوسنة والهرسك

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “عالم ايزابيل الليندي السّاحر”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.